شخصيات

بورتريه | عبد الحي بنيس.. “الشاوش” الذي أصبح مؤرخا غير رسمي

اشتهر عبد الحي بنيس بكونه “شاوش البرلمان”، والواقع أن احتكاكه بالسياسيين وإحدى أهم الإدارات، وهي إدارة البرلمان، جعلت منه رجل إدارة يضبط كل المفاتيح، بل ويتفوق زمنيا على جل السياسيين والوزراء والبرلمانيين الذين عايشهم، بحكم امتلاكه للوثيقة، لدرجة أنه أصبح في الفترة الأخيرة بمثابة مؤرخ غير رسمي، وفيما يلي يحكي عبد الحي بنيس قصته عن نفسه:

    استقبلني المرحوم محمد بنشقرون، المدير العام لمركز حزب الاستقلال سنة 1977، وأخبرني بأنني سأعمل في البرلمان، ثم قدمني للأخ محمد سعد العلمي، الذي شرح لي نوعية العمل الذي سأقوم به بعد أن عرف أنني لا أتوفر على شواهد مدرسية، وقال لي: لنا بمجلس النواب مكتبان إداريان و50 نائبا برلمانيا “هيا تفضل..” عملك هو “مأمور” بإدارة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب.

قمت من مكاني، لم أكن أعرف معنى واضحا لكلمة “مأمور”، فعرفت بعدها أنها تعني قيامي بمهام: استلام جميع الوثائق والرسائل المضمونة أو الطرود البريدية قصد إبلاغها إلى أصحابها النواب، حمل مداخلات السادة النواب لمقر جريدة “العلم” قصد نشرها، حمل أو جلب ما له علاقة بالفريق من المركز العام للحزب، ضبط الواردات والصادرات في سجل الفريق، تقديم كافة الخدمات الخاصة بأعضاء الفريق داخل المجلس وخارجه، إخبار أعضاء الفريق باستعجال بالنشاطات البرلمانية المدعوين لها عن طريق الهاتف أو البرق، نسخ القوانين التي لن تطبق أبدا، حمل التقارير والجرائد غير المقروءة من مكان إلى آخر..

تتمة المقال تحت الإعلان

ولكم كان حلمي جميلا عندما دعيت يوم 14 أكتوبر 1977 للالتحاق فورا بعملي موظفا بإدارة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، لم تكن السماء لتسع فرحتي وأنا في عمر الزهور.

تتمة المقال تحت الإعلان

هجرني النوم تلك الليلة، وكنت أنتظر بزوغ الصبح للتوجه نحو مهمتي الجديدة.. كانت أسئلة عديدة تجول بمخيلتي، والعديد من التخمينات حول ظروف عملي، عن المهمة التي ستسند إلي، عما يجري بالمؤسسة التشريعية، وعن أحوال سكانها القدامى والجدد، عن العمل مع “الناس لكبار”، وما هو العمل الذي سأقوم به؟ والحقيقة، أنني بالقدر الذي سررت وقتها بهذه الفرصة، بقدر ما كنت متوجسا، بل خائفا من غد مجهول، خصوصا وأنني لا أتوفر على أي شهادة مدرسية، وكيف سأفعل وأنا ذلك “الحرفي الخراز”، وكيف سأكون في المستوى وعند حسن الظن؟ وسيل جارف من الأسئلة الأخرى.

أتذكر وأنا أدخل بوابة مجلس النواب، أن الشعور الذي تولد لدي كان هو أنني أدخل فضاء ضريح مولاي إدريس.. كانت لحظة رهيبة.. البرلمان كانت له هالة عظيمة، في تلك الفترة، كان اسمه يجلجل في الأسماع، بقيت مشدودا لعظمة البناية وأجنحتها وقاعاتها وممراتها.

كنت أول موظف التحق بإدارة الفريق الاستقلالي، فلو كان موجودا قبلي رئيس مصلحة – مثلا – لما قمت بما قمت به، لأنه بكل بساطة سيضع لي كرسيا بباب المكتب ليكون مكاني، وما سيكلفني به هي “السخرة”.

خمسة وثلاثون سنة قضيتها تحت قبة البرلمان، منذ 14 أكتوبر 1977 إلى 31 دجنبر 2013، اجتهدت في عملي لأتمم ما تعلمته في الحياة، كانت مهمتي بسيطة بهمها، بأجرها، وأيضا بتاريخها الوطني المليء بالمآسي والمفاجئات، ولكنها في الحقيقة، علمتني أن أكون كما أنا اليوم، أن لا أقف مكتوف اليد، منقطع النفس والروح، وأن أسعى إلى تحقيق ذاتي وطموحاتي، فكنت أعمل بجد وحماس منقطع، أتحرك كفراشة تطير من هنا إلى هناك لأرتشف رحيق كل المحيط الذي أنا موجود بداخله.

فرغم أني كنت في البرلمان مجرد “شاوش”، وأول راتب تقاضيته وقتها هو 670 درهما، ومكاني لم يكن إلا في مؤخرة الاجتماعات واللقاءات، ورغم النظرات القاسية التي تعتبرني مجرد “شاوش” و”خراز” سابق، إلا أنني لم أستسلم، بل واصلت الليل بالنهار ليصبح كلامي مسموعا لدى رؤسائي، وأحظى بالاحترام والتقدير والتكريم، لأنني استطعت بكل فخر أن أنجز ما لم تستطع إدارة البرلمان إنجازه في مجال التوثيق.. كنت أرى في نفسي ذلك الموظف البسيط الذي ولج المؤسسة التشريعية دون شواهد جامعية، لكنني استطعت أن أتخرج منها كمؤرخ ذي ثروة معرفية في المجال التشريعي ومجموعة من المؤلفات نالت الشهرة عالميا.. لقد اكتسبت شخصيتي من خلال تربيتي في الطفولة بالإرشاد تارة والعقاب والشدة تارة أخرى، على الشجاعة وعدم الاستسلام للظروف الصعبة، والصدق في القول والفعل، والابتعاد عن الكذب والتكّبر والغرور، والنزاهة من خلال البعد عن السوء وترك الشبهات، والالتزام بالقيم الأخلاقية، وتحّمل مسؤولية الأمور فيما أقول وأفعل، واحترام عدة قواعد لا يمكن التساهل معها، فطيلة حياتي المهنية داخل المؤسسة التشريعية، كنت أتحمل وأصبر، لأنني إنسان واضح، ومتحفظ، ودقيق، لا أحب الفوضى، وأحب الالتزام الصارم بالقوانين والأنظمة، أقدس العمل وأتفانى فيه، أكره الكذب والنفاق والتملق والوصولية، وطني حتى النخاع، لا أجامل أحدا في الحق، صريح جدا إلى درجة الشراسة، لا أجيد تنميق العبارات، ولذلك صراحتي تكون جارحة أحيانا، وصراحتي هذه سببت لي الكثير من المشاكل، حساس جدا، ومستقل بشخصيتي، لا أرتكن إلى الاستسلام والانتظارية رغم التوتر والعصبية التي عشتها داخل المؤسسة، ورغم أنني أملك روحا قيادية، فلا أحب أن ألعب دور القائد، وإنما أريد إثبات وجودي للعالم كله، قوي إلى حد القسوة، لكن في قوتي يكمن ضعفي لدرجة البكاء، أعـبر عن التضـحية بالذات من أجـل الحق، وتفكيري حازم إلى درجة التعقيد، لكن رغـم جديتي، فإنني مزاجي، لكن مزاجيتي مدروسة، ارتكبت الكثير من الأخطاء، لكنها ليست أخطاء مدمرة لا يمكن إصلاحها، أشـجع طمـوح الآخرين، أستمتع بالمناقشات الجادة حينا بعد حين وإثارة المواضيع والأمور، أريد أن أتعمق في رأس الشخص الذي أتحدث معه حتى أعرف ما هي نقط قوته وضعفه وكيف أكسبه إلى صفي، أفهم لغة الإيماءات والإشارات، أحب العمل والحركة، وأكره الهدوء والجلوس، لا أستطيع الكف عن التفكير من أجل إنجاز عمل ما، أعمل بجد واجتهاد لما أومن به في أن أصل إلى الكمال وتحقيق ما أريد، في داخلي يوجد إبداع، ولكني قد أفشل أحيانا في إظهاره، دائما ما أحتاج إلى معرفة رد فعل الآخرين تجاه ما أنتج، كنت لا أشعر دائما بالأمان، حياتي الإدارية كانت مملوءة بمواجهات صارمة ومختلفة..

لقد منحني الله سبحانه وتعالى موهبة التوثيق، التي صارت تجري في عروقي، فتراني دائما خفيف الحركة، أحمل آلة التصوير على كتفي، وأهرول يمينا ويسارا بحثا عن لقطة أو مشهد يستحق التصوير، أهتم بكل صغيرة وكبيرة، وفي غضون ذلك، أسترق السمع، وأبحث عن الوثائق التي تعينني في التوثيق لشيء ما، حتى صرت رائدا في هذا المجال بامتياز، فلم يكن هدفي يروم أي مكسب مادي من وراء ذلك بقدر ما يتجه إلى إشاعة الفكر الديمقراطي، رغم أنني لست برجل سياسة، ولست باحثا جامعيا أو أكاديميا، ولست بمؤرخ ولا بكاتب ممارس للكتابة، وإنما رجل عصامي في تكويني، فكنت من الأوائل الذين تعلموا الإعلاميات بمجلس النواب، وأكدت فعاليتي في المجال التوثيقي يوم كانت المؤسسة البرلمانية تتلمس الطريق لصون ذاكرتها، ومنذئذ وأنا أراكم خطواتي الوثابة، أصور، وأدون، وأوثق، وأختزن،  فانفتحت لدي شهية التوثيق والتأليف دون تسابق صوب الأضواء، لأن العطاء في النهاية هو ما سيبقى (وأما الزبد فيذهب جفاء(.

لا أنكر أنني كنت دائما متربصا ويقظا ومترصدا لكل الاختلالات والتصرفات المخالفة للقانون – ألتقطها وأسجلها وقد أجهر بها حينما يتطلب الأمر ذلك، أنا لا أنكر كذلك أنني لم أكن طيع المراس، خنوعا إلى درجة الاستسلام، متوسلا مستعطفا إلى درجة الإذلال وتمريغ أنفي في التراب، فقد اخترت أن أكون وطنيا حتى النخاع – إذا كسبت درهما واحدا، فعلي أن أؤدي ضعف مقابله.

لم يكن همي هو الاصطفاف في صف الانتهازيين والوصوليين والانتفاعيين والأنانيين والذين بما لديهم فرحون، قمت بما يمليه علي ضميري وفق ما رباني عليه والداي رحمهما الله، وثلة من مخلصي هذا البلد، وأفنيت في العمل وأديته بإخلاص مع الأمل، ولم أكن من طالبي الامتيازات والترقيات أو توظيف أبنائي المعطلين، رغم وجود موظفين من اثنين إلى خمسة أفراد داخل المؤسسة التشريعية من نفس الأسرة الواحدة، لم أتحجج بالشواهد الطبية للتغيب ولو ليوم واحد عن العمل، وكثيرا من آثرت التضحية بعطلتي السنوية لأحل طعامي على أن أدخل به حراما على أبنائي.

كنت دائما أستشهد بما قاله المرحوم الحسن الثاني بمناسبة تعيين السيد محمد رشيد الإدريسي القيطوني كاتبا عاما لمجلس النواب، يوم الخميس11  فبراير 1988، حيث قال: ((إن البرلمان هو مرآة الأمة، ومرآة الأمة يجب أن تكون دائما طاهرة نقية غير ملطخة، ويجب أن يكون البرلمان في المستوى اللازم من الناحية الإدارية، ومن ناحية استقامة وإخلاص موظفيه)).

لقد خدمت مصدر رزقي بنزاهة وإخلاص، ولم ألق من ماسكي مفاتيح المؤسسة التشريعية على مر عقود، وحتى بعد إحالتي على التقاعد، إلا اللامبالاة والدسائس والحكرة وإذلال الكرامة، ولهم كلهم أقول اليوم: ((شكرا لكل الذين لا يكفون عن محاولاتهم الخبيثة لإجهاض نجاحاتي وسرقة انتصاراتي لصالح إشباع رغباتهم الشيطانية، شكرا لهم لأنهم كشفوا لي عن عداوتهم الصريحة رغم صفاء قلبي معهم، شكرا لكم على ما فعلتم بي، فلو لم تطغوا في حقي، وتبطشوا بوضعي، لما وجدتم اسمي في كل خزانات ومكتبات الدنيا، ولما وصلت إصداراتي للجامعات العالمية الكبرى من قبيل جامعة أوكسفورد بإنجلترا وهارفارد بأمريكا، ومكتبة الكونغريس الأمريكي، وبخزانة أكاديمية المملكة المغربية.. كما يتم الاعتماد عليها بالجامعات المغربية، وبأغلب مكتبات الدنيا بما فيها المكتبة الوطنية الإسرائيلية، ولما شرفتني القنوات التلفزية المغربية أكثر من مرة “القناة الأولى” و”القناة الثانية” و”ميدي 1 تيفي” و”télé maroc”، وعدة مرات القنوات العربية كـ”الجزيرة” و”العربية” و”سكاي نيوز عربية” و”الحرة”، بالاستضافة للتعريف بإبداعاتي في مجال الإصدارات، وكذا استضافتي على أمواج الإذاعة الوطنية من قبل برنامج “زمن الحكي”، ولما تصدر اسمي وصوري مئات المرات واجهات الجرائد والمجلات الوطنية، ووكالة المغرب العربي للأنباء، ووكالة الأناضول للأنباء التركية، والعشرات من المواقع الإلكترونية، تقديرا منهم لأعمالي التوثيقية والتعريف بكتبي، كما قام السيد فريدهيلم هوفمان، العالم الكبير المتعدد الاختصاصات واللغات والمنخرط في قضايا الحوار بين الأديان والعولمة، والذي قام بقراءة نقدية لكتابي “اليهود المغاربة في المنظومة القانونية” نشرت في يونيو 2012 من الصفحة 192 إلى 195 بمجلة”judaica”  الألمانية التي تصدر أكثر من 70 سنة، ولما تم تكريمي بعدة مؤسسات كـ”مؤسسة الفقيه التطواني” للعلم والآداب بسلا، ومسرح محمد الخامس بالرباط، والمجموعة الحضرية لمدينة تازة، وطلبة ثانوية ابن الخطيب بسلا، وحكومة الشباب المغربية خلال جمعها الثاني بمدينة فاس في دجنبر 2019، والصالون الأدبي لمنتدى دكالة للفكر والإبداع بأزمور يوم 19 مارس 2023، وطلبة أكاديمية الفنون التقليدية التابع لمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء يوم 13 ماي 2023، وأطباء العيون بجهة الرباط مرتين، سنة 2022 وفي ماي 2023، ولما طلب مني شخصيا السيد جامع بيضا، في فبراير 2021، أن أقدم أرشيفي الخاص كهبة لمؤسسة “أرشيف المغرب”… كما تمكنت من أن أدخل الجامعة من بابها الواسع، كضيف على الطلبة الباحثين بالفوج الأول بماستر “التشريع والنزاعات والاتصالات الرقمية” بكلية العلوم القانونية والاقتصادية

والاجتماعية” بسلا، التابعة لجامعة محمد الخامس)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى