أزمة الماء.. التيمم أفضل


“منذ أن خلقني الله وأنا كانقتاصد في الماء، كنتوضا وكانجمع الماء اللي كيهاود من الروبيني في الغراف وهذاك كنغسل به رجلي في السطل واللي في السطل تنكبو في…”، شرف الله قدركم، المقام لا يسمح باستكمال الكلام.
هذه ليست دردشة بين مروض للقرود وقارئة الكف تحت مظلة واقية من الشمس بساحة جامع الفنا بالمدينة الحمراء، في انتظار أن يتوافد الزوار أكثر بعد صلاة العصر لتبدأ الفرجة والحلقة والحكي، وإنما هو تصريح لقائد سياسي في فضاء سياسي لهيئة سياسية دبرت شؤون البلاد والعباد وقاومت العفاريت لمدة عشر سنوات.
والمناسبة، هي الحديث عن أخطر أزمة مائية تعيشها بلادنا والتي من شأنها أن تنقلنا من دولة تعيش الإجهاد المائي إلى دولة تنزل إلى ما دون عتبة ندرة المياه، خاصة ونحن في السنة الخامسة للجفاف وقلة الغيث.
فأين نحن من 70 يوما مطرا في الشمال و30 يوما في الجنوب سنويا؟ كيف أصبحت حصة الفرد أقل من 650 متر مكعب سنويا بعدما كانت 2500 م3؟
ماذا حصل لسدودنا التي فكر فيها بنظرة استباقية ثاقبة لضمان الأمن الغذائي، ولم لا المائي؟ هل استنفدت جزء من أدوارها، أم استنزفت حقينتها في زراعة غير ملائمة لمناخنا؟ ولا زلنا نستورد الآن أكثر من 40 % من حاجياتنا من الحبوب في سنة عادية؟ أي أن كل مغربي يستورد 90 كيلوغرام من القمح (الخبز)؟
هذه الأسئلة وغيرها كثير هي التي تنشط ساحة النقاش العمومي الآن ببلادنا، وهو نقاش يبقى صحيا ويعبر عن يقظة المجتمع وحيويته، ومن شأنه أن يصبح عنصرا في إدماج المواطنين ومشاركتهم في بلورة سياسة عمومية استدراكية ومفتوحة على المستقبل، وفي تقديري، لن يتأتى ذلك إلا شريطة:
– أولا: تجاوز التحليل التقني والتكنوقراطي للموضوع، والذي آن الأوان لإعادة تأطير أصحابه وحصر دورهم في توفير المعطيات التقنية وفي تنزيل رؤية مجتمعية وخبرات دولة تؤخذ القرارات بشأنها في فضاءاتها المعروفة ضمانا لمشاركة المواطن وانخراطه في تفعيل كل استراتيجية محتملة للسياسة المائية، وأيضا تيسيرا لما يترتب عن ذلك من مسؤولية وربطها بتقديم الحساب عند الضرورة.
– ثانيا: إحجام السياسي من مواقعه المختلفة – الحكومية والبرلمانية والجماعية والحزبية – عن الاستهتار بالموضوع وتمييع النقاش حوله، وإنما الارتقاء بقضايا الماء إلى مستوى القضايا الوطنية والسيادية الكبرى لبلادنا .
– وثالثا: على الفاعل العمومي استحضار في كل سياسة تواصلية، أن مغرب اليوم به رأي عام حقيقي، فإما أن تخاطبه في مستوى يليق بذكائه الجماعي، وإما أن يبحث عن مصادر أخرى وما أكثرها، وبذلك نكون خلقنا قوة معاكسة مشككة في كل ما هو رسمي خطابا وأفعالا وسياسات عمومية حتى.
“مرة، دخل أحد المساعدين على الرئيس الفرنسي ديغول وقال له: مون جنيرال، هناك حالات شغب بالجزائر والرأي يطالب.… فقاطعه ديغول بقوة وقال له بتهكم: ليس هناك رأي عام بالجزائر، هناك قطيع فقط”.
وعليه، فسيكون من العبث والاستهتار ربط أزمة الماء بالمواطن البسيط وبالحمام العمومي وغسل السيارة.
لا بد من نقاش مجتمعي هادئ وكل من موقعه، التقني تقني والسياسي سياسي والأكاديمي أكاديمي، وكل خلط للأدوار يضخم المشكلة كما هو الحال بعد أكثر من 60 سنة من الاستقلال.
هل لا زال الرهان على الفلاحة قائما؟ وأي نوع من الفلاحة؟ هل تشجيع “المخطط الأخضر” لنوع من الزراعات المستهلكة للماء كان في محله.. حتى انتقلنا من 2000 هكتار لزراعة “الدلاح” سنة 2008 إلى 10 آلاف هكتار الآن؟ هل كان ضروريا دعم السقي بالمياه الجوفية في الوقت الذي كانت كل الأرقام ومنذ زمان، تشير إلى أن فرشتنا المائية لا تتجدد كاملة وأن بلدنا من بين 22 دولة التي تعرف إجهادا مائيا، وأن عدد الأيام الممطرة ونسبتها تتراجع منذ سنين، وأن درجة حرارة الجو تغيرت، وأننا احتضنا القمة العالمية للمناخ “COP 22” وقدمنا كبلد في حينه رؤية فلاحية لإفريقيا معتمدة على التكيف (adaptation)؟
هل كان ضروريا محاصرة الحواضر الكبرى بـ”الفيرمات” التي استنزفت المخزون المخصص للشرب؟ وقبل هذا وذاك، هل استراتيجيتنا الفلاحية مبنية على رؤية التنمية المستدامة وتستحضر الأجيال المقبلة، أم فقط على منطق “الهمزة” و”القفوزية”؟
هل الخلل في تدبير 87 % من مواردنا المائية المخصصة للفلاحة، أم في حكامة 10 % للتزود بالماء الصالح للشرب، أم هما معا؟
أما الذي يتعب في الوضوء من أجل استعمال نفس الماء لغاية أخرى، فهو يعلم أن التيمم أفضل، وبذلك يضمن الماء في الدنيا والأجر في الآخرة.



