تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | بين الحسابات المدنية والعسكرية.. الجنود المغاربة الذين لا يراهم أحد

حروب "المغرب الرقمي"

إعداد: سعيد الريحاني

    بغض النظر عن فعالية الوزيرة غيثة مزور، وهي محل نقاش بلا شك.. هل تساءلت يوما لماذا تضمنت حكومة عزيز أخنوش في نسختها الأخيرة، وزارة خاصة بـ”الانتقال الرقمي”؟ هل تعلم أن هناك مديرية تابعة لإدارة الدفاع الوطني تسمى المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، قامت بإصدار حوالي 400 مذكرة إلى الجهات المعنية (وزارات ومؤسسات عمومية…) بهدف حثها ومراقبتها فيما يتعلق بتطبيق “التوجيهات الوطنية لنظم الأمن والمعلومات”؟ هل تعلم أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش (تبعا لذلك) عمم مذكرة على جميع القطاعات الحكومية ومؤسسات الدولة تدعو إلى اتخاذ “الإجراءات المتعلقة بالأمن السيبراني”؟

تتمة المقال تحت الإعلان

عندما نتحدث عن أمور تتدخل فيها “إدارة الدفاع الوطني”، وهو ما يعني عمليا القيام بأعمال تحت إشراف الجيش الملكي، فإن الأمر يكاد يكون أكبر من الحكومة، فمثل هذه التحركات، وإن كانت تتم بسلاسة كبيرة، إلا أن تفعيل هذا النظام(..) يعني وجود خطر جسيم يهدد مؤسسات الدولة، ويفرض تحصينها في مواجهة أي هجوم إلكتروني قد يؤثر على سيرها العادي.

تتمة المقال تحت الإعلان

يقول رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، في مذكرة لم تعرف انتشارا كبيرا بفعل انشغال جل الصحافة الوطنية بـ”موجة الإلهاء” في مواقع التواصل الاجتماعي: ((تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، عملت بلادنا في السنوات الأخيرة، على إيلاء أهمية قصوى لتسريع عجلة الانتقال الرقمي.. وإذا كانت الرقمنة تفرض نفسها كخيار لا محيد عنه، كونها تتيح فرصة فريدة لتسريع وتيرة النمو ودعم الحكامة، إلا أنها تنطوي في الآن نفسه على بعض المخاطر والتهديدات.. ولمواجهة هذه المخاطر والتهديدات، يشكل الأمن السيبراني جزء لا يتجزأ من استراتيجيات الرقمنة في بلادنا..)).

لغة المراسلة تبدو بسيطة، لكن الحديث عن الأمن السيبراني يعني إخضاع مؤسسات وأبناك الدولة ومجال معاملاتها العلنية والسرية(..)، لتدابير الحماية الإلكترونية الصارمة، والوقوف في وجه أي تهديد إلكتروني محتمل، و”لا يعذر أحد بجهل القانون”، بل إن القانونيين يقولون “لا يعذر أحد بجهله التشريع الجنائي”، فما بالك بتلك القوانين الأكثر صرامة، والمرتبطة بالقطاعات الحساسة(..).

لفهم ما يقع مؤخرا، يمكن الإنصات للوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي، هذا الأخير وإن كان يستعمل لغة تبدو عادية، إلا أن ذلك لا يمنع من قراءة ما بين السطور وفهم عمق الكلمات وأبعادها(..)، فقد أوضح أن ((المديرية العامة لأمن نظم المعلومات اتخذت خلال السنوات الأخيرة، بشراكة مع باقي المتدخلين، سلسلة من الإجراءات والمبادرات الهادفة إلى تعزيز أمن وصمود نظم المعلومات الوطنية ضد مختلف التهديدات والمخاطر المحدقة بها، وذلك في ظل سياق متسم بتنامي التحديات والرهانات الأمنية التي تواجهها بلادنا، والتي تفرض علينا مواصلة الجهود من أجل حماية فضائنا الرقمي…

غيثة مزور رفقة رئيس الحكومة عزيز أخنوش

وذكر المسؤول الحكومي، أنه تم بموجب القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني والمرسوم رقم 2.21.406 المتعلق بتطبيق هذا القانون، تعيين المديرية العامة لأمن نظم المعلومات كسلطة وطنية مكلفة بالأمن السيبراني، كما تم إحداث اللجنة الاستراتيجية للأمن السيبراني، عهد إليها على وجه الخصوص بوضع التوجهات الاستراتيجية العامة في هذا المجال، وكذا التقييم السنوي لأنشطة السلطة الوطنية.

ووفقا للقانون المشار إليه، أوضح الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني، أنه تم إحداث لجنة وطنية لإدارة الأزمات والأحداث السيبرانية الجسيمة، تابعة للجنة الاستراتيجية، هدفها ضمان استجابة فعالة ومنسقة في حال وقوع أزمة أو حادث سيبراني جسيم)) (المصدر: موقع العمق المغربي).

نحن إذن، أمام “سلطة وطنية مكلفة بالأمن السيبراني”، لا يتم الحديث عنها كثيرا في وسائل الإعلام رغم أن مجال عملها لا يقف عند التنظير، بل يصل إلى مستوى المراقبة.. وفي هذا الإطار، سبق أن تحدث عبد اللطيف لوديي عن “القيام بعمليات تدقيق وافتحاص أمن نظم معلومات حوالي 26 وزارة ومؤسسة عمومية وهيئة ذات طابع استراتيجي، تابعة لمختلف القطاعات، على غرار الصحة والنقل والتجهيز والماء، وكذا القطاع البنكي وقطاعات أخرى”، بهدف “تقييم نظم معلوماتها وقدرتها على الصمود أمام الهجمات السيبرانية، من أجل تقييم جهازها الأمني والتحقق من مدى احترامها للإطار القانوني والمعياري الوطني المنظم للأمن السيبراني”.

لا يمكن الحديث عن إدارة الدفاع الوطني دون الحديث عن تبعيتها عمليا للقوات المسلحة الملكية، التي يقودها الملك محمد السادس، لذلك لا غرابة أن يتراوح موظفوها بين الأطر المدنية والأطر العسكرية.. ولا غرابة أن يتم تصنيف هذه الإدارة كـ”جيش صغير” ضمن الجيش الملكي الكبير، متخصص في صد “الهجومات الإلكترونية”.. فقد ((قامت إدارة الدفاع الوطني خلال السنة الماضية بالتصدي لـ 150 حادثا سيبرانيا، كما قامت بإجراء تحاليل وتحقيقات تقنية لتحديد الهجمات والثغرات، التي تم التبليغ عنها وافتحاص العشرات من التطبيقات الإلكترونية.. وبخصوص التوعية بالتهديدات السيبرانية.. قامت الإدارة، عبر مديريتها العامة لأمن نظم المعلومات، بإصدار أزيد من 400 نشرة ومذكرة أمنية تهم تحديث الأنظمة والاطلاع على التهديدات الإلكترونية الجديدة، وهو ما يدل على أن المغرب أصبح هدفا للهجمات السيبرانية)) (المصدر: جريدة الأحداث المغربية عدد 30 يناير 2024).

يمكن القول أن ما يقوم به بعض خبراء الأنترنيت والمعلوميات المغاربة، يندرج في إطار حرب كبرى لا يراها أحد، ولكنها ملموسة، بحيث أن المغرب يعد من بين البلدان الآمنة إلكترونيا(..)، ولا يقتصر دورهم على الجانب العسكري والاستراتيجي(..)، بل إن مهامهم تصل أحيانا إلى درجة حماية الهواتف الشخصية للمواطنين من خطر الاختراق، ويكفي في هذا الصدد الإشارة إلى العمل الذي تم القيام به بالتزامن مع زلزال الحوز.. وهو عمل دائم بالمناسبة.. فقد ((حذرت مديرية تدبير مركز اليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية، التابعة للمديرية العامة لأمن نظم المعلومات بإدارة الدفاع الوطني، من مجرمي الأنترنيت الذين يستغلون كارثة الزلزال التي ضربت منطقة الحوز بالمغرب، وحجم الدعم للمتضررين، من أجل الاحتيال على الأشخاص واختراق هواتفهم وحواسيبهم..

وأوضحت مديرية تدبير مركز اليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية، أن مجرمي الأنترنيت يسعون إلى الاستفادة من هذه الأزمة الإنسانية التي يمر منها المغرب، باستخدام المحتالين موضوع الزلزال في الحملات لاصطياد وخداع الضحايا، بعد الزلزال الذي أودى بحياة الآلاف من الأشخاص بشكل مأساوي بالمغرب، وفي وقت ما يزال السباق مع الزمن جاريا من أجل مساعدة الأشخاص المتضررين.

ونبهت المديرية إلى أن مجرمي الأنترنيت يستغلون بحث الأشخاص عن تطبيقات مراقبة الزلازل باستخدام خرائط عبر الأنترنيت لنشر برامج يمكن تنزيلها وتشغل تطبيقا ضارا يدعي أنه يوفر معلومات عن الزلازل، مؤكدة أن هذه البرامج في الواقع، تقوم بتثبيت برامج ضارة في الخلفية بهدف اختراق أجهزة المستخدمين الضحايا وسرقة معلوماتهم الشخصية السرية)) (المصدر: موقع مدار 21).

817486028

مجرمو الأنترنيت لا يرحمون، سواء تعلق الأمر بزلزال أو غيره، ويزداد الأمر خطورة عند ربطه بالسياق الدولي والدور المحتمل لمجرمين دوليين(..)، حيث تكون المؤسسات هي المستهدف الأول، ذلك أن سقوط الأشخاص لا يقارن مع سقوط المؤسسات واختراقها(..).

يمكن القول إن هواجس الحرب الإلكترونية تتراوح بين الحسابات العسكرية التي تروم حماية منشآت الدولة من أي اختراق(..)، والحسابات المدنية المرتبطة بورش العمل الحكومي والانتقال الرقمي، ولمعرفة حجم المعركة وصعوبة فضاء التحرك، يمكن التوقف في هذا الصدد عند تقارير رسمية، منها تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي، الذي أكد – في وقت سابق – في تقرير تحت عنوان: “نحو تحول رقمي مسؤول ومدمج”، أن ((هناك العديد من مكامن الضعف على مستوى تحقيق حلم “المغرب الرقمي” منها:

• تسجيل تأخر في تنفيذ الاستراتيجيات السابقة المعتمدة من أجل تحقيق التحول الرقمي في عدة قطاعات، مثل الإدارة والصحة والتعليم والصناعة؛

• تغطية جغرافية ضعيفة على مستوى البنيات التحتية الخاصة بالأنترنيت ذي الصبيب العالي والعالي جدا؛

• الطابع المجزأ وغير الملائم أحيانا للإطار التشريعي والتنظيمي، لا سيما في ما يتعلق بالعمل عن بُعد؛

• غياب فاعلين تكنولوجيين محليين ذوي تنافسية قوية؛

• ضعف إنتاج محتوى رقمي وطني ثقافي وتعليمي؛

• غياب خارطة طريق وطنية للذكاء الاصطناعي.

ولأن كل عمل لا يقف عند حدود التشخيص، فإن التوصيات المرتبطة بإحداث تحول رقمي تقول بـ:

• تمكين مجموع السكان المغاربة من الولوج إلى الأنترنيت ذي الصبيب العالي والعالي جدا، مع ضمان خدمة جيدة في هذا المجال؛

• تحديث الخدمات الإدارية عن طريق رقمنة مختلف المساطر الإدارية.

وفي هذا الصدد، يقترح المجلس جملة من الإجراءات الرئيسية، تتمثل في ما يلي:

• إعطاء الأولوية للرقمنة باعتبارها وسيلة ونمطا هيكليا لتطبيق القوانين والنصوص التنظيمية، وتوفير الخدمات العمومية، وتعزيز التطبيقات أو النظم الرقمية الجديدة ذات التأثير القوي على مسار المرتفقين (المواطن(ة) والمقاولات)؛

• وضع إطار تنظيمي متكامل ومناسب في مجال الرقميات، لا سيما في ما يتعلق بالعمل عن بُعد وحماية المعطيات؛

• تحسين الأمن السيبراني والسيادة الرقمية من أجل إرساء تحول رقمي مسؤول، وذلك من خلال تحسين مناعة البنيات التحتية، وترسيخ الثقة الرقمية، وتعزيز حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وتعميم التوقيع الإلكتروني؛

• تطوير مراكز معطيات وطنية وجهوية مغربية، اعتمادا على شراكات بين القطاعين العام والخاص، بما يمكن من التوطين والحفظ الداخلي للأنشطة الرقمية الاستراتيجية للدولة والمقاولات (المعطيات والتطبيقات)؛

• العمل من أجل صعود “منظومة رقمية مغربية”، عن طريق استخدام رافعة الصفقات العمومية وآليات تمويل مبتكرة بالنسبة للفاعلين في القِطاع، وتزويد المقاولات التي تستثمر في عملية رقمنتها بحوافز مالية، من قبيل تعزيز التحفيزات الجبائية وضمان التمويل من طرف الدولة؛

• العمل على انخراط الجامعات والقطاعات الاقتصادية، والصناعية خصوصا، في مشاريع البحث والتطوير ذات الصلة بالتحول الرقمي، بهدف خلق “منظومات” ملائمة لتطوير المقاولات الناشئة، وتشجيع صعود صناعة رقمية حقيقية؛

• جعل الذكاء الاصطناعي أولوية وطنية في ورش التحول الرقمي، بالنظر إلى ما يتيحه من إمكانات في مجال ترشيد كلفة الإنتاج وما يقدمه من حلول تستجيب للحاجيات المختلفة للمواطنات والمواطنين)) (المصدر: تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى