للنقاش | أسرار التكتيك الحربي لعملية “طوفان الأقصى”
الفرق بين المقاومة والجيش النظامي

عملية “طوفان الأقصى” ليست كباقي الحروب، فقد كان البعض يعتقد أنها ستنتهي بعد بضعة أيام أو أسابيع على أكثر تقدير، لأن من شنها ليست له القدرة على مواجهة أقوى جيوش المنطقة مدعوما من طرف دول الغرب كلها وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي فتحت جسرا جويا يمد إسرائيل بكل المعدات الحربية ويوفر لها الدعم اللازم عبر أساطيلها وحاملات طائراتها، فتبن مع مرور الوقت أنها حرب ضروس بكل مقوماتها، فاجأت جميع المتتبعين والمحللين العسكريين، وأنها، بعد ما يزيد عن ثلاثة أشهر، لم تتوقف ولم تُظهر المقاومة الفلسطينية أي ضعف في ضراوة قتالها، إذ لا زالت دبابات “ميركافا” تُستهدف وتُحرق في خان يونس وفي دير البلح وفي البريج، وغيرها، ولا زالت صواريخ المقاومة تنطلق من شمال قطاع غزة حاملة معها الرسائل المشفرة للسياسيين والرعب للمستوطنين اليهود.

بعد مرور أزيد من 120 يوما على هذه الحرب، لا بد من إجراء تحليل دقيق لنعرف ما الذي تغير في قواعد اللعبة (الحرب) حتى بات ثلة من المقاومين، بوسائلهم البسيطة، يطيحون بكبرياء الجيش الإسرائيلي ويذيقونه يوميا مرارة الهزيمة.
بداية، يمكننا استعراض العوامل المؤثرة في سيرورة الحرب والتي تتيح عادة للمتفوق فيها الانتصار في ساحة المعركة:
1) العنصر البشري: لا شك في أن العنصر البشري مهم في كل حرب، لكن الأهمية تكمن في جاهزية المقاتل من ناحية تكوينه الفني في استعمال السلاح الذي بين يديه، وفي هذه الحالة، فسلاح المقاومة لا يستوجب مهارات فنية عالية ولا مستوى دراسي عال، لأنه بسيط، وبالتالي، تكوين الأفراد على استعماله لا يتطلب مجهودا كبيرا، وهذا يحيلنا على المدة الزمنية اللازمة لتكوين وحدات القتال وتدريبها لتكون على أعلى درجات التأهب خلال وقت وجيز.
كذلك طبيعة المقاتل تؤثر بشكل كبير على مردودية المحارب، وفي حالتنا هذه، لا يمكن المقارنة بين العنصر الفلسطيني، الذي سلب منه وطنه وحشر في سجن كبير مفتوح السقف، وحرم من أبسط مقومات الحياة، ولم يتبق له ما يخسره أو ما يخاف عليه، وبين المجند الإسرائيلي الذي يخاف على حياته وعائلته وممتلكاته، هذا الأخير ليس لديه استعداد للتضحية بحياته الرغيدة في سبيل وطن هو يعرف أنه ليس وطنه في الأصل، لأنه جاء إليه من بلد ما في العالم، وجل الإسرائيليين يتمتعون بجنسيات بلدانهم الأصلية.
2) تنظيم الوحدات: هذا التكتيك الذي تبنته المقاومة خلال هذه الحرب، تنظيم مناسب لطبيعة المهمة ولموازين القوى في الميدان، فنحن هنا أمام مجموعة من المقاومين يحاربون جيشا نظاميا تتكون وحداته من فصائل وسرايا وكتائب وألوية مدعومة بوحدات الاستطلاع والهندسة والإمداد والإسناد وغيرها، وكل هذا التنظيم يحتاج إلى مراكز قيادة تكون مجهزة بوسائل الاتصالات اللاسلكية الحديثة ومزودة بهوائيات ومحطات الإرسال.. كل هذا التنظيم يكون فعالا إذا كان في مواجهة جيش مكون حسب تنظيمات الجيوش التقليدية، وفي هذه الحالة يكون المحارب مقيدا بتنفيذ الأوامر الصادرة عن القيادة ولا يحق له التصرف بمبادرة منه، أما المقاومة، فتنظيمها عنقودي، وهو مختلف تماما عن التنظيم التقليدي، فوحداتها تتكون في أغلبها من عقد هي بدورها مكونة من ثلاثة إلى أربعة أفراد، تتمتع بحرية اتخاذ القرار المناسب لظروف الزمان والمكان، فتهاجم متى رأت الوقت ملائما دون أن تكون مجبرة على انتظار صدور الأوامر من القيادة التي تدير الحرب على المستوى الاستراتيجي، أما المستوى العملياتي، فهو موكول لقادة الكتائب الذين يوجهون العقد عند الحاجة، هذا التنظيم المرن يعطي المحارب زمام المبادرة، وبالتالي، يتيح له الفرصة للتربص والانقضاض على العدو في أنسب الظروف.. هذه المبادرة في حد ذاتها ترفع نسبة النتائج الإيجابية من جهة، وتمكن من التخفيض من منسوب الاتصالات، وبالتالي، توفّر الوقت وتقلل من فرص اكتشاف مواقعها من طرف العدو من جهة أخرى.
3) السلاح البري: إذا كان السلاح هو أساس كل حرب، والسلاح المتطور تكنولوجيا خاصة هو الذي يمكن المحارب من كسب التفوق في المعركة باستعمال الكاميرات والكاشفات الإلكترونية التي تتيح له الاستشعار عن بعد، وبالتالي التصدي مسبقا لكل خطر يهدده، فإن “طوفان الأقصى” غيرت من مصداقية هذه النظرية ولو نسبيا، إذ بينت هذه الحرب أنه بإمكان المقاوم استهداف دبابة “الميركافا” المتطورة، والمزودة بأحدث أدوات الاستشعار واستباق الضربات بحزمة من الأسلحة البسيطة والمصنعة يدويا ومحليا، بدء بقذيفة “الياسين 105” المضادة للدروع، إلى قذيفة “الأربيجي” ضد الأفراد، مرورا بمتفجرات “شواظ” و”العمل الفدائي” المضادة للآليات.. وكلها أسلحة خفيفة لا تحتاج إلى طاقم محترف لتشغيلها، بل تحتاج فقط مقاتلين مدربين على استعمالها بطريقة فعالة، وحتى بندقية “الغول”، التي يستعملها القناصون أو الصواريخ وقذائف “الهاون” المستعملة من طرف المقاومة، هي سهلة الاستعمال، وإن كان صنعها يتطلب مهارات المهندسين، فهي تصنع في وقت السلم في مصانع الأنفاق.
في المقابل، نجد الجيش الإسرائيلي يستعمل، ويفرط في استعمال سلاح المدرعات، التي أبانت عن عدم جدوى إقحامها في حرب المدن، وهنا تجب الإشارة إلى أن استعمال الدبابات بهذه الكثافة وإقحام عدد هائل من الألوية المدرعة، هي التي رفعت بشكل كبير عدد الإصابات في صفوف الإسرائيليين وخسارة عدد كبير من الآليات.
4) سلاح الجو: وينقسم إلى:
– المقاتلات والقاذفات: التي أحدثت ضررا كبيرا في المباني والبنية التحتية في
قطاع غزة، واستعمال سلاح الجو خلال “طوفان الأقصى” كان أثره على المدن
وعلى المدنيين أكثر منه على البنية العسكرية للمقاومة التي لا يطالها القصف الجوي بوجودها داخل الأنفاق، وهذا أضر بصورة إسرائيل على الصعيد الدولي فيما يخص استهداف المدنيين والمستشفيات والمدارس وحتى مؤسسات الأمم المتحدة، ويعتمد القادة الإسرائيليون على سلاح الجو اعتمادا يكاد يكون حصريا في تنفيذ المرحلة الثالثة من الحرب، وهذا يبرهن على أن استعمال سلاح الجو يكون بدون جدوى في تدمير المقاومة، ولنا مثال في هذا الموضوع في حرب الفيتنام، التي كان المحاربون الفيتناميون يستعملون خلالها الأنفاق والمنشآت التحت أرضية.
– المسيرات: استخدمت المسيرات بجميع أنواعها وأحجامها، بشكل كبير في هذه الحرب، وغطى هذا الاستخدام ميادين القصف والاستكشاف، مع الإشارة إلى استخدام المسيرات صغيرة الحجم للاستطلاع داخل المباني والأنفاق والأماكن الضيقة.
– الطائرات الشراعية: لأول مرة يستعمل هذا النوع من الطائرات بشكل رئيسي
خلال حرب من هذا الحجم، وذلك لافتقار المقاومة لسلاح الطيران الذي يمكنه القيام بإنزال مباغت، فأظهر استعمال هذه الشراعات أن هذه الوسيلة يمكنها أن تعوض خدمة الهليكوبتر نسبيا على مسافات قصيرة، ثم إن المقاومة يمكنها إيجاد حلول لافتقارها سلاح الطيران (الحلول البديلة)، علاوة على أن الطيران الشراعي لا يحدث أصواتا عالية ولا يعكس موجات الرادارات، مما يصعب استكشافه إلكترونيا.
5) كم الدمار الهائل والأنقاض في صالح المقاومين: لاحظنا خلال هذه الحرب إسراف الإسرائيليين في استعمال سلاح المدفعية والغارات الجوية بهدف إحداث دمار كبير في البنايات والمنشآت، وإذا كان هذا الاستعمال المفرط قد دمر، حسب صور الأقمار الصناعية، 75 % من المباني، خصوصا في شمال القطاع، فهو في المقابل أتاح الفرص للمقاومين للاختباء تحت الأنقاض واستعمال هذه الأخيرة للتربص والانقضاض.
6) اللباس والمعدات: يتمتع الجندي الإسرائيلي بلباس ومعدات من أحدث طراز، والتي يفترض فيها أن توفر له الوقاية من الأضرار التي قد تلحقه من تأثير المناخ ومن استهدافات بعض الأسلحة، لكن هذه المعدات تثقل كاهل الجندي وتعيق نسبيا حركاته، وليس لكل الجنود البنية الجسدية القادرة على تحمل ثقل كل المعدات المزود بها إضافة لسلاحه الفردي وذخيرته، لا سيما الاحتياطيين منهم، بينما يحارب المقاوم الفلسطيني بلباسه العادي وقد رأيناه على فيديوهات المقاومة يخرج من تحت الأنقاض بلباس وحذاء الرياضة وبسلاحه الفردي، وفي كثير من الحالات، لا ينتعل المقاوم إلا صندلا أو يمشي حافي القدمين، فلا خوذة، ولا سترة واقية من الرصاص، ولا حقيبة ظهر، ولا ذخيرة إلا ما سيستعمله في تلك اللحظة، ولا جهاز راديو للاتصال.. كل هذه المعدات تثقل الجندي الإسرائيلي وتتعبه وتحد من حرية تحركاته، بينما المقاوم متخلصا من كل هذه المعيقات، يمكنه التحرك بكل سرعة وخفة ليضرب الهدف ويختفي تحت الأنقاض قبل أن يكشف.
7) الأنفاق: هي في حد ذاتها سلاح فتاك، وربما أكثر الأسلحة ضراوة بالنسبة للإسرائيليين، وفكرة الأنفاق ليست وليدة هذه الحرب، فقد استعملها الفيتناميون والأفغان (إذا اعتبرنا كهوف تورا بورا أنفاقا) وغيرهم، ولكن المقاومة الفلسطينية طورت الفكرة وجعلتها تتناسب مع أحدث القنابل المضادة للأنفاق، وجهزتها بوسائل العيش اللازمة مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحرب يمكن أن تدوم وقتا طويلا، كذلك يجب أن نشير إلى أن عمل المقاومة على مستوى الأنفاق شمل مجال صناعة الأسلحة والذخيرة وحتى القذائف والصواريخ التي تنتج في مصانع الأسلحة الضاربة في عمق الأرض، فصناعة هذه الأنفاق أبانت عن احترافية عالية للمهندسين الفلسطينيين الذين احتسبوا في بنائها كل الاحتمالات، حيث أنه حتى محاولة إغراقها بمياه البحر فشلت وغمرت هذه المياه البنية التحتية الإسرائيلية في غلاف غزة بدل أن تُغرق أنفاق المقاومة، كما أن بعضها صنع لمرور السيارات والشاحنات، وذلك لتيسير نقل القذائف والصواريخ وحتى مجموعات المقاتلين في حالة ضرورة إسناد عقدة من العقد المشتبكة مع العدو.
8) الحرب الإلكترونية (السبيرانية): تكتسي عدة صبغات: أولها الاستيلاء على قاعدة بيانات مهمة جدا من قاعدة الفرقة 8200 الاستخباراتية الإسرائيلية، التي تعرف اختصارا بوحدة SIGINT، وذلك خلال الهجوم الأول في السابع من أكتوبر، مما أتاح للمقاومة الحصول على معلومات مكنتها من تحييد كل العملاء التي كانت إسرائيل تستخدمهم في التجسس على المقاومة داخل قطاع غزة، زيادة على معلومات أخرى عن عناصر الجيش الإسرائيلي في غاية الأهمية.
كما تمكن الهاكرز المقاومين من اختراق بعض القنوات الفضائية الإسرائيلية وبث أخبار للمستوطنين اليهود على الهواء مباشرة، مما زاد في إحباطهم ويقينهم بأنه يصعب على جيشهم الإطاحة بالمقاومة الفلسطينية في نسختها الحالية.
من جهة أخرى، مكنت التقنيات الإلكترونية المقاومة الفلسطينية من السيطرة على العديد من المسيرات وإنزالها واستغلال المعلومات والصور التي حصلت عليها، وهو ما يسمى بالسيطرة على سلاح العدو واستعماله ضده.
9) الحرب الاستخباراتية: تميز هذا الجانب باستعمال كل الوسائل المتاحة لجمع المعلومات وتحليلها، وشملت هذه العمليات الفترة ما قبل انطلاق “طوفان الأقصى” للاستقصاء عن معنويات الجيش الإسرائيلي ومدى جاهزيته للقتال مع تحديد مواقع القيادة والسيطرة في غلاف غزة، بل حتى عناوين سكن القادة ووضعيتهم الحالية.. هذه المعلومات أعطت المقاومة زمام المبادرة وجعلتها في وضعية تضمن من خلالها نجاح هجوم السابع من أكتوبر، أما في فترة الحرب، فقد كشفت العمليات الاستخباراتية وضعية العدو في الميدان من خلال المتابعة والرصد من طرف عناصر المقاومة، وكذلك بواسطة استعمال المسيرات الإسرائيلية المسيطر عليها إلكترونيا، ومن جهة أخرى، استعملت المقاومة الاتصالات السلكية التي ظلت تضمن لقيادتها السرية التامة في تلقي المعلومات من المقاتلين في الميدان وتزويدهم بالأوامر والتوجيهات دون أن يكون هناك أي تسريب عن طريق التنصت أو فك شيفرات الاتصالات اللاسلكية.
10) العقيدة الحربية: هي العامل الرئيسي في هذه الحرب، الذي يضمن للمقاومة الانتصار في المعركة، وقد رأينا سابقا كيف أن المقاتل الفلسطيني يتشبث بأرضه وبقضيته، وهو على استعداد كامل للتضحية بروحه في سبيل استرجاع وطنه المحتل، فإسرائيل لما سلبت الفلسطينيين أرضهم وأقامت فوقها المستوطنات، وحرمتهم من أبسط وسائل العيش الكريم، واستباحت دماءهم للمستوطنين، وسجنت قاداتهم، ودنست مقدساتهم، هي التي بهذا التصرف زرعت عقيدة القتال في الشباب الفلسطيني وجعلته يضحي بروحه من أجل قضيته، فهو لن يتردد في تقديم روحه لفداء الوطن، إذ لم تترك له إسرائيل شيئا في هذه الدنيا إلا وأخذته منه.. هذه العقيدة هي التي تجعل المقاوم يخاطر بنفسه ويخرج من النفق، أو من تحت الأنقاض، ليضع قنبلة العمل الفدائي فوق بدن الدبابة ويفجرها، أو يتسلّل تحت الدبابة ليلصق بها عبوة “شواظ” وهو لا يعرف هل سينجو بنفسه من الانفجار.
11) الأسرى و”عقيدة حنبعل”: لعبت قضية الأسرى دورا كبيرا في هذه الحرب، إذ أنها مكنت المقاومة من الظفر بفترة، ولو وجيزة، لوقف إطلاق النار تم معه تبادل بعض الأسرى المدنيين، الأمر الذي كان في صالح المقاومة، إذ أنه أتاح الفرصة لإطلاق سراح سجناء أطفال وسجينات فلسطينيات من السجون الإسرائيلية، وهذا جعل العالم يكتشف أن هناك أطفالا في سجون الاحتلال، الشيء الذي شوه صورة الدولة العبرية في أنظار العالم، وفي المقابل، قضية الأسرى وضحت للعالم كيف تعاملت المقاومة مع الأسرى الإسرائيليين، الذين لم يتلقوا إلا المعاملة الحسنة حسب التعاليم الإسلامية، بتزويدهم بالمأكل والمشرب والدواء والتضحية من أجل الحفاظ على أرواحهم من أثار القصف والدمار، وذلك بشهادات الأسرى اليهود الذين جرى إطلاق سراحهم، والتي بثت على الفضائيات الإسرائيلية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، أما في ما يتعلق بالأسرى العسكريين، فلا زالت إسرائيل تراوغ حتى تكسب الوقت لأنها لا تعرف كيف تتصرف في هذا الموضوع، لا سيما وأن المقاومة تشترط لإطلاق سراحهم تبييض سجون الاحتلال، ولهذا فعلت الدولة العبرية “عقيدة حنبعل”، التي بموجبها يكون “الجندي الميت أفضل من الجندي الأسير”، مما يجعلها تكثف القصف الجوي حتى على المواقع التي يمكن أن تحوي الأسرى الإسرائيليين، وقد سبق لجنود الاحتلال قتل مواطنيهم الأسرى بالنيران الصديقة، وهذه سابقة من نوعها في دولة إسرائيل.
12) الحرب الإعلامية: راهنت المقاومة على الحرب الإعلامية لإطلاع الإعلام والرأي العام الدوليين على حقيقة ما يجري في الميدان، عكس ما كان يجري في الحروب السابقة في فلسطين المحتلة، فهي زودت مقاتليها بكاميرات “الڭو-برو” (GO PRO)، فصار المقاتل يوثق قتاله صوتا وصورة، وتُبث هذه الفيديوهات على الفضائيات الدولية لإطلاع المشاهد أينما كان على نتائج عمل المقاومة ومدى هشاشة الجيش الذي “لا يقهر”، فيرفع هذا من معنويات المقاتل الفلسطيني، وبالتالي، يحارب بشراسة أكثر وبثقة في النفس أعظم، لدرجة أن أحد المقاتلين خاطب محللا عسكريا لإحدى الفضائيات من ميدان المعركة بعد أن أحرق دبابة مباشرة بقوله “حلّل يا الدويري”.
والمقاومة في هذا المضمار، أبانت عن مستوى عال من ضبط التقنيات الإعلامية الحديثة فيما يخص التوثيق والبرمجة والإخراج، ناهيك عن استطاعتها إمداد الفضائيات بهذه الأفلام مع اختيار التوقيت المناسب، واعتمدت من جهة أخرى، أسلوب تكذيب الحكومة الإسرائيلية عبر إطلاق رشقات من الصواريخ من شمال القطاع عندما تقول هذه الحكومة أنها سيطرت عليه سيطرة تامة، كما اعتمدت أسلوب التوثيق بالصوت والصورة والبث على الفضائيات تسجيلات لأسرى إسرائيليين يطالبون حكومتهم بإجراء مفاوضات لإطلاق سراحهم، مما جعل الكثير من الإسرائيليين يتظاهرون أمام مقرات الحكومة والجيش للضغط على القادة السياسيين والعسكريين في هذا الموضوع.
13) الحرب النفسية: أحسنت المقاومة استغلال الحرب النفسية عبر عدة وسائل، كانت أبرزها بيانات الناطق باسمها “أبو عبيدة”، الذي كسب مصداقية كبيرة في أوساط المجتمع الإسرائيلي، حيث كان الإسرائيليون ينتظرون ظهوره ليعرفوا الأخبار الحقيقية عن أفراد عائلاتهم الأسرى وعن مجريات الحرب التي كانت الحكومة، من خلال تصريحات وزرائها وبيانات الناطق الرسمي باسم الجيش، تضلل الشعب وتنشر الأخبار الكاذبة بشأنها.
أما عن الجندي الإسرائيلي، فهو كان يعيش في رعب دائم داخل القطاع، لأنه كان يحارب الأشباح، بحيث لا يعرف من أين سيطلع غريمه ومن أين ستأتي الضربة، وهذا أفقد الجندي ثقته بنفسه وجعله يعيش كابوسا حقيقيا.
وحسب الإحصائيات التي صدرت عن بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإن آلاف الجنود أصيبوا بالهوس وتمت معالجتهم في مستشفى الأمراض النفسية، علاوة على رفض بعض الجنود القيام بمهمات داخل قطاع غزة.
14) التأثير على السياسة: في هذا المجال، عرفت المقاومة كيف تؤثر على المشهد السياسي الإسرائيلي خلال “طوفان الأقصى”، بحيث خلقت خلافات جوهرية داخل الحكومة، فبرزت فيها تيارات متناحرة وظهرت الأجنحة المتعصبة، لكل رأيه، وأفرزت اجتماعات مجالس الحرب والحكومة مجموعة من الآراء والأفكار التي كشفت للعالم نية الحكومة الصهيونية بإبادة الفلسطينيين وترحيلهم لدول الجوار العربية، واتفق الوزراء في حكومة نتنياهو على هذا الهدف وما اختلفوا إلا على طريقة تهجير المدنيين، فقطعت إسرائيل عليهم الماء والكهرباء ومنعت الوقود والدواء والإسعافات والمؤن من دخول غزة، وهدمت بيوتهم وحطمت البنية التحتية حتى يبقى القطاع غير صالح للحياة.. كل هذا يصنف في خانة الإبادة الجماعية المحرمة عالميا، مما جعل دولة جنوب إفريقيا تقاضي إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي، وحشر إسرائيل في زاوية الاتهام بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.. كل هذا خلق بلبلة وعدم توافق وأزمة داخل أركان الحكومة الإسرائيلية، وجعلها مهددة بالإطاحة بها كما يطلبه العديد من الإسرائيليين.
في الأخير، يتضح من كل ما سبق، أن “طوفان الأقصى” غيرت كثيرا من مبادئ الحرب غير النظامية، فأصبح السلاح المتطور (الدبّابات) والأجهزة الحديثة والمعدات الحربية وتكتيكات الحرب، لا جدوى لها أمام مقاومة مسلحة بأبسط المعدات، كما بينت هذه الحرب أن الوسائل التي تضمن الانتصار في الحروب هي العقيدة في أول مقام، وإعداد المقاوم نفسيا وتقنيا وجسديا، ثم إيجاد الحلول المناسبة لمواجهة العتاد المتطور (الطائرات الشراعية، مختلف القذائف السهلة التصنيع، المواصلات السلكية، الأنفاق، وغيرها)، والإعداد المحكم للحروب الإعلامية والإلكترونية والنفسية، وقد رأينا أثارها على جنود العدو وعلى مجتمعه وساسته، وآخرها إعداد استراتيجية متكاملة يحتسب فيها لكل تطورات الحرب في مراحلها حسب تفاعل العدو.. هذا ما يضمن انتصار مقاوم يحارب بالصندل على جيش يعد من أقوى جيوش العالم.



