تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | شبح الإرهاب.. يدفع المغرب نحو روسيا

في ظل محاولة خلق صراع بين بوتين والمسلمين

إعداد: سعيد الريحاني

    بغض النظر عن كل الحسابات والضغط الذي يعيشه المغرب من لدن الدول الأوروبية وأمريكا.. اختارت المملكة توجيه رسائل واضحة نحو موسكو، وآخرها الرسالة التي بعثها الملك محمد السادس إلى الرئيس فلاديمير بوتين، إثر الاعتداء الإرهابي الشنيع الذي استهدف مركزا للحفلات بموسكو، وراح ضحيته مواطنون أبرياء، بل إن رسالة الملك محمد السادس حملت عبارات مؤثرة في برقية التعزية التي جاء فيها: ((لقد علمت بعميق التأثر وشديد الاستنكار، بنبأ الاعتداء الإرهابي الشنيع الذي استهدف مركزا للحفلات بموسكو، مخلفا العديد من الضحايا والمصابين.. وإني إذ أعبر لفخامتكم عن إدانة المملكة المغربية الشديدة لهذا الفعل الإجرامي الجبان، وعن تعاطفها وتضامنها مع بلدكم الصديق، لأعرب لكم، ومن خلالكم، إلى الأسر المكلومة وإلى الشعب الروسي، عن أحر التعازي وصادق مشاعر المواساة إزاء هذا الحادث المفجع، داعيا الله أن يلهمكم جميعا الصبر والسلوان وأن يتقبل الضحايا في ملكوته الأعلى ويمن على المصابين بالشفاء العاجل)) (المصدر: رسالة الملك محمد السادس إلى الرئيس فلاديمير بوتين).

تتمة المقال تحت الإعلان

وكانت روسيا التي توجد في حالة حرب ضد حلف “الناتو” والدول الغربية(..)، قد اهتزت على وقع حادث إرهابي كبير يوم الجمعة الماضية أسفر عن مقتل عشرات المواطنين، بعد هجوم بالأسلحة النارية على مركز تجاري (كروكوس)، يوجد بضواحي موسكو، وقد ((وجهت محكمة روسية اتهامات لأربعة رجال تقول إنهم هاجموا حفلا في العاصمة موسكو وقتلوا ما لا يقل عن 137 شخصا.. واقتيد ثلاثة أشخاص سيرا على الأقدام، بينما سيق الرابع على كرسي متحرك إلى المحكمة، حيث واجهوا جميعا اتهاما بارتكاب عمل إرهابي)) (المصدر: عدة وكالات).

تتمة المقال تحت الإعلان

هذه المرة، اتفقت جل الروايات الغربية التي تنهل من المحبرة الأمريكية، على إعادة تكرار ربط هجوم موسكو بحركة “داعش”، وأمريكا نفسها ألصقت التهمة بـ”داعش”، وقمة المفارقة أكدتها تصريحات المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، التي قالت أن الولايات المتحدة دفعت نفسها إلى طريق مسدود تماما بتصريحاتها حول تورط تنظيم “داعش” (المحظور في روسيا) في الهجوم الإرهابي على مجمع “كروكوس سيتي هول” بضواحي موسكو، بل إنها قالت متهكمة:” أنتم – الولايات المتحدة وبريطانيا – خلقتموه بأنفسكم” (تقصد داعش).

وبغض النظر عن كون أمريكا التي خلقت “داعش”(..) هي من ألصقت تهمة الإرهاب في موسكو بـ”داعش”، خاصة بعد أن تبنى فرع “داعش” الذي يسمى “خراسان” العملية، من خلال نشر فيديو يوثق للعملية(..)، وانظروا للمفارقة في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أن هذه المواقع العالمية المعروفة تصل إلى بيت كل إنسان، وتحدد بدقة مسؤوليته في بعض الجرائم، هي نفسها التي لا تقدم دليلا واحدا على مكان تواجد “داعش” وهوية “الداعشيين” المرتبطين بالأنترنيت(..).

