تحليل إخباري | عبد الكريم الخطابي.. المفترى عليه
الجزائر تزور تاريخ عبد الكريم الخطابي في مشروع وهمي جديد
صدق الملك الراحل الحسن الثاني عندما تحدث عن “الجار الذي حشرنا معه الله في الجوار”، والكل بات يعرف حقيقة هذه “الجورة”، وحكام الجزائر من فصيلة “الله يخليها سلعة”، اختاروا الترويج مؤخرا لما سموه تمثيلية “الحزب الوطني الريفي بالجزائر”، وهو مشروع وهمي جديد ينضاف إلى الساحة، بعد سنوات من إطلاق تجربة المجموعة الوهمية، التي تسمى البوليساريو(..)، ورغم أن هذه الفكرة لا تتعدى الآن كونها فقاعة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنها وجدت طريقها للانتشار في عدة وسائل إعلام، بعد مسرحية تصوير افتتاح مكتب برعاية جزائرية.. ما يعني أن البلد الجار تحول بشكل مفضوح إلى قاعدة لـ”خونة المغرب”، ما يفرض ضرورة أخذ الحيطة والحذر تجاه هذا “العدو الغير عاقل” الذي يمكن أن يسرب الخطر إلى المغرب، سواء بالإرهاب، أو بالدعاية الكاذبة(..).
إعداد: سعيد الريحاني
ما يثير الانتباه، هو حديث الإعلام عن انفصاليين، والواقع أننا أمام خونة، إن كانوا مغاربة(..)، غير أن أكثر فصول مسرحية الجزائر قتامة، هو استغلال صورة المجاهد عبد الكريم الخطابي في هذا الافتتاح المزعوم، لفرع حزب مزعوم، برموز مزعومة لأحداث الريف، وليس من بينها الزفزافي لغاية في نفس يعقوب(..)، ما يحتم القول للمرة المليون، ولتصحيح المغالطات، بأن المجاهد عبد الكريم الخطابي لم يكن انفصاليا، ومشكلة الريف هي العناصر المدسوسة بين ثناياه والتي تتحدث باسمه(..)، وهي مشكلة تاريخية ظهرت مع الاستعمار.. فقد ((كان مركز الدريوش في الريف (على سبيل المثال)، نقطة انطلاق شراء الضمائر، وبيع الأعراض.. وكانت أولى المنح المالية المنظمة للأعوان المنبثين وسط السكان، توزع بسخاء كبير، خصوصا بعد أن فقد الريف شخص الشهيد السيد محمد أمزيان، ولم يبق للعناصر المهلهلة في تكوينها عنصر تلتف حوله.. فكنت ترى الكثير منهم يفدون تحت خيم الظلام على حجرة النكور وجزيرة باديس، ليتوصلوا بالعطاء الشهري، وهذه إحدى خصائص المستعمر المعروفة، كل حسب مكانته ومقدرته.. وكانت البسيطات القليلة التي أطلقها الإسبان من مركز الدريوش، سموما لبث الشقاق والنزاع بين العناصر التي كانت إلى عهد قريب موحدة المبدأ قوية العزيمة(..)، أما الأحداث التي كانت تنتظر الريف بعد موت المجاهد محمد أمزيان، وبعد انشقاق العناصر المتساكنة في الريف، فهي ظهور عائلة الخطابي، التي وضعت الحد الفاصل لنشاط المنظمات السياسية والعسكرية الأجنبية..)).
يمكن لبعض الناس أن يحاولوا تزوير التاريخ، لكن الصحافة لا تنسى، مثلها مثل المؤرخ، والفقرة أعلاه مقتطفة من مقال صدر بجريدة “أخبار الدنيا” سنة 1961، أي أن مثل هذا الكلام كتب قبل أن يولد كثير ممن يدعون أن عبد الكريم الخطابي صاحب جمهورية، كما روج الاستعمار لذلك، بينما الحقيقة أن الخطابي كان عدوا للاستعمار، مثل صف المقاومة المغربية(..)، بل إن علاقته مع الأسرة الملكية في المغرب عابرة للزمن، وبدأت مع والده الفقيه، الذي خول له السلطان المولى عبد العزيز حق الفصل بين الناس في القضايا الشرعية بواسطة ظهير شريف، خلافا لما كان يقضي به غيره من قضاة لا يحملون سمة رسمية من طرف السلطان، وهذا ما كان يتمتع به السيد الخطابي جاها وشأنا، وينقص من القيمة القضائية للآخرين…
وبهذه المناسبة، نذكر ما كان يعقب عليه أحد القضاة الغير رسميين على الأحكام التي كان يصدرها بنفسه، فكان يقول للمحكوم له: خذ الكاغيط، وخذ بوالكاغيط، ويقصد بالكاغيط نص الحكم، وببوالكاغيط، الرصاص الذي تحشى به البندقية، وهذا يدل على انعدام السلطة التنفيذية آنذاك.
وكان الفقيه السيد عبد الكريم الخطابي، معروفا بنزاهته وحسن تصرفه، فكان المدعي والمدعى عليه غالبا ما يفترقان وعلى وجههما ابتسامة الرضى والقبول.
وقيد له القدر نجاحا باهرا، فكنت ترى الجموع تفد عليه من كل حدب وصوب ابتغاء الترافع لديه.. حتى سارت بذكره الركبان، وتوسع نفوذه، فشكل الميادين الأخرى غير القضائية، وشرع في معالجة المشاكل العويصة، وصادف دخول الانشقاق بين العناصر الريفية أثناء تسرب السياسة الإسبانية، فكثرت المشاكل المعروضة عليه، واضطر للاستعانة بأصلح العناصر التي يعرفها، ووقع اختياره على مساعدين رئيسين هما السيد بوقشوش وابن عمه السيد يوسف، فكانا لا يفارقانه في حله وترحاله.
ولم يكن بيت القاضي السيد عبد الكريم يفوت بيوت غيره في أجدير رونقا ولا جمالا، وإنما كان يفصله عن باقي البيوت أنه قبلة الزوار، وملتقى الجميع.
وكان تدارس المشاكل التي يتخبط فيها الريف آنذاك، من أهم مشاغل جميع القاصدين لتلك الدار العامرة.
وأصبحت تلك الروح التي تغمر بيت القاضي، السيد عبد الكريم الخطابي، تشغل بال الاستعلامات الإسبانية، وأصبحت تترقب صدور شيء عن هذه المحادثات الكثيرة، والمناقشات الطويلة.

وكان فعلا ما خمنه الإسبان، وما حسبوا له ألف حساب، وكان فعلا انبثاق الحركة التحريرية الكبرى من مجامع القاضي السيد عبد الكريم، وكان يترعرع في هذا البيت العامر شخصان آخران، إلى جانب الفكرة التحررية، كانا هذان الشخصان يترقبان الأحداث ويتتبعان سيرها وكأنهما على موعد مع تطوراتها.
وكانا هذان الشخصان هما ولدا الفقيه السيد عبد الكريم الخطابي، واسم الأول محمد، واسم الثاني محمد (بفتح الميم)، وكان شيء آخر يغمر هذا البيت الكبير إلى جانب الولدين اليافعين، والروح الإصلاحية، وهو الارتباط المتين بالروح الإسلامية الطاهرة، والشعور الملح بالتشبث الكلي بهذه الروح كلما أذن المؤذن للصلوات الخمس.
هذا هو تاريخ عائلة الخطابي كما هو مدون في الصحافة المغربية والمقتطفات أعلاه كلها مصدرها جريدة “أخبار الدنيا” لمؤسسها مصطفى العلوي، ولا مجال للحديث عن ظاهرة الانفصال لدى هذا المجاهد المفترى عليه.. كيف يمكن أن يكون عبد الكريم الخطابي انفصاليا وهو الذي قال: ((بالنسبة لنا، فالمغاربة كلهم إخوان لنا بدون ميز، ولا فرق عندنا بين هذا أو ذاك إلا ما تفرق فيه الحق والباطل، فلسنا من أنصار الباطل أبدا، لكننا دائما من أنصار الحق ولا حزب لنا ولا مذهب إلا الحق)) ؟ كيف يمكن الحديث باسمه عن جمهورية وهمية وهو الذي كان يصف الملك محمد الخامس بالسلطان العظيم، بل إنه هو نفسه الذي حكى للصحافة ظروف لقائه بالملك الراحل محمد الخامس، بالقاهرة، قائلا: ((لقد كانت المواعدة من الطرفين، فعندما حدثنا جلالته رحمه الله عن الرجوع، لم نخف عليه اشتياقنا لرؤية بلادنا.. لكننا أشرنا إلى قضية الجيوش الأجنبية المرابضة بتراب المغرب، فأجابنا رحمه الله بأن هذه السنة، وكانت سنة 1960، هي سنة الجلاء، وتواعدنا على الجلاء، وعلى أن رجوعي سيكون بإذن الله، وحدث أن توفي المرحوم محمد الخامس، وبقيت الأمور كما كانت عليه من قبل)) ؟
إن أقصى ما وصل إليه عبد الكريم الخطابي طيلة حياته، هو معارضته للدستور (انظر تفاصيل الحوار رفقته)، والمغاربة أيضا كانوا يعارضون دستور تلك الأيام، وتدرج “الأسبوع” شهادة مصطفى العلوي، صديق عبد الكريم الخطابي، الذي كان ينشر كتاباته في جريدة مصطفى العلوي(..)، لتكذب كل الافتراءات في حق زعيم الريف، خاصة وأن مصطفى العلوي كان على علاقة وثيقة بأبناء الراحل، بل إنه أوصل رسائل الأبناء إلى والدهم في القاهرة والعكس صحيح..

صديق زعيم الريف الراحل مصطفى العلوي في حوار صريح:
الخطابي لم يكن جمهوريا ولا وجود للصراع مع الحسن الثاني
♦ في مقاله عن دستور 1962 الذي أرسله إليك، يقول عبد الكريم الخطابي: ((لقد احتوى الدستور المزعوم على مائة وعشرة من المواد والفصول، كلها تتلخص في جملة واحدة هي: أنا الفاعل المختار، أنا كل شيء ولا شيء سواي، الشيء الذي عرفه المغاربة وأدركوا أنه لا يفيد ولا يأتي بأي نتيجة، ولذلك طالبوا بتكوين مجلس نيابي، فهل تجدي نفعا هذه اللعبة الجديدة؟ وإذا كانت الدساتير تقر صلاحية شخص واضح في الأمة، فما معنى وضع هذا الدستور؟)) من الواضح أن عبد الكريم الخطابي كان له موقف معارض ضد الدستور..
» نعم، وكل المغاربة كانوا ضد الدستور، فالخلاف الأول الذي نشب بين الملك والاتحاديين مثلا، كان حول الدستور، ومعارضة الدستور لا تعني المطالبة بالجمهورية.. ما أريد أن أؤكده لك، أن عبد الكريم الخطابي لم يعلن يوما عن الجمهورية.
♦ لماذا إذن، ظل في المنفى ولم يعد إلى المغرب؟
» ظل في المنفى لأن مصر وفرت له ظروفا ملائمة. وبالمناسبة، فقد حاول محمد السادس إرجاع جثمان عبد الكريم الخطابي إلى المغرب، فإذا بالمصريين يرفضون لأنهم بنوا له ضريحا باعتباره زعيما مغربيا، ورفضوا هدم كل ذلك لأجل نقله إلى المغرب.
♦ لكن، تاريخيا، هناك من يعتبر أن عبد الكريم الخطابي كان له موقف من السلطة المركزية بالمغرب، لأن إنهاء ثورة الريف كان بتشارك بين هذه السلطة والحماية الفرنسية والإسبانية.
» المقرر تاريخيا، هو أن السلطان مولاي يوسف هو الذي حدثت في عهده ثورة الريف بتعاون مع الفرنسيين والإسبان للقضاء على هذه الثورة، وهذا مؤكد من خلال كتابات تأريخية وصحافية موثقة.
♦ ألم يكن ذلك كافيا لاتخاذ الخطابي موقفا جذريا من المغرب والسلطة المغربية؟
» لقد زاره محمد الخامس في بيته في القاهرة، وتصالحا، وسأله عن الرجوع، فوعده الخطابي بذلك.
♦ ماذا عن الحسن الثاني، كيف كان موقفه من الخطابي؟
» لقد ذكرت لك سابقا كيف جرد الإسبان عبد الكريم الخطابي من كل ممتلكاته في الريف، وفي تاريخ لاحق، ذكر أحرضان أن الملك الراحل الحسن الثاني أمر في أحد الاجتماعات معه، بإرجاع كل الممتلكات التي سحبت من أسرة الخطابي.
♦ ألم يقم الحسن الثاني بأي محاولات لاستقطاب الخطابي من أجل العودة إلى المغرب؟
» لا أدري شيئا عن هذا الموضوع.. ما هو مؤكد أن الحسن الثاني لم يكن يعتبر الخطابي عدوا، لأنه فعلا ليس كذلك، بل هو ثائر قام بثورة من أجل طرد المحتل الإسباني، وجميع ما كتب عنه يؤكد أن عمله وحركته كانا كلهما يستهدفان تحرير الريف من الإسبان، وكنت قد التقيت به واتفقت معه على كتابة افتتاحيات في جريدة “أخبار الدنيا” التي كنت أديرها، وتناقشنا وتقوت علاقاتنا، ولم أجد في كلامه أو أفكاره ما يدل على أنه كان جمهوريا. ثم يجب أن ننسى أن الحسن الثاني عين الولد الأكبر لعبد الكريم الخطابي، محمد الخطابي، كولونيلا في الجيش الملكي، كما أن ابنه عبد السلام حصل على صفة إدارية وظل يعيش في المغرب بحريته الكاملة، وكان رجلا يحب الفن والموسيقى، إضافة إلى ابنه سعيد، الذي كان يتحدث في وسائل الإعلام والصحف، وكان سياسيا يطمح إلى لعب دور سياسي في المغرب، لكنه واجه تحفظا من المغاربة بسبب مواقفه، وقد ظل في مصر وحصل هناك على منصب مسؤول في حزب أسسه أنور السادات.
♦ وعلى ما يبدو من خلال فكر ومواقف عبد الكريم الخطابي، فقد كان رجلا بنفحة دينية قوية، وهذا ما يدفع البعض إلى تفسير إبعاد عبد الكريم الخطابي باحتمال منافسته للحسن الثاني في هذا المجال؟
» عبد الكريم الخطابي توفي في 1963 والحسن الثاني تولى الملك في 1961، فلا مجال أصلا لوجود صراع أو منافسة بينهما.. لقد كان الخطابي يعيش في القاهرة وتوفي بتزامن مع بدايات حكم الحسن الثاني.



