المنبر الحر

المنبر الحر | الغرب وأزمة القيم الإنسانية

بقلم: محمد الحموتي

    عديدة هي الأحداث السياسية والمتغيرات الدولية التي تجعلنا نجزم بأن الغرب يعاني أزمة قيم، ويستعين بالمؤسسات الإعلامية والدعائية لخداع الشعوب وتسويق صورة المجتمع الغربي المحتكر للقيم الإنسانية وتوظفها وفق أجندته السياسية والاقتصادية لتحقيق مكاسب كبيرة، وهذا ما جعل المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، يشبه الآلة الدعائية الغربية الديمقراطية بمثابة العصى للأنظمة الاستبدادية.

أحداث السابع أكتوبر 2023 في قطاع غزة كشفت القناع عن البعد الحضاري للغرب، من خلال الإبادة التي يرتكبها الصهاينة من قتل متعمد في حق المدنيين الأبرياء، أطفالا ونساء وشيوخا، والتدمير المبالغ فيه للبنيات التحتية، من مستشفيات ومدارس ضربا بعرض الحائط كل المواثيق الدولية، مدعومة في ذلك بالأنظمة الديمقراطية الغربية وعلى الخصوص أمريكا وفرنسا وألمانيا وكندا، والقائمة طويلة من الأقطار التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان ومحاربة العنصرية وترفض الهمجية حتى أصبحت تصور لنا نفسها أنها تؤمن بالدبلوماسية الأخلاقية والعدالة العالمية. قد يكون الأمر صحيحا عندما يتعلق الأمر بالمجتمع الدولي الغربي وما يحدث في أوكرانيا من حروب ومجازر ترتكب في حق الإنسانية، يتحرك المنتظم الدولي بقيادة الغرب ويفرض قيودا اقتصادية وسياسية على روسيا واعتباره نظاما وحشيا، وتقديم كل الدعم المالي والعسكري للنظام الأوكراني.. هذا ما نسميه الدبلوماسية الأخلاقية، لكن بازدواجية المعايير بمنطق المركزية الغربية.

والغريب في الأمر، أن الغرب كثيرا ما كان يتبجح بغلبة القيم الحضارية للمجتمع الغربي في مقابل تأزم وتراجع التأثير الحضاري للشعوب الأخرى، إلا أن الفضائح التي يرتكبها في ظل قيادته للعالم، هي حروب ومجازر ضد الإنسانية وإبادة جماعية واستعبادا للشعوب لا داعي لذكرها، لأننا سنحتاج في ذلك لمجلدات، ويكفي أن نشير إلى ما ذكره المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي حول إرهاب الغرب وتهديدهم للعالم بإمكانية تحويله إلى العدم من خلال أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها.. إذن، أين هي العدالة التي تحكم العالم؟

كان الإغريق قديما يميزون بين العدالة القانونية والعادلة الطبيعية، أما العدالة القانونية فهي بغرض حماية الضعفاء من الأقوياء، والعدالة الطبيعية هي حكم الرجال الأقوياء وممارستهم لحقهم الطبيعي، إلا أن الغرب مارس هذين الحقين لتحقيق أهدافه السياسية والاقتصادية، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سعى الحلفاء إلى وضع ميثاق أممي وتأسيس منتظمات دولية تمنع حدوث الحروب وتحترم السيادات للأقطار المنضوية تحت لواء الأمم المتحدة، وقد يبدو الأمر في مصلحة الشعوب الضعيفة، إلا أن الغرض من القانون الدوالي هو امتداد لحماية مصالح القوى الإمبريالية، وهذا ما فعلته بإيران وفينزويلا وكوبا… تفرض عليهم عقوبات أممية من خلال مجلس الأمن، وعندما يتعارض القانون الدولي مع  توجهات أمريكا، فإن القوة أو قانون الطبيعة هو الملاذ كما حدث مع العراق وأفغانستان، ومناطق أخرى من العالم، دون أدنى احترام للقانون الدولي، ولهذا يلاحظ بروز العديد من الاحتجاجات، في أمريكا وخارجها، ضد جرائم الإبادة وقطاع غزة خير مثال، لأن ما يحدث في فلسطين يمكن اعتباره جريمة القرن، لأن الشعب يعيش في السجن ويتهم بالإرهاب، لهذا ينطبق على الفلسطينيين ما قاله جون جاك روسو من أن الإنسان يولد حرا إلا أنه مكبل بالأغلال.. في كل الأمكنة يطرد من أرضه ويقمع في حريته ويسجن في مساحة تنعدم فيها شروط الحياة ويمنع من حق المقاومة الذي شرعته القوانين الدولية، فليس هناك من حزن على وجه الأرض أكبر من فقد الإنسان لأرضه الوطنية.

هذا هو الوجه المتوحش لليبرالية الديمقراطية أو الصهيونية المسيحية التي ترى في إسرائيل عين أمريكا في الشرق الأوسط مادام الصدام الحضاري أمرا واقعيا بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية كما أكد على ذلك المفكر صامويل هانتنغتون، لأن الأبعاد الثقافية والدينية مازالت تؤثر في الثقافة السياسية للنخب الحاكمة في الغرب، وما صعود التيار اليميني المتطرف في أوروبا إلا انعكاسا لذلك التخوف من الآخر، والمتمثل بالخصوص في الحضارة الإسلامية، وهذا يؤشر على بداية نهاية ما كان يسمى بعهد الحداثة والعقلانية والقيم الانسانية التي لطالما كانت النخب الفكرية الغربية تحاول إقناع العالم بأنها خصوصية ترتبط بالحضارة الغربية المسيحية.

الإبادة تحدث في حق شعب أعزل وهو الشعب الفلسطيني، وماذا كان رد سادة الحكم أو الإكليروس المتحكم في السياسة والإعلام الغربي غير المزيد من الدعم للجلاد والدموع للأبرياء، والغرابة في الأمر أن النخب المحسوبة على العرب مصابة بسقم يسمى الصمت وهي التي كانت دائما تعاني أفيون الفكر الغربي وقيمه حتى أن المستشرق الفرنسي جاك بيرك، في إحدى لقاءاته، عاب على النخب المغربية ظاهرة غربية لأنهم كانوا يعتقدون أن المثقف هو الشخص المتكلم بالفرنسية حتى وإن كانت ثقافته ضعيفة، أما في الثقافة العربية الإسلامية، سواء كان علامة أو شيخا، فهو في مقام الجاهل أو الرجعي، وما زال الأمر كذلك إلى يومنا هذا مع العلم أننا لسنا ضد التنوع الثقافي، ولكن في حدود الاحترام والتبادل الفكري.

صحيح أن أقطارنا ضعيفة، لكن هذا لا يمنع أن نقاوم وندافع عن قيمنا وحقوقنا المشروعة ونفرض احترامنا لأننا أمة عريقة وحضارتنا كان لها الفضل في انتشال الغرب من براثن الجهل الهمجية والتاريخ شاهد على ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى