تحليل إخباري | الجزائر تحاول تكرار “قصة العرجة” في الرباط
محاولة الترامي على عقارات في المغرب
إعداد: سعيد الريحاني
لا تحتاج قراءة الأخبار القادمة من “القوة الضاربة في التخلف” إلى العقل، بل يمكن قول الشيء ونقيضه دون حاجة إلى المنطق، وللتأكد من ذلك، يكفي قراءة الأخبار التالية:
في نهاية شهر غشت 2021: ((أعلن وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، عن قطع علاقات بلاده الدبلوماسية مع المغرب بسبب ما سماه “الأعمال العدائية” للمملكة.. وأوضح لعمامرة في مؤتمر صحفي: قررت الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة المغربية ابتداء من اليوم، وأضاف: نطمئن المواطنين الجزائريين في المغرب والمغاربة في الجزائر، أن الوضع لن يؤثر عليهم.. قطع العلاقات يعني أن هناك خلافات عميقة بين البلدين لكنها لا تمس الشعوب)).
في شهر شتنبر 2021: ((قرر المجلس الأعلى للأمن بالجزائر، الإغلاق الفوري للمجال الجوي الجزائري أمام جميع الطائرات المدنية والعسكرية المغربية، وفق ما أعلنت عنه الرئاسة.. وأورد بيان رسمي أن القرار اتخذ إثر اجتماع للمجلس برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون)).
في الجزائر فقط يمكنك الحديث عن قطع العلاقات بين بلدين والحديث عن استمرار العلاقات بين الشعبين في نفس التوقيت، ولا داعي للتمييز بين المسؤولين، فالرئيس عبد المجيد تبون دخل شخصيا على الخط ليزكي قرارات صادمة للعقل والمنطق.
إلى هنا تبدو الأمور واضحة، فالمسؤولين الجزائريين قطعوا علاقاتهم مع المغرب من جانب أحادي(..)، وقد يكون هذا حقهم، لكن الجزائر التي قطعت علاقاتها مع المغرب دون سبب هي التي استغلت مجموعة من وسائل الإعلام العالمية، عن طريق وزارتها في الخارجية، لتعلن عن ما سمته “إدانتها لمشروع مصادرة ممتلكات سفارة الدولة الجزائرية في المغرب”، وجاء في بيان لوزارة الخارجية الجزائرية: ((لقد دخلت المملكة المغربية في مرحلة تصعيد جديدة في تصرفاتها الاستفزازية تجاه الجزائر، وقد تجلت هذه الاستفزازات الجديدة مؤخرا من خلال مشروع مصادرة ممتلكات سفارة الدولة الجزائرية في المغرب))، وأضاف البيان أن ((الجزائر تعتبر أن ذلك يشكل انتهاكا جسيما لاحترام وواجب حماية الممثليات الدبلوماسية لدول ذات سيادة تكرسه القوانين والأعراف الدولية)) (المصدر: عدة وسائل إعلام).
ولا داعي للضحك من هزلية هذه الأخبار، حيث يحاول بلد قطع علاقاته الدبلوماسية والبرية والجوية مع بلد جار، أن “يمتلك” مقرات لبعثات دبلوماسية لا وجود لها على أرض الواقع في بلد آخر رغم عدم وجود علاقات بين البلدين، ورغم أن هذا “الطنز العكري” غير مقبول شعبيا ومنطقيا، إلا أن أصل الحكاية يعود لمقال نشر في الجريدة الرسمية، يتحدث عن نزع ملكية وعقارات جزائرية في الرباط لأجل المنفعة العامة، وهو إجراء قانوني عادي تم اللجوء إليه مرارا وتكرارا ليس في مواجهة مباني دبلوماسية فحسب، بل حتى في مواجهة ملاك مغاربة.. فعندما يتعلق الأمر بالمنفعة العامة تنتفي كل المنافع الأخرى(..).
يقول البلاغ المنشور على صفحات الجريدة الرسمية، والذي عرف انتشارا كبيرا في عدة مواقع عالمية: ((أفادت الجريدة الرسمية المغربية، أن الحكومة المغربية نزعت ملكية العديد من العقارات والأراضي، بعضها تابع للدولة الجزائرية في الرباط، لتوسعة مباني إدارية لصالح وزارة الخارجية.. وبحسب الوثيقة التي نشرتها الجريدة، فإن الأمر يتعلق بثلاث عقارات تعود ملكيتها للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، تحددت في عقار يسمى “كباليا” مساحته 619 مترا مربعا، وآخر يسمى “زانزي” مساحته 630 مترا مربعا، ويضم دارا للسكن من طابقين ومكاتب بالطابق الأرضي ومرافق… وقع القرار الذي اتخذ باقتراح من وزارة الاقتصاد والمالية، وبعد التشاور مع وزارة الداخلية، رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش..

وحسب الوثيقة، يأتي القرار تطبيقا للمنفعة العامة ولتوسعة مباني إدارية لفائدة وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، بجماعة الرباط بعمالة الرباط)) (المصدر: عدة وكالات نقلا عن الجريدة الرسمية).
إذن، النشر في الجريدة الرسمية هو الذي أثار حفيظة المسؤولين الجزائريين، الذين اصطدم بيانهم بمعطيات توضيحية موثقة نشرتها وزارة الخارجية المغربية بتقنية “التسريب”، حيث يستحيل على الصحافة الوصول إلى الوثائق المنشورة.
التوضيح المنسوب إلى وزارة الخارجية المغربية، بطريقة غير رسمية، يقول: ((نشرت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، يوم الأحد المنصرم، بلاغا صحافيا أقل ما يمكن توصيفه به هو أنه يفتقد للغة الدبلوماسية، وينافي أحكام المواثيق والاتفاقيات الدولية، وينتهك علاقات حسن الجوار بين الدول التي تجمعها روابط تاريخية وجغرافية وإنسانية.. ولم تكتف وزارة الخارجية الجزائرية بالظهور في هذا البلاغ بمظهر الدولة الانفعالية التي تتحرك بصخب في الخطابات وعدائية في الحوار، بل أمعنت في الكذب وتحريف الحقائق بما لا يليق بدولة ذات سيادة يفترض فيها إعمال منطق الحوار والوضوح والشفافية في حل الأزمات والمشاكل الدولية.. ولئن كانت المملكة المغربية قد حافظت دائما على سياسة اليد الممدودة في اتجاه جارتها الشرقية، ولم تنزع يوما نحو التصعيد وتأجيج الخلافات، فإن الجزائر نزعت في المقابل، وباستمرار، نحو افتعال الأزمات وتعليقها على مشجب المغرب، مثلما تفضحه اليوم واقعة نزع ملكية بعض العقارات التابعة للقنصلية الجزائرية بالرباط)) (المصدر: هسبريس/ 19 مارس 2024).
ونفس المصدر جاء فيه، وضمن مقال تحت عوان “وثائق رسمية تفضح عدائية الجزائر في قضية نزع ملكية الممتلكات القنصلية”: ((من يطالع بلاغ وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية الأخير حول موضوع “نزع الملكية” وما تضمنه من عبارات التصعيد المنافية للعمل الدبلوماسي، يعتقد للوهلة الأولى وكأن المغرب قام بعمل أحادي بدون علم الجزائر، والحال أن هذا الموضوع شكل لقاءات ثنائية عديدة بين مديرية التشريفات (البروتوكول) بوزارة الشؤون الخارجية المغربية، ومصالح القنصلية الجزائرية بالدار البيضاء، بل إن هذه العملية كانت موضوع العديد من المراسلات الرسمية بين الطرفين المغربي والجزائري، حتى أن القنصلية العامة للجزائر بالمغرب كانت قد تعهدت في وثيقة رسمية مؤرخة في ماي 2022، تتوفر الجريدة على نسخة منها، بأنها بصدد إعداد تقييم مالي وعقاري للقسم القنصلي الملحق بالمقر القديم للسفارة الجزائرية بالرباط، تمهيدا لعملية إفراغه.. وتتضمن أيضا هذه الوثيقة الدبلوماسية المذيلة بتوقيع القنصلية الجزائرية بالدار البيضاء، “التزاما من السلطات الجزائرية بتحرير مقرات القسم القنصلي وترحيل محتوياته فور انتهائها من عمليات البيع المقررة طبقا للقانون”، ويستشف من ظاهر هذه المراسلات الرسمية، أن الجزائر إما أنها تنصلت من التزاماتها تجاه السلطات المغربية المعبر عنها في الاجتماعات الثنائية والمراسلات المتبادلة، وهو سلوك لا يليق بالدول، وينتهك الأعراف الدبلوماسية، أو أن السلطات الجزائرية تدثرت بالكذب وحاولت الظهور بمظهر المظلومية، بعدما نزعت كثيرا نحو التصعيد وتجسمت في صورة الدولة المارقة)) (المصدر: هسبريس).

المغرب إذن، يمتلك الوثائق ويتشبث بمسار تفاوضي، لكن المسؤولين الجزائريين لم يقدموا لحد الآن أي وثيقة حول ادعاءاتهم، وهم بالمناسبة تحركوا لمصادرة إقامة السفير المغربي في الجزائر، بدعوى إعادة تأهيل المدينة، ولم يجدوا غير كتابة مقالات من المحبرة المعروفة، حيث جاء في واحد منها: ((أضاف النظام المغربي شحنة جديدة من الوقود على نار العلاقات المشتعلة مع الجزائر، بقراره القاضي بمصادرة ممتلكات عقارية تابعة للسفارة الجزائرية في الرباط، في تصرف يتنافى والاتفاقيات والأعراف الدولية، التي تؤكد على حرمة الممثليات الدبلوماسية للدول ذات السيادة.
واضطر القرار المغربي الذي وصف بالمستفز، السلطات الجزائرية إلى الخروج عن الصمت والرد عبر بيان صارم، صادر مساء الأحد عن وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، انتقد بشدة ما أقدمت عليه الرباط، لكونه يتنافى مع الممارسات الدولية المتحضرة، ويتعدى بشكل جسيم على الالتزامات المنبثقة عن اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، والتي تفرض على المغرب احترام وحماية السفارات المتواجدة على أراضيه في كل الأوقات وتحت جميع الظروف)) (المصدر: الصحافة الجزائرية).
لا وجود لعلاقات بين المغرب والجزائر، ولا وجود لمقر السفارة، ولا وجود لسفير جزائري في المغرب.. لكن المسؤولين الجزائريين يتحدثون عن أعراف دبلوماسية في غياب الوجود الدبلوماسي، وهو ما يعني أنها فقط محاولة لتصدير أزمات داخلية إلى الخارج، كما وقع في منطقة العرجة، حيث تم الاستيلاء على واحات منطقة العرجة بفكيك وإلحاقها بالتراب الجزائري، ولولا الحكمة المغربية لكانت الحرب قد قامت حول هذه البقاع.. لولا أن معطيات قانونية حالت دون إنصاف المواطنين الذين عاشوا في هذه الواحات عشرات السنين.. غير أن الجديد هذه المرة، هو محاولة الجزائر (رغم قطع العلاقات بين البلدين) امتلاك عقارات في وسط الرباط، بينما لو قامت بنفس الأمر، لكان مصيرها الهدم دون حسيب ولا رقيب، حيث لا يمكن احترام دولة تقدم السلاح للبوليساريو مقابل قصف المغرب(..).



