الحقيقة الضائعة | قصة الجنرال الفرنسي الملطخ بالدماء واستعمال “كلب قافلة جزائري”
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 67"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

كان الجنرال سيرفيير لا زال يتابع جولته الاستطلاعية في “إيالته” الجديدة حينما وصل إلى تامنتيل، وكان قد فرغ من بناء المراكز العسكرية وتوزيع المهام على جيوشه في أدرار حينما جاءه تقرير عن معارك القيادة العليا في تيميمون، ولائحة القتلى، ولم يستطع تصديق خبر موت رجل ثقته وبطله، قائد المنطقة، الكومندان جونكير، الذي نصبه علما بشجاعته وحنكته.
وقرر الجنرال الانتقام، وبعد أن أمر جيوشه التي استقرت في أدرار للتحرك، فليس الوقت وقت استقرار، أعلن أنه سيذهب شخصيا إلى مقر المجاهدين الصحراويين والبرابر والفيلاليين، وكانت أخبار قد وصلته تؤكد اجتماعهم في شاروين على مفترق الطرق المؤدية جنوبا نحو أدرار وشرقا نحو تيميمون.
والطريق من تامنتيل إلى شاروين بعيدة ومرهقة، لكن غضب الجنرال وحقده لا يعرف الحدود، وانطلق على رأس جيوشه الكبرى طيلة يومين وليلتين بدون توقف ولا نوم إلى أن وصل إلى شاروين في الساعة الثالثة صباحا من يوم 28 فبراير 1901.
وعندما شاهد أبراج شاروين بعينه ملفوفة بأردية ظلام الليل، تنفس الصعداء، ثم التفت وراءه ليتفقد جيشه، وكانت خيبته شديدة عندما وجد أن جيوشه لم تكن على مستواه في الشجاعة والإقدام والصبر والكراهية.. لقد تعبت الخيول وكلت الجمال وسقط الجنود الفرنسيون على طول المسافة منهوكين بالعطش والتعب.
وكان الجنرال سيرفيير يأمل الخير في الساعات القادمة، مطمئنا إلى استسلام الثوار للنوم مفكرا في طريقة التصرف، حينما فاجأته بنادق الثوار بسيل من الرصاص انطلق في اتجاه جيوشه من تحت جنح الظلام، وحاول الجنرال الفرنسي الرد والتصرف، لكنه لم يكن له من خيار غير الرجوع والتراجع، وكانت أول هزيمة للجنرال سيرفيير سجلتها الوثائق العسكرية الفرنسية بأمانة تامة.
وفي الساعات الأولى من صباح فاتح مارس، أعاد الجنرال الكرة والهجوم بعد أن وصلته نجدات كبيرة، واشتبك مع المجاهدين حماة أطراف شاروين، وطالت المعركة طيلة نهار فاتح مارس وطرفا من الليل الذي أسدى ظلامه للجنرال فرصة الرجوع والتراجع مثلما حصل بالأمس.. فكان الانهزام الثاني للجنرال سيرفيير.
وقضى الجنرال المغتاظ – ولا شك – ليلته يفكر في هذه القوة المجاهدة التي غلبت جيوشه في الحالات الثلاث: هزموه عندما اشتبكوا مع جيوشه وهم في ثكناتهم، وهزموه عندما اشتبك هو وجيوشه معهم والمغاربة في ثكناتهم، وهزموا جيوشه عندما كانوا متحصنين مؤقتا في إينغار.
ولكن الليل يسدي النصح كما يقول المثل الفرنسي، وفي الصباح، صحا الجنرال سيرفيير بخطة جديدة، إذ ليس من المعقول أن يهزم يوم ثاني مارس بنفس الطريقة التي هزم بها يوم فاتح مارس ويوم28 فبراير.
واستدعى الجنرال ضباطه في الساعات الأولى من الصباح، وأعطى تعليماته وأصدر أوامره، وأرسل الفيالق الأولى، وقبل أن يركب جواده لمشاهدة الانتصار، فوجئ بعودة ضباطه يضحكون، يضحكون معه أو عليه، المهم أنهم بشروه بأن المغاربة ارتحلوا وأن شاروين لا ترد على إطلاق الرصاص.
والحقيقة، أن المجاهدين المغاربة فكروا هم أيضا، وخططوا هم أيضا.. وأنهم هم الذين يضحكون على الجنرال سيرفيير.
وتحت جنح الظلام، رحل المغاربة جميعا من شاروين واتجهوا لاحتلال مواقع أكثر أهمية في واد الساورة، ثم لتغيير الخطة، ونصب كمائن أخرى للجنرال سيرفيير، الذي سقط مخططه في الرمال .
وأصدر الجنرال أوامره بتعقب المغاربة الذين التحقوا بمواقعهم الجديدة يوم ثالث مارس، في موقع يسمى “عرق العميرة”. وكانت خيام المغاربة منصوبة والروابي تحيط بها، وانبرت فرقة مغربية للاشتباك بجنود الجنرال سيرفيير.
وعلى ضوء المعركة، أصدر الجنرال أوامره لمساعده القبطان راميون، باحتلال الروابي مستغلا انشغال المغاربة بالاشتباك، وبذلك أسقط الجنرال ضابطه في المصيدة التي قضى المغاربة ليال طويلة في التخطيط لها.. إن المغاربة المشتبكين مع الجيش الفرنسي لم يكونوا إلا رمزيين، وكل الجيوش البربرية كانت موزعة على الروابي، حيث أخذت تستقبل جنود القبطان راميون كالعصافير، وكان أول الساقطين في الفخ القبطان راميون نفسه، لكن أجله كان قصيرا لدرجة أن الموت لم تسمح له بالتوجه لإخبار الجنرال بقصة الفخ المغربي، بينما مات أيضا مساعده من رتبة سرجان، وجرح ضابطان اثنان من رتبة سرجان أيضا، وبعد لحظات مات قبطان ثان لم تذكر الوثائق الفرنسية اسمه.
وطالت المعركة، وانتظر الجنرال رجوع ضباطه الذين لم يرجعوا وإلى الأبد، وكانت هزيمة أخرى لم يكن للجنرال العنيد خيار آخر غير دعوة جنوده إلى الانسحاب، وكلف اليوتنان هیلارى، بإعطاء الأوامر لجيوشه بالانسحاب، لكن هيلارى نفسه لم يعد.. فقد مات على أرض المعركة.
وتشهد وثائق القيادة العسكرية الفرنسية، أن الجيش الفرنسي ومن معه، ﯕوم ومجندين جزائريين، وسباهي وميحارسيت، أصيبوا بهستيريا وخوف في ذلك اليوم، كتب عنه المؤرخ تيون وصفا نكتفي به: ((لقد أصيب الجنود الفرنسيون ومن معهم بالجنون)).
لقد بدأ الجنود الفرنسيون يزاولون عملية الهروب من مقر القيادة الذي كان يوجد به الجنرال سيرفيير، كانوا يهربون في كل اتجاه، مما اضطر الجنرال إلى إصدار أوامره بإطلاق النار على جنوده الهاربين، وكان على الجنرال أن يصدر أمرا ثانيا يقضي باستعمال السيوف والرماح، فقد نفذت ذخيرة الجيش الفرنسي.
ويقول المؤرخ تيون، أن الكارثة كانت رهيبة أمام الجنرال الذي كان يرى أغلب جنوده مطروحين على الأرض قتلى وجرحى، وبعد أن قتل كل ضباطه – يقول تيون – اضطر الجنرال إلى المناداة على كلب القافلة، وهو ضابط جزائري شاب أسند إليه الجنرال عملية تنظيم الانسحاب، ويقول تيون، أن هذا الضابط الجزائري أظهر شجاعة وبطولة أذهلت الجنرال.
ورغم وصول نجدات جديدة للجنرال، فإنه أصدر أوامره لها بإنقاذ الجرحى وسحب جثث القتلى، والاكتفاء فقط بهذه المهمة.
وعندما أوقف الفرنسيون إطلاق النار، بعد أن نفذ منهم، عرف المجاهدون أن مهمتهم انتهت فانسحبوا وتركوا الروابي فارغة، وبعد انتهاء المعركة توجه الجنرال سيرفيير إلى قرية مجاورة كانت تتجمع فيها النساء والأطفال، وكان لابد للجنرال من أي شيء يطفئ جام غضبه، فخاض معركة كبرى ضد النساء والأطفال.
ويقول مارتن، مؤلف كتاب “أربعة قرون من تاريخ المغرب”، أن السكان الآمنين في القرية طالبوا بالأمان، لكن الجنرال أجاب على طلبهم بأن أحاط القرية بالمدافع، وبعد أن أشعل النيران في جنبات القرية انطلقت القذائف ولم تتوقف..
لقد كانت مجزرة رهيبة ولا شك، لأنه لو عرفنا أن الرأي العام الفرنسي ودعاة الدفاع عن العدالة والحرية والمساواة، وأنصار الحقوق، كانوا يتفرجون على المجازر السابقة وعلى الاحتلال، ويعتصمون بالصمت، فإن ضمائرهم كان لا بد لها أن تهتز أمام مجزرة الجنرال سيرفيير في “عرق العميرة”، حيث كتبت نشرة “اللجنة الفرنسية لإفريقيا” في عددها الصادر في أبريل 1901: ((إن استياء الرأي العام الفرنسي أمام مجازر ثالث مارس بالمغرب الشرقي، كان بالغا)). ولكن الجنرال سيرفيير لم يطلع على هذا الاستياء إلا بعد صدوره في هذه المجلة. أما ما قام به بعد ثالث مارس، فهو شيء لا يشرف الإنسانية.. مجازر وتقتيل وتذبيح في الآمنين من نساء وأطفال في تالمين على الخصوص، حيث اضطر الضعاف من السكان، من عجزة وأطفال، لحمل السلاح والدفاع عن أنفسهم، وهو حادث أشارت إليه المجلة المذكورة في نفس العدد.
واستمر الجنرال سيرفيير في معارك ضد النساء والأطفال والعجزة أيام 13 مارس 1901 إلى 7 أبريل من نفس السنة، عبر أولاد راشد وزاوية الخنتة وسالي، وما كاد يصل إلى تيمي يوم 7 أبريل 1901، حتى كان مرتاحا إلى أنه أفنى الجنس المغربي في الصحراء.
وعندما كان يمسح جبهته بيد ملطخة بدماء النساء والأطفال، وقف أمامه الكولونيل بيلي، الذي جاء على رأس قوات ضخمة هائلة وصلت من وهران، بعد فوات الأوان طبعا.



