تحقيقات أسبوعية

للنقاش | مدونة الأسرة أمام تحدي تطبيق شروط اتفاقية “سيداو”

يرى بعض المهتمين بموضوع إصلاح مدونة الأسرة وإعادة النظر في بعض موادها، ومعالجة انحرافات التطبيق، أن اتفاقية “سيداو” وما ورد في الكثير من موادها، والرجوع إلى بنودها خلال إعداد مشروع مدونة الأسرة، يعد سببا من أسباب انحراف مدونة الأسرة عن تحقيق أهدافها ومقاصدها، هذه الاتفاقية تحتوي على 30 مادة، وتعرف باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وفلسفتها أن التنمية التامة والكاملة لبلد ما تتطلب جميعها أقصى مشاركة ممكنة من جانب المرأة على قدم المساواة مع الرجل في جميع الميادين.

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود
من هيئة المحامين بالرباط

    في 18 دجنبر 1979، اتخذت خطوة رئيسية نحو تحقيق هدف منح المرأة المساواة في الحقوق عندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية “القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة”، وتم وضع الاتفاقية في قالب قانوني ملزم، واعتمدت بعد مشاورات استغرقت خمس سنوات أجرتها مجموعة عاملة متعددة واللجنة المعنية بصياغة الاتفاقية والمهتمة بمركز المرأة.

والمغرب، بعد تسجيل عدة تحفظات وملاحظات، صادق عليها بتاريخ 3 دجنبر 1981، وكان إيداع وثائق المصادقة بتاريخ 21 يونيو 1993 ونشرت في الجريدة الرسمية عدد 4866 تاريخ 18 يناير 2001، حيث صادقت المملكة على البروتوكول الاختياري، وفي سنة 2004، صدرت مدونة الأسرة، وعلى إثر هذا التسلسل التاريخي لاتفاقية “سيداو”، يرى البعض أن مدونة الأسرة تأثرت ببعض بنود تلك الاتفاقية رغم ما قدمه المغرب من تحفظات وتصريحات بشأنها.. فما هي تلك التحفظات والتصريحات التي تشبث بها المغرب لندرك أنه كان واعيا بخطورة بعض مواد الاتفاقية وما يتعارض مع معتقداته وقيمه وثوابته وعاداته وأعرافه ونظام الأسرة المغربية والروابط التي تربط الزوج بزوجته ومسؤولياتهما في تدبير شؤون المنزل الزوجي وتربية الأطفال؟ وكيف يعالج الخلاف إذا حدث ونزل تلك الملاحظات والتحفظات التي نشرت في الجريدة الرسمية ليطلع عليها العموم، وتشهر علنية وبصفة قانونية حتى يعلم الجميع ما إذا كانت اللجنة، التي سهرت على إعداد مشروع مدونة الأسرة، قد أخذت التحفظات والتصريحات بعين الاعتبار؟ وإذا كان الدستور المغربي يعطي الأولوية في التطبيق للمعاهدات والاتفاقيات التي صادق عليها، هل كان من الضروري أن تكون اتفاقية “سيداو” مرجعا لمعرفة مجال ومدى تطبيق قاعدة المساواة الكاملة في الحقوق بين الرجل والمرأة ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

بخصوص هذه الاتفاقية، صدر ظهير شريف رقم 1.93.61 في 29 من رمضان 1421 الموافق لـ 26 دجنبر 2000، بنشر اتفاقية “القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” المعتمدة من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 دجنبر 1979، مع التصريحات والملاحظات التي تمسك بها المغرب، وهي كما يلي:

تتمة المقال تحت الإعلان

أ) التصريحات:

 1) فيما يتعلق بالمادة الثانية، التي جاء فيها: تشجب الدول الأطراف جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتوافق على أن تنهج بكل الوسائل المناسبة ودون إبطاء، سياسة القضاء على التمييز ضد المرأة، وتحقيقا لذلك، تتعهد بالقيام بما يلي:

  • تجسيد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها المناسبة الأخرى إذا لم يكن هذا المبدأ قد أدمج فيها حتى الآن، وكفالة التحقيق العلمي لهذا لمبدأ من خلال القانون والوسائل المناسبة الأخرى؛
  • اتخاذ المناسب من التدابير التشريعية وغيرها، بما في ذلك ما يقتضيه الأمر من جزاءات لحظر كل تمييز ضد المرأة؛
  • إقرار الحماية القانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل وضمان الحماية الفعالة للمرأة عن طريق المحاكم الوطنية ذات الاختصاص والمؤسسات العامة الأخرى من أي عمل تمييزي؛
  •  الامتناع عن الاضطلاع بأي عمل أو ممارسة تمييزية ضد المرأة وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام؛
  • اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة؛
  • اتخاذ جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريع، لتعديل أو إلغاء القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات القائمة التي تشكل تمييزا ضد المرأة؛
  • إلغاء جميع أحكام قوانين العقوبات الوطنية التي تشكل تمييزا ضد المرأة.

وقد كان تصريح المغرب بالنسبة لهذه المادة: إن حكومة المملكة المغربية تعرب عن استعدادها لتطبيق هذه المادة بشرط: ألا تخل بالمقتضيات الدستورية التي تنظم قواعد توارث عرش المملكة المغربية؛ ألا تكون منافية لأحكام الشريعة الإسلامية، علما أن بعض الأحكام الواردة في مدونة الأسرة المغربية التي تعطي للمرأة حقوقا تختلف عن الحقوق المخولة للرجل، لا يمكن تجاوزها أو إلغاؤها، وذلك نظرا لكونها منبثقة أساسا من الشريعة الإسلامية التي تسعى، من جملة ما تسعى إليه، إلى تحقيق التوازن بين الزوجين حفاظا على تماسك الأسرة.

2) فيما يتعلق بالفقرة الأخيرة من المادة الخامسة عشر، وهي تنص على ما يلي: “تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالحق المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم”، وقد كان تصريح المغرب بهذا الخصوص، أن حكومة المملكة المغربية تصرح بأنه “لا يمكن لها الالتزام بمقتضيات تلك الفقرة، وبالخصوص تلك المتعلقة بحق المرأة في اختيار محل إقامتها وسكناها إلا بقدر ما تكون هذه المقتضيات غير منافية للمادتين 34 و36 من مدونة الأحوال الشخصية”.

ويبقى من المفيد أن نذكر بمقتضيات المادتين 34 و36 من قانون الأحوال الشخصية الملغى، ذلك أن الفصل 34 ينص على الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين ومنها المساكنة الشرعية، والفصل 36 ينص على حقوق الرجل على المرأة ومنها الإشراف على البيت وتنظيم شؤونه. 

ب) التحفظات:

 1 ـ فيما يتعلق بالفقرة الثانية من المادة التاسعة: كان تصريح المغرب بأن حكومة المملكة المغربية تتحفظ على تلك الفقرة التي جاء فيها:

  • تمنح الدول الأطراف المرأة حقا مساويا لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالها، وكان تحفظ المغرب، أن الحكومة المغربية تتحفظ على تلك الفقرة نظرا لكون قانون الجنسية المغربية لا يسمح بأن يحمل الولد جنسية أمه إلا في حالة  ولادته من أب مجهول، أيا كان مكان هذه الولادة، أو من أب عديم الجنسية، مع الولادة في المغرب، وذلك حتى يضمن لكل طفل حقه في الجنسية، كما أن الولد المولود بالمغرب من أم مغربية وأب أجنبي يمكنه أن يكتسب جنسية أمه بشرط أن يصرح داخل السنتين السابقتين لبلوغه سن الرشد برغبته في اكتساب هذه الجنسية، على شرط أن تكون إقامته بالمغرب عند التصريح اعتيادية ومنتظمة.

2 ـ فيما يتعلق بالمادة السادسة عشر: وهي مادة تحتوي على عدة فقرات، فقد كان تحفظ المغرب كما يلي:

تتحفظ الحكومة المغربية على مقتضيات تلك المادة، وخصوصا ما يتعلق منها بتساوي الرجل والمرأة في الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج، وعند فسخه، وذلك لكون مساواة من هذا القبيل تعتبر منافية للشريعة الإسلامية، التي تضمن لكل من الزوجين حقوقا ومسؤوليات في إطار من التوازن والتكامل، وذلك حفاظا على الرباط المقدس للزواج، فأحكام الشريعة الإسلامية تلزم الزوج بأداء الصداق عند الزواج وبإعالة أسرته، في حين ليست المرأة ملزمة – بمقتضى القانون -بإعالة الأسرة، كما أنه عند فسخ عقد الزواج، فإن الزوج ملزم بأداء النفقة، وعلى عكس ذلك، تتمتع الزوجة بكامل الحرية في التصرف في مالها أثناء الزواج وعند فسخه دون رقابة من الزوج، إذ لا ولاية للزوج على مال زوجته، ولهذه الأسباب لا تخول الشريعة الإسلامية حق الطلاق للمرأة إلا بحكم القاضي.

وفيما يتعلق بالمادة التاسعة والعشرين، وهي تحتوي على عدة فقرات وتنص على مسطرة التحكيم في أي خلاف بشأن تأويل أو تطبيق الاتفاقية بين دولتين أو أكثر من الدول الأطراف.

وقد كان تحفظ المغرب، أن حكومة المملكة المغربية لا تعتبر نفسها ملزمة بالفقرة الأولى من تلك المادة، وهي ترى أن أي خلاف من هذا القبيل لا يمكن أن يعرض على التحكيم إلا بموافقة جميع الأطراف في النزاع.

هذا، ولما احتدم الخلاف حول امتثال المغرب للمواثيق الدولية المرتبطة بحقوق المرأة، جاء في بعض المراجع أنه بعد أن صادق المغرب على الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة حسب ما نصت عليه اتفاقية “سيداو” سنة 1993، وما ورد من تحفظات الحكومة المغربية على أساس المرجعية الدينية، وجه الملك محمد السادس في شهر دجنبر 2008، رسالة للمنتظم الدولي في الذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تتضمن سحب المملكة المغربية التحفظات المسجلة بشأن الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، والتي أصبحت متجاوزة بفعل التشريعات المتقدمة التي أقرها المغرب، ولم تمر سوى ثلاث سنوات حتى تمت ترجمة هذه الرسالة على أرض الواقع، من خلال الإعلان في الجريدة الرسمية عن رفع المغرب تحفظاته عن المادتين 9 و16 من اتفاقية “سيداو” في الأول من دجنبر 2011، وذكرت المراجع المهتمة بالموضوع، أن جناحا معينا عبر عن سخطه وغضبه، ولكنه ما لبث أن تراجع وعبر عن استعداده للتأقلم مع إكراهات الواقع السياسي بطريقة براغماتية، وبذلك يمكن القول أن الدولة سحبت البساط من كل الفاعلين الحقوقيين وانتصرت لتأويلها حصريا لما تقدم عليه.

ومن وجهة نظرنا، فإن المملكة المغربية لم تتأخر عن تنفيذ الاتفاقية، وفي تشريعاتها نصت على مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات، وحرمت ومنعت كل تمييز بينهما، ووضعت قوانين زجرية لمعاقبة كل من مس من قريب أو من بعيد بحقوق المرأة في جسمها أو عرضها أو مالها، وفتح المجال لمشاركة المرأة في تنمية البلاد وتقدمها، والتعيين في أعلى المناصب، وتخويلها سلطة مراقبة تدبير الشؤون العامة، وصرف ميزانية الدولة، وحق أولادها في اكتساب الجنسية المغربية في حالة ما إذا كانت متزوجة بزوج غير مغربي.

وأخيرا، يكفي الرجوع إلى دستور المملكة المغربية الصادر سنة 2011، لمعرفة موقف المغرب من الحقوق التي يتمتع بها المغاربة، إذ لا فرق بين امرأة ورجل، بناء على قاعدة الرجال شقائق النساء في الحقوق والواجبات، وقول الله سبحانه تعالى: ((خلقكم من نفس واحدة))، وكل ذلك في إطار المبدأ الراسخ الذي يتمسك به أمير المؤمنين الملك محمد السادس، حينما أعلن عدة مرات وجاء في خطابه: ((لا يمكنني بصفتي أميرا للمؤمنين أن أحل ما حرم الله وأحرم ما أحله))، وفي كل اجتهاد يجب الأخذ بمقاصد الإسلام السمحة في تكريم الإنسان والعدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف وبوحدة المذهب المالكي والاجتهاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى