ربورتاج | ظواهر سلبية تفسد مزاج المغاربة في رمضان
الترمضينة: تعطل الإدارات والتسول واحتلال الملك العمومي...

بحلول شهر رمضان المبارك، يستبشر عامة المغاربة خيرا بقدومه لتغيير نمط حياتهم، والخروج من الروتين اليومي الذي يعيشونه طيلة الأشهر الماضية، سواء في طبيعة نظام الأكل أو العمل أو التسوق، حيث يكثر الإقبال خلال الشهر الفضيل على الأسواق والمساجد والفضاءات العمومية، إلا أن هناك ظواهر سلبية تسيء لأجواء هذا الشهر الفضيل، منها انتشار السرقة والنصب على المواطنين بما يسمى “السماوي” والقمار والتسول بكل أنواعه، واحتلال الملك العام وتجارة المخدرات وتعاطي “الشيشة” بالمقاهي.
الرباط. الأسبوع
رغم أن رمضان الكريم هو شهر العبادة والتوبة والابتعاد عن تدخين المخدرات وتعاطي الممنوعات، إلا أن هناك فئة تستغل حلول هذا الشهر من أجل ممارسة سلوكيات خارجة عن القانون ومنافية لقيم الدين الإسلامي، مستغلين الفضاءات التي يكثر فيها الناس، خاصة الأسواق، لممارسة أنشطتهم الممنوعة، مثل السرقة والنصب بـ”السماوي” والتسول، ويتزايد عدد المتسولين بشكل كبير خلال رمضان مقارنة مع الأشهر الأخرى، حيث يستغل بعض ممتهني التسول طيبوبة الناس وتعاطفهم مع الفقراء والمحتاجين لطلب الصدقة بشكل يومي وفي نفس الأماكن، سواء أمام المساجد أو المحلات التجارية الكبرى وأمام متاجر البقالة.
ومن أخطر الظواهر السلبية التي يعرفها شهر رمضان، خاصة في الأحياء الشعبية أو قرب محطات النقل، انتشار السرقة بالعنف (الكريساج) من قبل بعض الأشخاص المنحرفين ذوي السوابق العدلية، والذين يظهرون مع حلول شهر رمضان، لا تردعهم العقوبة ويعودون لاعتراض طريق المارة، سواء نساء أو رجالا في الصباح، مستعملين اسلحة بيضاء قصد سلبهم هواتفهم وأموالهم بين الأزقة الفارغة، بينما يلجأ منحرفون آخرون إلى وضع صندوق خشبي وسط الطريق منذ الصباح وبالقرب من المحلات التجارية والشوارع لطلب الصدقة قصد شراء قطعة “حشيش” في المساء، وآخرون يقومون باستخلاص عمولات من الباعة المتجولين و”الفراشة” عن طريق “الصنك”.
فعند حلول شهر رمضان، تنقلب حياة المغاربة بين متفائل بقدوم الشهر وبين متشائم، فهناك من يستقبل رمضان بحماس وسعادة لأنه شهر المحبة وصلة الرحم ولقاء العائلة، وتبادل الزيارات وحضور الإفطار الجماعي، ومناسبة لتبادل “العراضة” بين عائلات الزوج والزوجة، وفرصة لتقارب الجيران فيما بينهم، بينما هناك فئة أخرى تغير نمط حياتها في شهر رمضان فيتحول إلى عطلة سنوية، وهناك من يجعل النهار للنوم والليل للسهر حتى الفجر، بينما تبحث فئة أخرى عن شغل للهروب من جحيم البطالة في رمضان من خلال ممارسة بعض الأنشطة الموسمية التي توفر بعض الربح البسيط.
الملاحظ خلال شهر رمضان، خاصة بالنسبة لرواد المقاهي والأسواق، انتشار المتسولين، فالكثير من الناس، رجال ونساء، يتحولون إلى متسولين خلال الشهر الفضيل بحثا عن الصدقة، وجمع مبالغ مهمة من زبناء المقاهي، بعضهم أصبحت وجوههم مألوفة لدى الناس في الأماكن العمومية، وأمام المساجد، حيث تحولت “السعاية” إلى تجارة مربحة بالنسبة لهم، منهم من تدر عليه ما بين 200 درهم إلى 500 درهم بشكل يومي، مما جعلهم يدمنون التسول الذي تحول إلى مجال يغري حتى الفتيات.
في هذا السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع، الصديق الصادقي العماري، أن شهر رمضان الكريم مناسبة دينية عظيمة خاصة بالمسلمين، له مميزات أخلاقية وقيم دينية واجتماعية، غير أنه في هذا الشهر تكثر ممارسات أخرى عند بعض الفئات الاجتماعية تسيء إلى الإسلام وللمسلمين عامة، مشيرا إلى أن القيمة الدينية التي يحظى بها شهر رمضان في قلوب الناس، تدفع العديد من الأشخاص، وخاصة النساء، إلى امتهان التسول بشكل كبير، هذا الأمر يمكن أن نرجعه من جهة إلى ظاهرة الفقر والهشاشة الاجتماعية، خاصة أمام ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الآونة الأخيرة، وما خلفته ظاهرة “كورونا” التي استنزفت احتياطي الأسر من الموارد المالية، كما يمكن أن تعود هذه الظاهرة إلى رغبة بعض الفئات في استغلال هذا الشهر والتأثير في الناس باسم الدين والصدقة والحاجة، مضيفا أنه في هذا الإطار، تبرز كذلك ظاهرة السرقة في الأسواق والشوارع والمحلات التجارية من طرف الشباب والنساء والأطفال، وجميعها تندرج ضمن البحث عن موارد إضافية لاستيفاء الحاجيات، لأن البعض يفضل السرقة على التسول تحت ذريعة حفظ ماء الوجه وتجاوز الإذلال.
ويضيف العماري، أن من بين الظواهر السلبية خلال شهر رمضان، انتشار الباعة المتجولين على جوانب الطرقات في احتلال تام للملك العمومي، حيث يتسبب ذلك في قطع الطريق على المارة، بل أكثر من ذلك نجد هؤلاء الباعة أمام المساجد مباشرة بعد كل صلاة، لا يؤدون الواجب الديني بالمسجد، بل ينتظرون خروج المصلين لتقديم بضاعتهم بأصوات جد مرتفعة، ويستغلون حاجة الناس في هذا الشهر، ويحاولون الاقتراب منهم في الشوارع، وفي الأزقة، وهذا يسبب انزعاجا وتشويشا قد يقود إلى تبادل السب والشتم، وفي بعض الحالات ينتهي المطاف بالشجار، خاصة من طرف سائقي السيارات والدراجات النارية الذين يجدون صعوبة في المرور، معتبرا أن مثل هذه السلوكات وغيرها كثير تتم أمام أنظار عامة الناس، وربما أحيانا في غياب رجال السلطة الذين من المفروض عليهم تنظيم المرور وضمان السير العام للمرفق العمومي.
وحسب الباحث في علم الاجتماع، ففي هذا الشهر، نجد شللا شبه كلي في بعض المؤسسات، خاصة ما يتعلق بتسوية الوثائق الإدارية للمواطنين، حيث يكون الدخول للإدارة متأخرا والخروج منها قبل الوقت الرسمي، وذلك تحت ذريعة ضيق الوقت في رمضان، والتعب جراء السهر ليلا، كما تحدث فوضى في محطات النقل بسبب عدم التزام وسائل النقل ببرنامج الرحلات، أمام عدم استيفاء حاجيات الناس من الإدارات العمومية، مما يسبب انزعاجهم وعرقلة أعمالهم ومصالحهم أو تأجيلها إلى وقت لاحق، وقد يؤدي هذا إلى التعصب والدخول في مشادات كلامية بين المواطنين من جهة، وبينهم وبين الموظفين وسائقي وسائل النقل العمومية، مؤكدا أن جميع المشاكل التي يتخبط فيها المواطن خلال شهر رمضان تحتاج إلى رؤية واستراتيجية من طرف المؤسسات العمومية المعنية وبتعاون مع جمعيات المجتمع المدني، من أجل أن يمر هذا الشهر في أحسن الظروف.
من جهته، كشف علي الشعباني، خبير في علم الاجتماع، أن الظواهر السلبية متواجدة في كل وقت طيلة سنة، لكن يكون هناك انتباه كبير لها من كل شخص بسبب الصيام، حيث تكون المقاهي مغلقة بالنهار وتظهر العديد من الأنشطة الأخرى ويكثر الازدحام من قبل المواطنين على اقتناء المواد الاستهلاكية، مما يؤدي إلى وقوع العديد من الحوادث في الشارع العام، من بينها الاكتظاظ والتدافع واحتلال الملك العمومي، وحصول الخصام والتشنجات والمشادات الكلامية بين الناس، نتيجة الحالات الطارئة التي تحصل في هذا الشهر الفضيل، معتبرا أن بعض الظواهر المنحرفة والخطيرة لا يمكن ربطها فقط بشهر رمضان، لكونها موجودة طيلة السنة، في غياب دراسة ميدانية يمكن أن تثبت هذه الظواهر خلال رمضان.
وأكد نفس المتحدث أن بعض الظواهر السلبية تظهر في شهر رمضان من قبل بعض الناس، مثل الترامي على الملك العمومي من قبل عدد من الباعة المتجولين الذين يزحفون على الشوارع والفضاءات العامة، لعرض بضاعتهم في ظل إقبال المواطنين على اقتناء المواد الاستهلاكية، ثم بروز ظاهرة التسول، نظرا لقدسية الشهر الفضيل، مما يدفع الفرد للإكثار من الصدقة والعطاء، وبالتالي، يستغل العديد من المستولين المحترفين وغيرهم هذه المناسبة، ويظهرون في هذا الشهر بكثافة أمام المساجد وخلال أوقات الصلاة وفي الأسواق والعديد من الأماكن، حيث تكون هذه الحالة لها مردودية كبيرة جدا.
وأضاف الشعباني، أن من بين الأمور السلبية في شهر رمضان، تغيب الموظفين عن مقرات عملهم، قائلا: “فعلا تظهر المسألة في رمضان المسألة بوضوح، لأن مدة العمل تتقلص بالنسبة للإدارة وبالنسبة للتعليم كثيرا، وهذا ما يعطي فرصة للعديد من الموظفين لكي يتغيبوا عن العمل بمبررات مختلفة كونهم ذهبوا للصلاة أو لقضاء بعض الأغراض العائلية أو لظروف طارئة، كما أن هناك أشخاصا يأخذون العطل في رمضان، وأن هناك من يستغل عطلته لكي يمارس بعض الأنشطة التجارية المربحة”.