المهم، أن الرواية الرسمية الأمريكية والبريطانية طبعا، تقول إن تنظيم “خراسان” هو الذي يقف وراء هجوم موسكو، وتنظيم “خراسان” لمن لا يعرفه هو: ((أحد أكثر فروع تنظيم الدولة الإسلامية وحشية، وقتلت جماعة “داعش-خراسان” الإرهابية الآلاف في أفغانستان وباكستان في هجمات نفذتها منذ العام 2015.. وتستمد المجموعة اسمها من خراسان، وهي تسمية قديمة لمنطقة تشمل أجزاء من إيران وتركمانستان وأفغانستان، ولكن أنشطة المجموعة الإرهابية تمتد إلى ما هو أبعد من هذه المنطقة، وبالإضافة إلى ارتكاب هجمات مميتة في إيران وباكستان وطاجيكستان وأوزبكستان، فقد تم تشكيل “داعش – خراسان” في عام 2014 من قبل منشقين عن “طالبان” و”القاعدة” في باكستان وأفغانستان، وتبنى المنشقون رؤية أكثر عنفا للظاهرة الجهادية الإرهابية، وفي عام 2015، عرفت الجماعة نفسها رسميا على أنها امتداد لتنظيم “داعش” في منطقة خراسان، ومثل “داعش”، يلتزم “داعش – خراسان” بهدف إقامة خلافة عابرة للحدود الوطنية، وهي دولة للمسلمين تحكم حسب تفسيرها المتطرف للإسلام)) (المصدر: عدة وكالات).

بعض المتهمين بتنفيذ هجوم موسكو

فلاديمير بوتين ومعه الأجهزة الروسية، لا يمكنهم أن يصدقوا هذا الادعاء من أول وهلة، لذلك قال القيصر(..) في أول خطاب موجه إلى الشعب، من خلال اجتماع حكومي بثه التلفزيون، أن ((الهجوم ارتكبه متطرفون إسلاميون في موسكو.. يحارب العالم الإسلامي بنفسه إيديولوجيتهم منذ قرون، وأضاف أن الهجوم الدامي على قاعة حفلات بالقرب من موسكو هو من تنفيذ إسلاميين متشددين، لكن إطلاق الرصاص يتطابق مع حملة أوسع نطاقا من تهديدات أوكرانيا.

وقال بوتين خلال الاجتماع الحكومي: من الأهمية بمكان الإجابة عن السؤال المطروح حول السبب الذي دفع الإرهابيين، بعد ارتكاب جريمتهم، لمحاولة التوجه إلى أوكرانيا.. من كان ينتظرهم هناك؟)).

واحد من المتهمين واسمه فريديون شمس الدين، وهو من مواليد 1998 (انتبهوا جيدا لهذا السن) قال إنه وصل من تركيا في 4 مارس، بعد أن تم تجنيده عبر تطبيق “تليغرام” قبل حوالي شهرين، موضحا أنه كان يستمع إلى محاضرات أحد الدعاة حتى اتصل به شخص وقال إنه مساعد للداعية.. وأضاف أنه دخل الحفل في موسكو وأطلق النيران على الناس مقابل المال، معترفا أنه تلقى ما يقارب نصف مليون روبل (أي 5000 دولار تقريبا)، وتابع أنه استلم نصف المبلغ عبر البطاقة البنكية، موضحا أن من تواصل معهم عبر “تليغرام” زودوه بالأسلحة دون أن يعرفهم.

كل أولئك الأبرياء والضحايا الذين بلغ عدد القتلى منهم أزيد من 137 شخصا و146 مصابا، تم إطلاق النار عليهم مقابل ما يناهز 5 مليون سنتيم فقط.. كم هي رخيصة أرواح البشر عند هذا النوع المتطرف من البشر، وقد كان واضحا أن هناك من تحرك لمحاولة خلق صراع بين بوتين والمسلمين، لولا أن ذكاء الروس كان أكبر، بل إن الروس كرموا شابا مسلما لأنه ساهم في إنقاذ حوالي 100 شخص من الموت بسبب الإرهابيين.

التحقيقات متواصلة والمغرب وغيره من الدول امتلكوا الشجاعة لإعلان تضامنهم مع روسيا، رغم أن الخطر واحد، سواء من طرف “داعش” أو من طرف الدول المحدثة للفوضى في العالم، وفي مقدمتها أمريكا(..).

الحادث الإرهابي تزامن مع فوز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو صديق المسلمين في كل أنحاء العالم(..)، بالانتخابات الرئاسية الروسية، بعدد كبير من الأصوات يصل إلى 76 مليون صوت، بمعنى أن روسيا موحدة خلف رئيسها، وحدهم المرعبون من بوتين في الدول الأوروبية شككوا في هذه الانتخابات، وهنا تنضاف نقطة أخرى لصالح العلاقات المغربية الروسية، بعد أن بادر الملك محمد السادس إلى تهنئة الرئيس فلاديمير بوتين بفوزه في الانتخابات، عبر برقية خاصة جاء فيها: ((بمناسبة تجديد الشعب الروسي ثقته في شخصكم رئيسا للدولة، يطيب لي أن أتقدم إليكم بأحر التهاني وأصدق المتمنيات بكامل التوفيق في مواصلة قيادة روسيا الاتحادية على درب المزيد من التقدم والازدهار.. وإنني لأؤكد لفخامتكم حرصي الراسخ على مواصلة العمل سويا معكم من أجل المضي قدما في توطيد روابط الصداقة المتميزة التي تجمع بين بلدينا، والقائمة على التقدير المتبادل والتعاون البناء، والسعي معا إلى تعزيز شراكتنا الاستراتيجية في مختلف المجالات، لما فيه مصلحة شعبينا الصديقين)) (المصدر: رسالة تهنئة من الملك محمد السادس إلى الرئيس فلاديمير بوتين).

الحموشي

في عز الحرب، وفي عز الخلاف بين الغرب وروسيا، اختار المغرب التضامن مع الشعب الروسي وتهنئة الرئيس فلاديمير بوتين، ما يعني أن الحسابات الجيوستراتيجية فرضت على المملكة عدم وضع البيض كاملا في سلة واحدة، بل إن من شأن الهجوم على موسكو أن يكون مقدمة لتفعيل التعاون الثنائي الأمني بين البلدين، والذين يعرفون أسرار العلاقات المغربية الروسية، يعرفون أن المدير العام للأمن الوطني ومديرية مراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف الحموشي، سبق أن كانت له عدة لقاءات أمنية رفيعة مع المسؤولين الروس، بل إنه كان حريصا في بعض اللحظات على الحضور بنفسه لفعاليات العيد الوطني لروسيا، والذي تحتفي به السفارة كل سنة(..).

إن وجود روسيا في حالة حرب ضد الغرب، ولا داعي لتصديق الدعاية الغربية(..)، يضع المغرب في قلب حسابات معقدة حيث ((ينقسم المحللون اليوم وراء إحدى النظريتين اللتين تتجاذبان العالم: إما الإيمان بأمريكا كقوة مهيمنة على العالم، ولا مفر منها، وإما الاعتقاد بالقوة العالمية الصاعدة، الصين ومعها روسيا وغيرها من الدول التي تسعى إلى وضع حد لعالم يسود فيه الطغيان الأمريكي.. وبين روسيا وأمريكا، والجار العدو (الجزائر)، يتعين على المغرب إذن، استعمال أدوات الجراحة الدقيقة لفهم المستقبل، والنجاة بنفسه من الدوامة التي تهدد بسحق دول كبرى، فالحرب الروسية الأوكرانية قد تنتهي بالقضاء على أوروبا كاملة فما بالك بدول صغيرة.. وقد تأكد فعلا مع طول مدة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وعدم قدرة حلف “الناتو” على التقدم بأي خطوة نحو روسيا، باستثناء الدول الغربية التي اختارت تقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بطريقة غير مباشرة، لتجنب الحرب مع روسيا، تأكد أن الرئيس فلاديمير بوتين لا يلعب، ولا يمكن أن يقبل بأي هزيمة في هذا الملف الذي سينتهي حتما بالقضاء على أوكرانيا، التي تم التغرير بها في هذه المواجهة)).. فـ((المشكل الحقيقي هو أن الغرب يلح على إطالة أمد هذه الأزمة، ويساعد أوكرانيا بكل الوسائل المتاحة لكي تنتصر في هذه الحرب، وبهذه الطريقة، في التدخل في الشؤون الأوكرانية، لا يترك الغرب أي إمكانية لبداية مفاوضات سلمية حقيقية.. والمفارقة الكبرى هي أن أوروبا لا تعي التهديد الحقيقي والخطورة الفعلية لهذه الحرب عليها، ذلك أن أمريكا لا تتضرر مباشرة من هذه الحرب لأنها بعيدة جغرافيا عن روسيا، ولأن فاتورة هذه الحرب ربما تدفع بالكامل من طرف الأوروبيين أنفسهم.. علاوة على هذا، فإن التهديد الحقيقي حتى وإن كان محتملا فقط، فأي استعمال للسلاح النووي فهو يهم الأوروبيين على الخصوص، لأن مخاطر حدوثه ستكون لها عواقب جد وخيمة في أوروبا، سواء على صعيد الضحايا في الأرواح، أو المساس بالبيئة والخيرات الطبيعية التي قد تذهب سدى إذا حدث اشتباك نووي..)) (المصدر: حوار مع الفيلسوف النمساوي هانس كوكلر/ عن جريدة “الأيام” / 23 يونيو 2022، وجريدة “الأسبوع”/ ركن تحليل إخباري).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى