بين السطور | عقاب رمضان بغطاء مختلف..


((المستوزرون في المغرب عددهم كثير وظروف استوزارهم أكثر، وكلما ضعفت أهمية الوزارة ونفوذ الوزراء كلما زادت حظوظ المستوزرين أكثر فأكثر، ولقد بردت في هذه الأيام حمى التعديل الوزاري وتمطط أعضاء الحكومة الحالية على كراسيهم طالبين من الله ليل نهار أن يكون شهر رمضان يعادل ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وهم بلا شك، ومن الآن، بصدد تحضير الدعوات التي سيرفعونها إلى الله في ليلة القدر، لكي تبقى الحال على ما هي عليه، وتزداد المشاكل الاجتماعية تأزما، والمشاكل الخارجية تعقدا، والمؤتمرات الحزبية تصلبا، ليبقى التفكير في تغييرهم ثانويا، ويدرج التعديل في مسار المقولة المعروفة: “كم من حاجة قضيناها بتركها”، ولكن المستوزرين بدورهم مرتاحون إلى أن التعديل سيكون في يوم، في شهر، في سنة، حيث ستهدأ جراحهم وتنام بينما عمر جرح الحكومة الحالية يبدو أطول من الأيام.. فما هي يا ترى آفاق الاستوزار بالنسبة للمستوزرين السابقين للوائح الترشيحات واللاحقين ؟)).
السطور التي قرأتم كتبها والدي ومؤسس جريدتنا، مولاي مصطفى العلوي رحمه الله، أواخر شهر مارس 1989، أي بالضبط قبل 35 سنة، تاريخ تزامن في ذلك الوقت مع منتصف شهر رمضان كذلك، فعند قراءتها يظن الواحد أن الزمن قد توقف، رمضان في نفس التاريخ، وكل شيء ما زال على حاله(…) وكأن 35 رمضانا مر علينا بنفحاته من الموعظة والاستغفار، سرعان ما نعود كل مرة بعده إلى الدوامة الجهنمية التي نعيشها طيلة الأحد عشر شهرا التي تليه، رغم أن الله قد نبهنا إلى هذا التسلسل السنوي، بقوله تعالى: ((أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون)).
إلا أنه من غرائب الزمان هذا العام، يا قارئ أزليات شهر رمضان، أننا فهمنا أنه لم يعد هناك مكان لرجل قوي(…) ولا لمخلوض، بعد 35 سنة.. لا طالما تعددت فيها أقوال “اللهم إن هذا منكر” بجميع ربوع المملكة، تلفظ بها الرجال المسنون، ثم النساء والحوامل، لتنتقل إلى الشبان والأطفال، حتى فهمنا الآن أنها لم تكن دعوات بدأت تُستجاب(…) فحسب، بل مقاصد سياسية كثيرة المعاني عميقة الأبعاد(…)، بدأت ملامحها ترتسم منذ سنة 2018، أيام عنونت جريدة “الأسبوع الصحفي” ملفا بـ: “هل يحاكم محمد السادس اللصوص والمرتشين كما فعل أبوه في رمضان؟”، في إشارة إلى فساد عرفه المغرب بالأمس، أرسل فيه الحسن الثاني نصف الوزراء لزيارة(…) سجن لعلو.. وما نعيشه اليوم هو السيناريو نفسه بغطاء مختلف: تتواصل الحملة ويتواصل معها مسلسل الرعب، ولا شك أن جل المسؤولين يرددون وهم ذاهبون إلى العمل العبارة المغربية الشهيرة: “الله يخرج هاذ السربيس على خير”.
كيف لا يقلقون ومئات تقارير المجلس الأعلى للحسابات في طريقها للقضاء؟ كيف لا يقلقون وكبار القضاة حلوا ضيوفا على عدة جماعات باستماراتهم الخطيرة التي تنزل على المديرين ورؤساء الأقسام مثل الحجارة؟ كيف لا يقلق المسؤولون في شهر رمضان والسجن في المغرب لم يعد يفرق بين الوزير والغفير، كما لا يفرق بين القريب والبعيد؟ إنه شهر رمضان، غير أنه لم يعد شهرا لإحصاء الحسنات فحسب، بل أيضا شهرا لإحصاء الهفوات.. أكيد أنه “اللي دار الذنب يستاهل العقوبة”، غير أن تكلفة محاربة الفساد قد تكون في بعض الأحيان أكبر من تكلفة الفساد نفسه، وبه وجب الإعلام.



