المنبر الحر

المنبر الحر | مكة المكرمة في رحلة ابن بطوطة

بقلم: ذ. محمد جباري
أستاذ باحث في التاريخ والفكر

    لا جدال في أن ابن بطوطة يعد أشهر رحالة في التاريخ العالمي، إذ جمع في كتابه الشهير “تحفة النظار” عجائب وغرائب الأسفار والمواقع التي زارها في إفريقيا والمشرق والهند والصين وآسيا الصغرى.

وإذا كان الغربيون يعدون ابن بطوطة رحالة شجاعا مثل ماركو بولو، فإن تجربة ابن بطوطة تختلف تماما عن الرحالة الإيطالي، ذلك أن رحلة هذا الأخير كانت إلى أماكن لم يسبق أن رآها سوى قليل من الأوروبيين، كما أن رحلته إلى الصين كانت فقط بسبب ظروف وعوامل سياسية معينة، أما ابن بطوطة، فإن رحلاته لم تكن البتة لخدمة أهداف سياسية أو بإيعاز من السلطة الحاكمة، بمعنى أن الرجل لم يكن يخدم أجندات سياسية وإيديولوجية آنذاك، كما هو شأن الرحالة الأوروبيين، ولكن كان يقوده الفضول العلمي والمعرفي، وحب المغامرة والتجوال والرغبة في الاكتشاف، هذا على عكس الرحالة الأجانب الذين كانوا عملاء للاستعمار، فهذا الرحالة والفنان الفرنسي جرفيه كورتلمون، الذي زار مكة المكرمة، يؤكد أن الدافع وراء رحلته هذه هو خدمة الاستعمار الفرنسي، إذ أرسل إلى مكة أيام استعمار الجزائر بدعم من وزارة المستعمرات الفرنسية، بغية تحقيق هدف أساسي ويقول: “في هذا الوقت رغب الحاكم العام في تكليفي بمهمة خاصة لدى الشريف الأكبر والسلطات الدينية في مكة المكرمة، لكن على مسؤوليتي الكاملة، وسلم لي جواز سفر باسم عربي، وكما حدث مع ليون روش، فقد حاولت أن أكون مفيدا لوطني، في الوقت الذي أواصل فيه تحقيق مشروعي الخاص (أي تسجيل رحلته بالقلم والصورة)، ومن المؤكد أن المهمة المتواضعة التي كلفت بها لا يمكن أن توزن بتلك التي كلف بها سابقي (ليون روش)، وقام بإنجازها خير قيام بكل حكمة وتعقل، ولكن لا يهم، فأنا لا أرى شيئا أكثر تشريفا للرجل الفرنسي من أن تكلفه حكومته للقيام بمهمة خارجية، مهما كانت متواضعة”. وبالفعل، فقد اجتهد هذا العميل/ الرحالة في وصف ونقل ما وقعت عليه عيناه، من عوائد الناس، ولباسهم، والمجال الجغرافي، وشكل المنازل… إلخ.

بينما ينطلق ابن بطوطة في حديثه عن مكة والديار المقدسة، بوصف ركب الحجاج، ويقول أن السفر يكون شاقا لمعظم الحجاج، وهي مغامرة محفوفة بالشوق الروحي، كما أنه يلزم لكل حاج أن يتزود بالطعام في رحلته ذهابا وإيابا، وبالنقود الكافية، ويذكر في هذا الصدد، أن دولة المماليك، أنشأت صناديق خيرية لتوفير الغذاء والدواب للمسافرين الفقراء.

ويقول ابن بطوطة بعد وصول القافلة التي قدم فيها إلى مكة، أنه ذهب هو ورفاقه مساء ذلك اليوم إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم “فرحين بهذه النعمة الكبرى، حامدين الله تعالى على البلوغ إلى معاهد رسوله الشريفة”، وكان المسجد على شكل ساحة مفتوحة ومحاطة بالأروقة من كل الجهات، وتقع الروضة المقدسة للنبي المخمسة الشكل، في جهة القِبلة مما يلي الشرق من المسجد، وهنا صلى ابن بطوطة ويقول هنا: “وفي كل ليلة نبيت بالمسجد الكريم، والناس قد حلَّقوا في صحنه حلقا، وأوقدوا الشّمع الكثير، وبينهم ربعات القرآن الكريم يتلونه، وبعضهم يذكرون الله، وبعضهم في مشاهدة التربة الطاهرة زادها الله طيبا، والحُداةُ بكل جانب يترنمون بمدح رسول الله”.

وتجدر الإشارة إلى أن مكة زمن ابن بطوطة، كانت من المدن العالمية ذات الشأو العالي، ويرى رحالتنا أنه رغم اختلاف الشعوب الإسلامية في الحج حسب الطائفة واللغة، إلا أنهم يخضعون في الصلاة لنظام ثابت يراعي المذاهب الأربعة، وهنا يصرح ابن بطوطة: “أما صلاة المغرب، فإنهم يصلونها في وقت واحد، كل إمام يصلي بطائفته ويدخل على الناس من ذلك سهو وتخليط، فربما ركع المالكي بركوع الشافعي، وسجد الحنفي بسجود الحنبلي، وتراهم مصيخين كل واحد إلى صوت المؤذن الذي يسمع طائفته لئلا يدخل عليه السهو”.

عندما يصل الزائر إلى مكة، سواء كان حاجا أم لا، فإن أول ما يفترض أن يقوم به، هو الطواف، أن يطوف حول الكعبة سبع مرات، يهرول في الثلاثة الأولى، ثم يمشي ببطء في الدورات اللاحقة، مع ترديد دعاء الطواف، ويحتل الحجر الأسود رمزية مقدسة، حيث يتهافت الناس على تقبيله أو لمسه متى سمحت لهم الفرصة، لاسيما خارج موسم الحج، إذ يقل الازدحام.

ويقدم ابن بطوطة وصفا جميلا لأهل مكة يوحي بالإعجاب قائلا: “وأهل مكة لهم ظرف ونظافة في الملابس، وأكثر لباسهم البياض، فترى ثيابهم أبدا ناصعة ساطعة، ويستعملون الطيب كثيرا ويكتحلون ويكثرون السواك بعيدان الأرك الأخضر، ونساء مكة فائقات الحسن بارعات الجمال، ذوات صلاح وعفاف”.

ويخبرنا ابن بطوطة أيضا، أنه في العاشر من ذي الحجة يجتمع الحجاج في منى للاحتفال بعيد الأضحى الذي يدوم أربعة أيام، وبعد ذلك تنتهي مراسيم الحج، وفي الثاني عشر يبدأ الفوج الأول من الحجاج بالعودة إلى بلدانهم، بعد أداء طواف الإفاضة الذي يعد آخر مناسك الحج.

إننا عندما نطالع رحلة ابن بطوطة، نكتشف مدى شساعة رقعة العالم الإسلامي خلال القرن الرابع عشر الميلادي، التي امتدت من الأندلس غربا إلى الصين شرقا، وقد جال رحالتنا بين هذه الربوع مكتشفا ومسافرا وملاحظا وزائرا، فاجتهد في وصف هذه البقاع، وتعرفنا بالنادر والغريب والعجيب فيها، ومن هذه الأمكنة الخاصة، مكة المكرمة التي وقفنا على بعض الملامح التي خطها لها ابن بطوطة.

إن رحلة ابن بطوطة تعد وثيقة تاريخية وأنثروبولوجية واجتماعية غنية، وتجربة إنسانية علمية صرفة خالية من الأحقاد والنوازع الإمبريالية التي ميزت رحلات الأوروبيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى