المنبر الحر

المنبر الحر | الفرجة بالحلقة بفضاءات بوجلود وباب الفتوح بفاس

بقلم: الحسن العبد

    إذا كانت مدينة مراكش كمدينة مغربية عتيقة تتميز بتواجد عدة معالم حضارية وثقافية، وفي أحضانها إشعاع فكري وإنساني، وبالأخص ساحة جامع الفنا، التي اشتهرت، عبر عدة حقب زمانية، بالحلقة بكل تجلياتها الفرجوية وعروضها الفنية، بمتعة خيالية عجيبة وفي نفس الوقت غريبة، فإن مدينة فاس، العاصمة العلمية والروحية للمملكة، بدورها شهدت في مرحلة سابقة، منذ وقت بعيد إلى ثمانينات القرن الماضي ازدهارا كبيرا، ثقافيا وفنيا فرجويا في عدة فضاءات. وتجد في هذا المجال الفرجوي، الذي يتميز بالعروض الفنية بالشارع، سواء بساحة أبي الجنود (بوجلود)، أو بساحة رأس القليعة بسيدي علي بوغالب، وكذا بساحة مقبرة باب الفتوح، قرب حي صهريج گناوة بعدوة الأندلس، ذكريات يتقاسمها سكان فاس من جيل المسيرة، والأجيال السابقة، والتي عرفت بتنوعها، نظرا لتواجد منشطين من كل ضروب وأنواع الفنون يقصدون ساحات فاس من كل المدن والجهات، فمن من جيلنا لا يتذكر حلقات “البوكس” أي الملاكمة، مع بوجمعة ولقرع؟ لا أحد من المتفرجين يتجرأ لمواجهتهما، لكن بالمقابل نواجه بعضنا البعض بالليݣا الغليضة الفضفاضة في مصارعات بهلوانية مضحكة، أضف إلى ذلك، حلقات أخرى لحكواتيين كبار، كالشيخ الجناتي بأزلياته الخالدة، أما باقي الحلقات، فتجد فن المسرح أو الكوميديا مع عايشة بطيط، الذي يلعب دور “العروبي”، وصديقه الشيباني لزعر يمثل “المديني”، وشي كيضحك على شي بفضح المستور، والكل ينفجر ضحكا نظرا للعروض الشيقة، أو عمي لحسن مؤنس، هذا هو اسمه الكامل واسمه الفني “حربا”، يقول عنه أحد محبيه: ((كانت أغنيته الشهيرة “أحربا هذا عباس ما بغاتو المرا”، وهذا هو سبب تسميته بحربا، فيبدأ المارة بتشكيل حلقة حوله وبعضهم يطرح عليه بعض الأسئلة، فيجيبهم بعفوية وبسخرية مضحكة، لدرجة أن بعضهم كان يستدعيه إلى بيته ليقدم فرجته داخل المنازل بالمدينة العتيقة بفاس، كما قدم فرجته برأس القليعة وباب الساكمة وساحة بوجلود وباب المحروق، وكذا ببعض الدواوير والأسواق الأسبوعية وغيرها من الأماكن، فكان رحمه الله يعتمد في تقديم فرجته على أكسسوارات بسيطة (قفة مصنوعة من الدوم يضع بداخلها طعريجة وعكازه وطربوشه الأحمر وقميصه)، ويقدم تمثيليات ومسرحيات تتكون من عدة شخصيات بمفرده، فهو حقا رائد من رواد الحلقة والمسرح الفردي بالمغرب)).

واليوم، وإن كنت أرغب في أن يتقاسم معي جيلي بعض الذكريات، وكذا يعلمها آخرون من الأجيال اللاحقة عن تلك الفترة بزمانها ومكانها، أود أن أتكلم عن حكواتي، صاحب الجلباب الأخضر والعمامة الصفراء، والذي لا أتذكر اسمه، بحيث كانت له هيبة الأولياء وهيئة الفضلاء وحكمة الأتقياء، كان يحكي لنا عن الغزوات وهي اختصاصه، بساحة رأس القليعة بعدوة الأندلس بباب الفتوح، وكان يقول عن سيدنا علي كرم الله وجهه مثلا: “إذا كان سيف الله خالد بن الوليد له جهد وقوة أربعين سبعا، فإن علي كرم الله وجهه له جهد وقوة أربعين خالد، وقد بارز رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواجهة على الفرسان بدق السيف علي كرم الله وجهه فهزمه الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نظرا لشجاعته الكبيرة التي تفوقهم جميعا”.

بساحات فاس الثلاث، وكذا بباقي الأماكن الأخرى، بصفة عامة، كنت تتمتع مع رياضة سحرية لفرق حماد وموسى، وقيل لنا هي من منطقة سوس، وكذا فرق عيساوة وحمادشة ودرقاوة، مع رقصات النساء المجذوبات بسوالفهن المجرورة، وحلقات أخرى للألاعيب السمايرية كلعبة “الكارطة الماكرة” ولعبة “الصابونة” ولعبة “الخيط”.. ها أنت ربحت وما ربحت والو.. أما بعدوة القرويين، فيقول أحد الباحثين، سأعود عن أيام زمان بساحة بوجلود بفاس، كفضاء للترفيه والتداوي بعبق التاريخ: ((ساحة بوجلود هذه واحدة من المعالم الثقافية لمدينة فاس، وهي بأسوارها وخطاطيفها وعبق فرجتها، تعيدني إلى بعض أيامي الخوالي، حين كنت أفر من حصص اللغة الفرنسية، من مدرسة (باب ريافة(، حيث كنت أدرس، لأتردد على حلقات “حربا وعيشة بيطيط والقرع والسمايرية وسويرتي مولانا تربح)).

إن هذا الإرث الثقافي والفني لا يجب أن يضمحل، خاصة وأن ساحة بوجلود شهدت عدة ترميمات في السنين الأخيرة، وهي بذلك صالحة لإعادة إحياء التراث الجماعي الفرجوي، ليس فقط الفاسي، بل الإنساني، وبذلك إلى جانب باقي المظاهر الحضارية التي تتميز بها فاس، يمكن لهذه المدينة الروحية أن تكون عاصمة العالم الثقافية والفنية بتراثها الغني المتنوع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى