الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | بروتوكول 1901.. الاتفاق الذي أغضب الريف والصحراء

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 71"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
 
بقلم: مصطفى العلوي

    تراجعت فرنسا عن تعرضها لمهمة الوزير عبد الكريم بنسليمان، الذي أقلعت باخرته يوم 12 جوان 1901 في اتجاه مرسيليا.

تتمة المقال تحت الإعلان

لكن ما هي الأوراق التي كانت في جيب رئيس الدبلوماسية المغربية بنسليمان؟ لا شيء، لا قوة، لا مال، لا حكومة قوية، وهو وضع تعرفه فرنسا حق المعرفة، كما تعرف الدور الحاسم الذي تلعبه العبارات الرنانة والجمل البراقة في تاريخ العرب والمسلمين.

وفي 20 يوليوز 1901، عرض الوزير ديلكاسي على السفير بنسليمان مشروع بروتوكول التسليم أمام الأمر الواقع، تقول السطور الأولى منه: ((إن الحكومة الفرنسية والحكومة الشريفة قد اتفقتا على الشروط الآتية التي تهدف إلى تعزيز روابط الصداقة القائمة بينهما وتنمية علاقاتهما الطيبة، متخذين كأساس احترام تمامية السلطنة المغربية من جهة، ومن جهة أخرى، تحسين وضع الجوار المباشر القائم بينهما)).

هكذا كانت المقدمة، براقة لماعة، لكنها متبوعة بفصول وجزئيات تضاهي الصابون في لزاجتها كلما أراد المرء الإمساك بأطرافها، وفي كتاب “المسألة المغربية” الصادر عن معهد الدراسات العربية، هذا الملخص للاتفاقية، تنشره “الأسبوع” كما هو ليفهم القارئ الدهاء الفرنسي:

((يهدف هذا البروتوكول إلى تنفيذ وتفسير معاهدة سنة 1845، وقد نصت “المادة 1” على المحافظة على معاهدة 1845 باستثناء النقاط الواردة في المواد التالية، ولتسوية مشاكل حدود المنطقة الواقعة بين ثنية الساسي وفجيج، “أصبح بإمكان المخزن أن يقيم مراكز حراسة وجمرك في نهاية مناطق القبائل التي تشكل جزء من إمبراطوريته (المادة 2)، وسوت “المادة 4” مسألة الأرض الواقعة بين وديان زوزفانة وكير، التي تلتقي في إيجلي، فاعتبرت هذه المنطقة محايدة، وذلك لتجنب ارتباكات الملاصقة، وعلى أطراف هذه المنطقة، يمكن للحكومتين أن تقيما مراكز حراسة البلدين، فقد نظمت في “المادة 5” على النحو التالي: فيما يتعلق بأهالي قبائل ذوي منيع وأولاد جرير، تسمى الحكومتان مفوضتين عنها لدى هذه القبائل، وتتركان لها اختيار الخضوع لسلطة أي من الحكومتين، فالذين يختارون الحكومة الفرنسية يحتفظون بمراكزهم، أما من يختارون السلطة المغربية فيغادرون هذه المنطقة إلى المكان الذي تعينه الحكومة المغربية لإقامتهم في سلطنتها، ويكون بإمكانهم الاحتفاظ بأملاكهم وأن يديروا هذه الأملاك من قبل وكلاء عنهم أو أن يبيعوها لمن يريدون، أما الناس المقيمون في هذه المنطقة والذين يعيشون تحت الخيام، من غير أهالي ذوي منيع وأولاد جرير، فيظلون تحت السلطة المغربية ويمكنهم أن يحتفظوا بإقامتهم في هذه الأماكن، وأهالي قصور المنطقة المذكورة، فلهم أن يختاروا السلطة التي تديرهم، وفي أي حال يمكنهم الاستمرار في السكنى في أرضهم، وقد سوت “المادة 6” وضع الأملاك التي يملكها الناس التابعون لإحدى الدولتين في أراضي الطرف الآخر، كما أبيحت حرية التجارة للطرفين في هذه المنطقة المحايدة دون دفع أي رسوم، وسوت “المادة 9” مسائل الشكاوي التي ستحدث في المستقبل بين البلدين، فاتفقت الحكومتان على أنه منذ الآن لن يحملا بعضهما مسؤولية هذه الشكاوي، ولن يطالبا بعضهما بأي غرامة نقدية بهذا الخصوص، وأوكلت مهمة حل هذه المسائل إلى اثنين من المفوضين عن كل حكومة، واحد لمنطقة الشمال والآخر لمنطقة الجنوب، ويذهب مفوض المخزن إلى مغنية في الشمال وجنان الدار في الجنوب، أما المفوضان الفرنسيان، فيذهب أحدهما إلى وجدة في الشمال والثاني إلى فجيج في الجنوب)).

فأي شرح يعطى لنصوص هذه الاتفاقية ؟

إن الشرح الوحيد هو الذي أعطاه سكان المناطق التي يعنيها هذا الاتفاق، سكان المناطق المغربية في كورارة وتيدكلت وتوات، وهم يشعرون بالمرارة والخذلان. حتى الوزير الفرنسي ديلكاسي، الذي كان يداري ويعتبر الاتفاق مشحونا بالتنازلات الفرنسية، سريعا ما أعطى الاتفاق مدلوله الحقيقي بمجرد إمضائه، فصرح للصحفيين قائلا: ((إن فرنسا قد حصلت على اعتراف المغرب بشرعية وجودها في الواحات، وكذلك في واد الزوزفانة ووادي الساورة، حيث سيمر الخط الحديدي، وقد حصلت فرنسا على هذه النتيجة دون أن تعطي مقابل أي تنازل عن المبادئ التي تمنعنا من الحصول في هذه المنطقة على حدود وطيدة)).

ألا يعود بنا هذا التصريح إلى المناقشات الصاخبة التي كانت تدور في البرلمان الفرنسي بين ديلكاسي وجان جوريس، وغيرهم من الساسة الفرنسيين الذين كانوا يتبارون فيما بينهم للوصول إلى احتلال المغرب بأرخص الأساليب ؟

وطبعا، برع كل طرف في تأويل نصوص الاتفاق، وبينما اعتبره ديلكاسي اعترافا مغربيا بالاحتلال الفرنسي، اعتبره الساسة المغاربة أخف الضررين، ولذلك سارعوا للمشاركة في لجنة مشتركة لزيارة الأقاليم “المتفق عليها”.

وترأس الوفد الفرنسي المغربي، الوزير الجباص، وترأس الوفد الفرنسي الجنرال كوشيمير.

ويحفظ التاريخ في طياته وثيقة مخجلة أمضاها الوزير بنسليمان في شكل رسالة بعث بها إلى السفير الفرنسي في طنجة يقول له فيها: ((لو لاحظتم طبع قبائل الحدود المغربية، لقدرتم أنه ينبغي قطعا التعامل معها بواسطة التدرج مستخدمين الرقة واللطف من جانبكم)).

لقد كان بنسليمان أشبه ما يكون بالأب الذي يزوج ابنته مرغما لرجل فظ غليظ. لكن القبائل المغربية لم تقم وزنا لا للجباص ولا للجنرال الفرنسي، الذين ما إن وصلوا عند قبائل ذوي منيع حتى قوبلوا بالرفض، وبمظاهرات الاستنكار المنددة بكل الحلول التي ينص عليها اتفاق باريس، وطردوا البعثة المشتركة الفرنسية المغربية طردا..

فلم يكن السكان المغاربة في أطراف الصحراء بضاعة تباع في صفقة، كما أنهم ليسوا بنتا قاصرة يزوجها أبوها لزوج لا ترضاه. وسحب الصحراويون ثقتهم من الحكومة، لكنهم بقوا ملتزمين بالوفاء لاسم السلطان ولمجد أمير المؤمنين، دون أن يكونوا ملتزمين بتنفيذ أوامر حكومته.

والأحداث التي عرفها المغرب منذ إمضاء اتفاق 20 يوليوز 1901، هي خير برهان على أن المغرب كله من صحرائه الشرقية إلى صحرائه الغربية حتى الريف، كان يعتبر اتفاقية يوليوز 1901 خيانة لا يمكن السكوت عليها.

الصحراويون يلتجئون إلى تافيلالت

    لقد شعر السلطان عبد العزيز، وهو الذي أخذ ينظر إلى الأمور نظرة واقعية، ويؤول تصرفات مستشاريه وبطانته تأويلاتها الحقيقية، بأن الخطر الفرنسي داهم ولا شك، وأن إقليم تافيلالت هو في طريق الاحتلال ليكون الإقليم الرابع بعد كورارة وتيدكلت وتوات.

لذلك اختار أحد أبناء عمه، وهو رجل في مقتبل العمر، معجب بعظمة مغرب الحسن الأول، ويسمى مولاي رشيد، وسماه عاملا على إقليم تافيلالت، كما عين ضابطا عسكريا حازما، هو قايد الرحا، محبوب المطاعي، حاكما عسكريا للمنطقة، وكلف خليفته في مراكش بالإشراف على شؤون الساقية الحمراء ووادي الذهب، إلا أن الأحداث كثيرا ما تفرض اتجاهها على الرجال، وبعض الرجال كثيرا ما يفرضون اتجاهاتهم على الأحداث.

وهكذا كان العامل مولاي رشيد.. جاء إلى تافيلالت ليجد نفسه في عمق مشكل الصحراء المغربية.

كان مولاي رشيد وهو في قصره في سجلماسة، غير بعيد من بوعام، يعيش ظروف الكارثة بكل ما في هولها من معنى.. أفواج هائلة من اللاجئين الهاربين من الاحتلال الفرنسي، وتحركات وتنقلات على مستوى القبائل لم يجد لها تفسيرا.

فبالإضافة إلى أفواج اللاجئين، كانت هناك حركة تجنيد وتعبئة في قبائل أخرى، وهناك قبائل تذهب بعتادها وخيلها وجمالها إلى إقليم مغربي بعيد جدا تناسته الأحداث، هو إقليم تمبكتو، بينما لم يفهم مولاي رشيد تقاطر قبائل الصحراء الغربية من وادي الذهب وشنقيط والساقية الحمراء على تافيلالت، حيث وصلت قبائل أولاد دليم والركيبات إلى سجلماسة، فماذا طردهم من ديارهم؟

وفي فترة وجيزة، وجد مولاي رشيد نفسه حاكما لقبائل أطراف المغرب كلها، وأصبحت تحت نفوذه قبائل الساقية الحمراء، ووادي الذهب، وتمبكتو، وكورارة، وتيدكلت، وتوات، بينما كان نفوذه يغطي مساحات شاسعة تمتد على طول منطقة درعة، زير تودغا، وفركلا.

وإذا كانت فرنسا قد احتلت الصحراء الشرقية، وإسبانيا احتلت الصحراء الغربية، فإنهم لم يحتلوا إلا الأرض، أما الرجال فقد جاؤوا إلى تافيلالت للقيام بحركة لم تكن تخطر على بال حكومة السلطان.

وفي سنة 1902، لم تكن محتلة إلا أقاليم كورارة وتيدكلت وتوات، ولكن المغرب كله كان يعتبر أن احتلال طرف منه يعني احتلال المغرب كله.

وقد يبدع الباحث في وصف الوحدة الوطنية الهائلة، والإقدام في إطار إجماع شعبي كامل على الجهاد، إلا أن وصف هذه المرحلة المجيدة في تاريخ المغرب لا بد وأن يقال بأنه كتب تحت تأثير العطف الوطني من طرف مؤرخ مغربي.

ودون أن أتنازل عن وصف هذه المرحلة بسردي المجرد للأحداث، فإني أختار مؤرخا أجنبيا لا صلة له بالمغرب، بل كل ارتباطه بالدولة الغازية فرنسا، عاش هذه الأحداث وزار هذه المناطق في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ المغرب، وكتب مؤلفا ضخما سأختار منه فقرة قصيرة في الصفحة 508 من كتاب: “أربعة قرون من تاريخ المغرب”، وفيها يقول المؤلف مارتان واصفا وضعية المغرب بعد إمضاء اتفاقية 20 يوليوز 1901: ((إن الإسلام ثار ضد الاحتلال والمالكيون ثاروا ضد الاحتلال في هذه المنطقة كلها باستثناء مسلمي الجزائر وتونس الشرقية، الذين اعتذروا لكونهم مقسمين، فريق تحت رحمة الاحتلال المسيحي، وفريق لأنهم بعيدون جدا عن منطقة الجهاد)).

ومنطقة الجهاد طبعا هي المغرب، وراية الجهاد طبعا هي الإسلام.

والاستثناء على عهدة المؤرخ الفرنسي.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى