المنبر الحر

المنبر الحر | الديمقراطية والفكر القبَلي في الأحزاب المغربية

بقلم: بنعيسى اليوسفي

 

    حينما تحدث المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، في تحليله للعقل السياسي العربي، عن الأسس التي تنبني عليها الديمقراطية، ركز بشكل كبير على أهمية تفكيك منظومة “القبيلة” أولا، وتحويلها من بنية تقليدية مبنية على العصبية، إلى بنية حداثية، في إطار تنظيم مدني سياسي اجتماعي، وفتح المجال لقيام مجال سياسي يحتكم إلى الآليات والميكانيزمات المستمدة من الفكر الحداثي الذي يقطع مع الفكر البدوي الذي لا ينسجم مع قيم ومبادئ الديمقراطية، ولذلك فمن المستحيل، مهما اجتهدنا، تطويع قيم الديمقراطية لكي تنسجم مع قيم القبيلة، فإن الفشل سيكون حليفنا، ولهذا السبب فالمغرب يقوم بمجهودات كبيرة على امتداد الزمن، في ظل دستور متقدم لترسيخ بناء ديمقراطي كامل الأركان، لكن لحدود اليوم لم نصل بعد إلى المبتغى المنشود، ذلك أن الفكر البدوي القبلي لازال يلعب أدوارا جد مهمة في تشكيل المشهد السياسي والحزبي في المغرب، ويعتبر أكبر معرقل لهذه العملية بدون منازع، فالفكر القبلي يعتبر الاستبداد والتسلط شرفا، وينهض على الأبوية والتحكم والقهر وإلغاء النسبية في التفكير، ويناقض الحرية، وتشكل فيه قرابة الدم في العلاقات الاجتماعية قطب الرحى في استمراريتها وقوتها، لنخلص إلى القول أن أي حديث عن الديمقراطية الحقيقية في المغرب أو غيره من المجتمعات العربية التي لا زالت خاضعة لهيمنة القبيلة، لا يستقيم نهائيا ما دامت القبيلة هي المحدد الأساسي لتحريك عجلة السياسة وإنتاج النخب السياسية، والقيام بأدوار سياسية كبيرة ومؤثرة في المسار السياسي في كل بلد من هذه البلدان، الشيء الذي يستدعي من كل دولة معنية تراودها فكرة تأسيس نظام سياسي ديمقراطي حقيقي، نسف كل الدعائم التي تتأسس عليها القبيلة واستبدالها بدعائم الحداثة الفكرية والسياسية والثقافية، غير هذا، فهو هدر للزمن واستهلاك لخطابات عقيمة لا يمكن أن تفضي إلى أي نتيجة.

ومما لا مراء فيه، أن الممارسة الديمقراطية الحقيقية في أي بلد، لا تتأتى إلا من خلال وجود أحزاب قوية هي المعنية بالدرجة الأولى بتجسيد السلوك الديمقراطي في تدبير شؤونها الداخلية، وكيفية تشكيل هياكلها وأجهزتها، واحترام آجال مؤتمراتها، وكيفية إشراك القواعد والجماهير في اتخاذ القرارات وصناعة القيادة والزعامة، وتكريس فلسفة التداول على المسؤولية، واحترام ثقافة الاختلاف وحرية الرأي والتعبير، وما إلى ذلك مما يدخل في صلب العمل الحزبي، باعتبار الحزب مدرسة للديمقراطية ولتعلم أساسياتها ومقوماتها.. هذه مبادئ عامة وقواعد ثابتة في الممارسة الديمقراطية الحزبية لا يمكن أن يجادل فيها أحد، وأي إجهاز أو تجاوز لإحداها دليل على أن الحزب لم يصل بعد إلى النضج الديمقراطي المطلوب.

في المغرب الذي له تاريخ طويل مع الأحزاب والتعددية الحزبية، لا زال لم يراكم تجربة ديمقراطية حقيقية مثل التي نراها في جل الدول الديمقراطية المتقدمة العتيدة، فكلها تقريبا لا زالت لم تقطع مع الكثير من الممارسات ومن السمات التي تقف عائقا أمام تطورها ودمقرطتها، وأهم هذه السمات هي طغيان الفكر القبلي كما تحدث عنه المرحوم الجابري وغيره، فحزب الاستقلال، الحزب العتيد الذي لم يستطع عقد مؤتمره الثامن عشر إلى اليوم بعد أن مرت سنتان على موعده القانوني، مرجع ذلك هو الصراع القبلي الذي تجسده التيارات المتداخلة في الحزب، فكل تيار قبلي يمثل جهة أو منطقة ما، يريد أن يهيمن ويقود القافلة، وحينما تصل الأمور إلى النفق المسدود، تتم العودة إلى لغة التوافقات، وإرضاء الخواطر وتقديم الامتيازات والوعود وتقسيم الغنيمة، وتبدأ في سماع أنه انعقد اجتماع سري هنا أو هناك لتقريب وجهات النظر وحلحلة الإشكالات، وهذه الأمور كلها بعيدة كل البعد عن الفكر الديمقراطي الحقيقي، وفي النهاية تكون الديمقراطية هي الضحية، وهي التي تؤدي الثمن، وما يحدث في “الميزان” هو نفسه ما يحدث في “البام”، الحزب ذي المرجعية التقدمية الحداثية التي يحكمها وييسرها الفكر القبلي في تجميع لمتناقضات لا يمكن أن يستسيغها العقل السليم، اللهم إذا كانت الحداثة والمعاصرة شعارين للترديد وللتزيين، أما العمق فبعيد كل البعد عنهما، وظهر ذلك في خضم الاستعداد للمؤتمر الوطني الأخير لهذا الحزب، حيث طفت إلى السطح العديد من الأمور والأحداث التي تعطي الانطباع بأن الحزب لا يشكل الاستثناء ولا يمكن أن يخرج عن المنهجية المألوفة لدى جميع الأحزاب المغربية في مؤتمراتها في انتخاب أمنائها العامين، ففي حمأة البحث عن أمين عام جديد للحزب، سمعنا صوت القبيلة يعلو فوق جميع الأصوات، فبعدما سيطر تيار الريف لمدة، انتقلت السيطرة لتيار سوس، ثم هناك من كان ينادي بإعطاء الفرصة لتيار مراكش (قبل تعيين الأمانة العامة للحزب يوم السبت الماضي)، وقس على ذلك..

وهكذا، ففي الوقت الذي يجب التفكير في المشروع السياسي والمجتمعي الذي سيطرح ضمن أشغال المؤتمر ويكون موضع نضال وتجسيد في الولاية المقبلة، نجد الكل يتقاتل على الاسم الذي سيحل محل الأمين العام الحالي وكأن المؤتمرات تعقد فقط لتبليص هذا الاسم أو ذاك في المكان الفولاني وانتهى الأمر، فالمؤتمرات تعقد وأمامها تحديات وحصيلة يجب أن ينصب عليها النقاش والأخذ والرد، والبحث عن الحلول وإضافة جرعات للمشهد الديمقراطي عامة والحزبي خاصة، ومحاولة تبييض وجه السياسة في المغرب الذي بدأت تعتليه الندوب والجروح.

يصعب على الأحزاب التي تُدار بهذه الطرق التي ذكرنا أن تكون ديمقراطية، وإذا لم تكن كذلك، فكيف يمكن أن تسهم في بناء الديمقراطية في البلاد ككل؟ وكيف يمكن أن تسير شؤون الدولة في حالة ما إذا أتيحت لها فرصة المشاركة في الحكم ؟

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى