مع الحدث | الأمانة العامة لحزب الاستقلال بين ميارة والبركة وغلاب
عرف حزب الاستقلال منذ أكثر من عامين وضعا قانونيا مخالفا لقانون الأحزاب السياسية في المغرب، بعد فشله في عقد مؤتمره الوطني لانتخاب قيادة جديدة في أعقاب نهاية ولاية الأمين العام الحالي، وهو الوضع الذي أدى إلى فقدانه الدعم المالي الذي تمنحه وزارة الداخلية للأحزاب السياسية.. فمنذ ماي 2022، تاريخ انعقاد الخلوة التنظيمية للجنة التنفيذية بمدينة الهرهورة ضواحي العاصمة الرباط، شهد حزب الاستقلال تصدعا داخليا وخلافات بين القيادات، بعد معارضة بعض أعضاء اللجنة التنفيذية والبرلمانيين والمفتشين لمخرجات الخلوة، والتعديلات المقترحة في القانون الأساسي للحزب خلال المؤتمر، والتي من أبرزها تقليص أعضاء المجلس الوطني إلى 500 عضو، وسحب العضوية من مفتشي الحزب والبرلمانيين بمجلسي النواب والمستشارين، حيث اتضح لمناضلي وأطر “الميزان” أن التعديلات المقترحة تهدف إلى السيطرة المطلقة على حزب الاستقلال من قبل تيار ولد الرشيد ومن معه.
إعداد: خالد الغازي
إن التنبيه الذي توصل به حزب الاستقلال من وزارة الداخلية حول ضرورة تسوية وضعيته القانونية، ومنحه مهلة من أجل عقد مؤتمره الوطني في غضون الأسبوع الأول من شهر أبريل المقبل كآخر أجل لعقد مؤتمره الوطني، هو ما دفع الأمين العام نزار البركة للجوء إلى البرلماني عبد الصمد قيوح، من أجل لعب دور الوساطة مع باقي الفرقاء قصد التوصل لاتفاق حول موعد المؤتمر الوطني، ورفع الحرج عنه، خاصة وأنه وزير في الحكومة ويحضر اجتماعات المجلس الوزاري التي يترأسها الملك.
وبعد سنتين ونصف من “البلوكاج”، توصلت اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال – خلال اجتماعها الأخير – إلى اتفاق يقضي بالحفاظ على وحدة الحزب وتنظيم المؤتمر 18 في أجل لا يتجاوز نهاية شهر أبريل (أيام 26 و27 و28)، والعمل على أجرأة هذا الاتفاق وفق المساطر والمقتضيات القانونية الواردة في النظام الأساسي للحزب، مع عقد دورة المجلس الوطني يوم السبت 2 مارس 2024، من أجل انتخاب اللجنة التحضيرية وتشكيل مكتبها وجميع اللجان المتفرعة عنها، وفق ما تنص عليه قوانين الحزب.
والسؤال المطروح: أين ذهب المسار الديمقراطي للحزب الذي يعد من أكبر الأحزاب الوطنية وله تاريخ عريق في مقاومة الاستعمار، وتشكل من رجال الحركة الوطنية وأعضاء جيش التحرير، ومن رحمه خرجت قيادات وأحزاب لطالما أثثت المشهد السياسي والحزبي الوطني، من أبرزها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الشورى والاستقلال، وغيرها، بالإضافة إلى المرجعية الرمزية الإسلامية المحافظة للحزب ومسؤوليته الحكومية، والتي تقتضي من قياداته المحافظة على صورة الحزب وطنيا ودوليا، بصفته أحد أعمدة التحالف الحكومي، حتى يكون مثالا يحتذى به في الديمقراطية الحزبية والحفاظ على مواعيد المؤتمرات الوطنية، عوض السقوط في المصالح الشخصية والتناقضات الداخلية على حساب مصلحة الحزب ؟
في هذا الإطار، يرى المحلل السياسي محمد شقير، أن “حزب الاستقلال عانى من حرج سياسي كبير لتأخره في تنظيم مؤتمره الوطني، والمفروض منه كحزب عريق من أقدم الأحزاب في المغرب، أن ينسجم أو ينضبط لقانون الأحزاب الذي يؤكد على ضرورة انتظام الأحزاب في عقد مؤتمراتها الوطنية، وعقدها في الآجال المحددة، وبالنسبة لحزب الاستقلال، أظن أنه لم يستجب لهذا المتطلب، لذلك عانى كثيرا من عدم الانضباط لهذا القانون، زد على ذلك أنه من الأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية التي لم تجر مؤتمراتها في موعدها المحدد، وهذا شكل حرجا سياسيا تجاه السلطة المتمثلة في المؤسسة الملكية، وكذا في مواجهة حلفائه داخل الحكومة.
وأوضح نفس المتحدث، أن الحزب توصل إلى اتفاق داخلي بعد نقاشات وتوافقات داخلية، لتنظيم المؤتمر العام، إذ أن هذا التوافق يرتكز بالأساس على ضرورة تجديد الولاية وانتخاب نزار البركة كأمين العام لولاية ثانية، وفي نفس الوقت، تم الاتفاق على ضرورة إعطاء ربما أكبر حصة مناسبة لأنصار ولد الرشيد، في إطار تجديد اللجنة التنفيذية للحزب، وهذا هو الاتفاق الذي تم بشكل من الأشكال حول هذه المسألة لتجاوز العراقيل التي كانت تقف عقبة أمام عقد المؤتمر، وبالتالي، ربما سيؤدي هذا التوافق إلى تحقيق نتيجتين أساسيتين: أولا الحفاظ على التوازن داخل الحزب في إطار التوازن بين المكونات التي ستشكل الحزب، خصوصا تيار ولد الرشيد وباقي المكونات، ومن جهة ثانية، الحفاظ على تموقع حزب الاستقلال داخل الأغلبية الحكومية، لأن إبعاد البركة سيخلق مشكلا داخل الأغلبية.
واعتبر شقير أن قانون الأحزاب هو أكبر مؤثر على قيادة الاستقلال لعقد مؤتمر الحزب قريبا، لأن القانون يحدد الآجال وضرورة تنظيم المؤتمرات الحزبية في وقت محدد، ما يجعل الحزب في حرج سياسي كبير، ويطرح التساؤل: كيف يعقل لحزب كبير كالاستقلال أن لا يقوم بعقد مؤتمراته الوطنية في آجالها المحددة؟ مشيرا إلى ما جاء في تصريح رئيس الحكومة وحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي أكد أن حزبه ظل منضبطا ويمارس تدبيره السياسي بشكل منتظم من خلال عقد مؤتمراته في موعدها المحدد، وهي إشارة إلى حزب الاستقلال الذي يشكل الأغلبية الحكومية للقيام بالمثل وينظم مؤتمره الوطني حتى يكون منسجما مع مكونات التشكيلة الحكومية ويتجاوز الانقسامات التي يعاني منها، ثم لكي يرص صفوفه استعدادا للاستحقاقات القادمة، لاسيما بعدما عقد حزب الأصالة والمعاصرة مؤتمره الوطني وانضباطه لقواعد اللعبة الديمقراطية وانتخابه لقيادة ثلاثية.
وبخصوص شخصية الأمين العام المقبل للحزب، يقول محمد شقير: “إن الهاجس الأساسي للقيادة الاستقلالية هو تنظيم المؤتمر، الذي يقتضي بالأساس الحفاظ على مجموعة من التوازنات، من بينها الحفاظ على نزار البركة أمينا عاما للحزب، لأن أي تغيير حاليا سيؤثر على الوضعية داخل الحكومة، كما سيؤثر على انتخاب اللجنة التنفيذية للحزب، وربما الاتفاق كان على ضرورة إعادة تجديد الولاية لنزار البركة بحكم أنه وزير لحقيبة ثقيلة وازنة داخل التشكيلة الحكومية، والمرتبطة بالماء، وحتى السلطة المعنية لن تكون راغبة في حدوث أي تغيير في هذا الإطار، لكونها كانت لها عدة لقاءات مع البركة كمسؤول حكومي وله تجربة في المجال، وهذه المسألة تشفع له في إعادة انتخابه كأمين عام للحزب”.
وحسب العديد من المتتبعين، فإن حزب الاستقلال منذ تولي نزار البركة قيادة الأمانة العامة، تراجعت شعبيته في صفوف الرأي العام الوطني وتوارى عن الأنظار والمشهد السياسي ككل، ولم تعد له نفس المكانة في ظل القضايا السابقة والحالية المطروحة في المجتمع، خاصة فيما يتعلق بأزمة التعليم، والمحروقات، وغلاء الأسعار، والفلاحة والماء، وغيرها من القضايا ذات الاهتمام الكبير لدى المواطنين، بعدما كان للحزب في عهد الأمناء السابقين حضور وازن في الساحة السياسية، ينضاف إلى ذلك ضعف الحقائب الوزارية التي حصل عليها بعد انضمامه للتحالف الحكومي، والتي تبقى مرتبطة بقطاعات غير أساسية باستثناء قطاع الماء، الذي يتولى مسؤوليته الأمين العام، والذي جعله عرضة لانتقادات كثيرة وأمام ضغوطات داخلية من حزبه ومن خارجه في ظل الحديث عن قرب تعديل حكومي، مما قد يدفعه إلى التخلي عن هذه الوزارة نظرا للتحديات المقبلة.
ومن أبرز المخرجات التي خلص إليها اجتماع اللجنة التنفيذية للحزب، إسقاط سيناريو القيادة الجماعية لتسيير الحزب مثل ما حصل في حزب الأصالة والمعاصرة، رغم الصراع السابق بين تيار نزار البركة وتيار حمدي ولد الرشيد، وهو السيناريو الذي روجت له بعض وسائل الإعلام كمخرج لتسوية الخلاف بين القيادات الاستقلالية، والتعديلات المطروحة التي تهدف إلى إبعاد العديد من الكفاءات والأطر القديمة، وذلك بهدف التحكم في هياكله وقراراته، مما جعل الحزب ينفي مقترح انتخاب قيادة جماعية لتسيير “الميزان” خلال المؤتمر المقبل على غرار حزب الأصالة والمعاصرة، كما أن انتخاب الأمين العام للحزب هي الصيغة الوحيدة المطروحة وفقا لمقتضيات قوانين الحزب والتي تشكل امتدادا للإرث التاريخي والتنظيمي للحزب، والتي تجمع عليها قيادة وقواعد الحزب، تؤكد نفس المصادر.
من جانبه، اعتبر حفيظ الزهري، أستاذ للعلوم السياسية، أن توجه الاستقلاليين نحو المؤتمر الوطني الاستثنائي وتحديد تاريخه في أواخر شهر أبريل المقبل، راجع بالأساس إلى الرسالة التي توصلت بها قيادة الحزب من وزارة الداخلية، من أجل تطبيق قانون الأحزاب فيما يخص المؤتمرات بعد تأخر الحزب عن عقد مؤتمره لأزيد من سنتين، وكذلك جاء نتاج مجموعة من المفاوضات والمشاورات كانت خصوصا بين تيار حمدي ولد رشيد وتيار نزار البركة، حول ضرورة التوجه إلى المؤتمر الوطني بمرشح واحد، بعد الاتفاق على مخرجات مؤتمر نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، والتي أسفرت عن احتفاظ النعم ميارة بزعامة النقابة وهو المحسوب على تيار ولد الرشيد، مما يؤكد وجود اتفاق سري بين تيارين حول اقتسام هذه السلط والمناصب من خلال حفاظ ميارة على رئاسة الاتحاد العام للشغالين، واستمرار البركة على رأس حزب الاستقلال.
واستبعد ذات المحلل السياسي وجود ضغوطات على الحزب، لأن الاستقلال سوف يمنع من الدعم العمومي، ويمكن أن يذهب إلى أبعد من ذلك، وهو حله إذا لم يطبق القانون فيما يخص عقد المؤتمر، كما لا يمكن أن نستثني موضوع التعديل الحكومي عن المفاوضات الداخلية، والذي ربما هو الذي أعطى هذه السرعة نحو التوجه نحو عقد المؤتمر الوطني لأن مخرجات الحوار والمفاوضات بين تياري الحزب – بدون شك – ستكون تطرقت لكيفية معالجة وتأطير التعديل الحكومي المقبل، بحكم أن الحزب عضو في التحالف القائم للحكومة، وأن هذه الأخيرة تتجه نحو تعديل حكومي خلال الأشهر المقبلة، وبالتالي، كان لا بد أن تكون هناك مفاوضات تحسم نوعية الأشخاص المقترحين الذين سيمثلون الاستقلال خلال التعديل الحكومي المقبل.
واستبعد نفس المحلل السياسي وجود أي صراع حول الأمانة العامة للحزب أو الذهاب إلى المؤتمر بمرشحين أو ثلاثة، خاصة بعدما تم التوافق بين تياري الحزب حول الذهاب إلى المؤتمر بمرشح وحيد وبزعامة واحدة هو نزار البركة، نافيا وجود أي منافس للبركة في الاستحقاق الحزبي المقبل، لكون المفاوضات كانت واضحة المعالم، بين حفاظ تيار ولد الرشيد على زعامة النقابة بالمقابل حفاظ البركة على الأمانة العامة للحزب، بينما التعديلات على القانون الأساسي وكل ما تم ترويجه، مستبعدة جدا عن المؤتمر لأنها محط خلاف وهي التي أجلت المؤتمر، وبالتالي، التوجه بهذه السرعة الآن نحو المؤتمر يبرز أن هذه التعديلات لن ترى النور ولن تكون محط نقاش داخل المؤتمر المقبل.
بالرغم من التوافق على حسم المؤتمر الوطني داخل قيادات حزب الاستقلال، إلا أن جميع الاحتمالات تبقى واردة ومطروحة في ظل الغموض وفي ظل التسريبات التي توحي بوجود اتفاق داخل اللجنة التنفيذية لتجديد الثقة في نزار البركة لولاية ثانية، مع إمكانية ظهور مرشح آخر أو مرشحين آخرين تبقى مسألة قائمة في حالة حدث شيء داخل الحزب أو ظهور عوامل خارجية مؤثرة قد يكون لها تأثير على شخصية الأمين العام المقبل، إذ من الممكن أن يكون النعم ميارة رئيس مجلس المستشارين أحد المرشحين الأقوياء لمنافسة نزار البركة على منصب الأمين العام، وقد يقدم ترشيحه في يوم المؤتمر، أو ترشح كريم غلاب وزير النقل السابق وصاحب مدونة السير، والذي عاد للواجهة مؤخرا من خلال اجتماعات الحزب.




