بين السطور | من صحافة “القنديل” إلى صحافة “المنديل”


جرت مؤخرا ورشة مناقشة منهجية إعداد تقارير حرية الصحافة للمنظمات النقابية في العالم العربي والشرق الأوسط، والتي استضافتها النقابة الوطنية للصحافة المغربية بالبيضاء، لكن الغريب في الأمر، أن هاته الفعاليات، التي كانت فرصة لتلميع صورة المغرب في جوهر الموضوع أمام إخواننا العرب(…)، تزامنت مع إيداع الصحفي المغربي محمد رضى الطاوجني، السجن..
وبما أنه لدينا جهاز(…) في قمة الذكاء والدهاء، والحمد لله، فكل البلاغات والمقالات التي نقلت الخبر، حملت معها تسمية الطاوجني بـ”اليوتوبر” لا بـ”الصحفي”، ربما أحسن وسيلة للتعبير، أو بالأحرى للتقسيم.. تقسيم الإعلاميين إلى جزأين، قصد التغلب عليهم(…)، وضرب بعضهم ببعض، وهو ما صار يحصل فعلا في أيامنا هذه، هذا لأن السلطة الأولى لها حسابات قديمة وقديمة جدا مع السلطة الرابعة، قد تعود إلى زمن المهدي المنبهي، معارض السلطان مولاي حفيظ والرجل القوي في عهد أخيه مولاي عبد العزيز، لما أراد المنبهي ضم الصحيفة البريطانية “التايمس” إلى الجوقة الصحفية المنددة بالسلطان مولاي حفيظ لتسخيف صورته أمام أعين الرأي العام البريطاني(…)، لكن مولاي حفيظ لم يكن غبيا، واضطر إلى مواجهة الحملة الصحفية عليه بالاستعانة بصحفي مصري، ذائع الصيت آنذاك، ودون أنترنيت(…)، اسمه علي زكي، حيث استقطبه ديوان السلطان وأصبح مستشارا صحفيا لمولاي حفيظ مكلفا بصد الهجمات الصحفية على السلطان.. نعم، هنا بدأت حسابات الدولة مع الصحافة، وهنا فهمت أن خير وسيلة للتغلب على “البارازيتات الصحفية” هي بكل بساطة ضرب الصحفيين بعضهم ببعض.
مرت الأيام، وانقسم الصحافيون مع قدوم “اليوتيوب”، كما ابتعد المواطن عن مس الورق خوفا من الفيروس، و”أرا ليك للفراجة”: صراعات لم تعد تولي أي احترام لأخلاقيات المهنة، خلافات بين الصحفيين أو “اليوتوبرز”، سموهم كما شئتم(…)، وصلت إلى حد فضح الحياة الخاصة والماضي القريب للبعض، والضرب في مصداقية كل طرف، والقذف والسب وتبادل الاتهامات على طريقة “طيابات الحمام”، وتسجيل الأطراف بعضهم لبعض خلال محاولات التفاوض..
حيثيات تجعلنا نفهم أن الأيام التي كان فيها الصحفي الأنيق جزء من الدولة، لن تعود.. تلك الأيام التي كان يجالس فيها الحسن الثاني الصحفيين بقميصه الصيفي، ذلك الزمن الذي كانت فيه فرائص المسؤولين ترتعد كلما أخذ الصحفي الكلمة(…)، أيام ذهبت ولن تعود، لتتحول الصحافة من قنديل ينير الرأي العام، إلى منديل صالح لكل شيء(…) تماما كما تمت – ربما – نية تحويلها إلى عقيدة انتقامية للتحطيم، يستعملها أصحاب سراويل “الدجين” المثقوبة، بعيدا عن الزمن الذي كان فيه الصحفي يعد النموذج الصحي لأي مجتمع نظيف..



