تحليلات أسبوعية

بين السطور | التفاهة.. الرياضة الوطنية الأولى في المغرب

بقلم: الطيب العلوي

    كانت للسلطان المغربي مولاي عبد العزيز، من بين هواياته المتعددة(…)، هواية رياضة الرماية، وكانت تسمى في ذلك الوقت بـ”النيشان”، والتي كان يمارسها بعيدا عن حراسه وخدمه خوفا من أن ينيش عليه أحدهم يوما(…)، ويُحكى أن مولاي عبد العزيز لما كان يمارس “النيشان” يوما وصوب بندقيته نحو هدف معين وأصابه، قدم البندقية إلى وزيره المهدي المنبهي، وقال له: هل تقدر؟ فأمسك المنبهي بالبندقية ونيش، لكنه لم يصب الهدف، فاسترجع السلطان بندقيته وهو يضحك على الوزير قائلا: “يا ويلي على وزير الدفاع وهو لا يعرف حتى الرماية..”.

وبما أن الإكثار من التفاهة هو الذي عزل هذا السلطان عن الحكم – كما هو معلوم – إلا أن هذه الحكاية تبرهن على أن السلطان رغم كل شيء(…)، كانت بعض الدروس الذكية من بين ثنايا تفاهاته..

فمنذ عزل السلطان مولاي عبد العزيز ومفهوم التفاهة يسكنه شيء ما يخيف المغاربة(…)، إلى أن أخذ في أيامنا هذه، أيام الرقمنة(…)، قناعا لم نعد نتعرف فيه على الوجه الحقيقي للتفاهة(…)، حتى أصبحت لا تخيف أحدا، رغم كل المعارك التي تدور رحاها يوميا، وقد بات المواطنون “طلعت أو نزلت” منغمسون في استهلاك “التفاهة” التي يتم إنتاجها بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي بدعوى “صناعة المحتوى” التي ترادف “صناعة الخوا الخاوي”، والتي يشرف عليها “مؤثرون” و”غير مؤثرين”، و”تافهون” فقدوا قيمتهم في المجتمع الحقيقي ليصنعوا “مجدا” مزيفا على مواقع التواصل الاجتماعي، بل إن الأمر وصل إلى حد نشر “عورات الناس” و”التهديدات باستعمال العنف”، ناهيك عن اللغة الساقطة، ولا حسيب ولا رقيب بادر حتى الآن لإيقاف هذه المهزلة التي تهدد كافة قيم المجتمع.

تتمة المقال تحت الإعلان

جل المسؤولين ينتقدون تفاهة ما يروج على مواقع التواصل الاجتماعي، والمواقع غير المصنفة(…)، لكن كثيرا من هؤلاء هم الذين يتناقضون مع الشعارات التي يرفعونها، عندما يعتمدون على “وسطاء” من خارج الجسم الإعلامي للترويج لعملهم الذي يفترض أنه عمل حكومي ومؤسساتي يخضع لشروط صارمة.. ما معنى أن يقوم وزير في الحكومة باستدعاء مجموعة من التافهين (ليس الكل)، وبتمويل من المال العام، ويكلفهم بالترويج لبرامج حكومية أو وزارية؟ وبناء عليه، يمكن التساؤل: من أين تبدأ الصحافة؟ ومن أين يبدأ التأثير؟ وأين هو الخيط الفاصل بين الإساءة لصورة البلاد وبين تقديم المعطيات الكفيلة بتغيير وضع غير مرغوب فيه؟ ولنفترض أن هناك حرية للتعبير لا تخضع لأية قوانين(…)، لماذا يتم تمويل التفاهة من المال العام؟ وكيف وجد المسؤولون المبررات لإدخال التافهين إلى المؤسسات العمومية بدعوى أنهم “مؤثرون”؟

تتمة المقال تحت الإعلان

أما الرقمنة التي هي أداتنا الحالية لصناعة التفاهة، فهي ليست مجرد ورش حكومي مبني على شعارات تقدم فيها أرقام استعمال الأنترنيت والهاتف، بل إنها حرب حقيقية قد تهدد استقرار الدولة بكاملها، وهذه قصة أخرى..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى