المنبر الحر

المنبر الحر | هل نحن في حاجة إلى وزارة الثقافة ؟

بقلم: حسن الأكحل

    برزت مؤخرا بعض الأفكار وغيرها التي تصب في تفكيك هذا المرفق العمومي وتحويل جزء من اختصاصاته إلى جهات أخرى بالرغم من الطابع التقني الذي يطبع هذا الاقتطاع، فإنه يحول جزء من ذاكرة الوطن نحو المجهول، ويبعث على القلق ويثير أكثر من علامة استفهام في بلد لا زال يشق طريقه نحو النماء والحداثة والانتقال الديمقراطي، وهي بالفعل مؤشرات لا يمكن تحقيقها عمليا على أرض الواقع إلا بجدلية الثقافي والديمقراطي، حيث لا يمكن لأي أحد أن يجادل  في أن عملية الانتقال الديمقراطي وتصالح المؤسسات الرسمية لا تتم إلا بولوج عوالم التعبير الحر وشفافية التدبير ومصداقية الخطاب وتعدد الاختيارات، ولا شك أن المجتمعات الموجودة في مصاف التقدم والنماء سلكت منهج الانتقال في شروط تاريخية ومقدمات موضوعية واضحة كان الشق الثقافي، الفاعل الرئيسي في ردم فجوات التخلف والانتقال نحو الانبعاث، فالثقافي هو التعبير عن كيان ووجدان الأمة وحاجاتها الذاتية وأنماط عيشها وأسلوب التواصل والتلاقح والتجانس بين متناقضاتها الداخلية، والتفاعل مع محيطها الخارجي دون إلغاء أو تعسف.

فالإيمان بمكونات المجتمع وبمجالات تعدده واختلاف أنساق تفكيره وطرق تدبيره، هو الذي يصيغ عملية الانتقال السلس نحو الديمقراطية، لأنها تركيب معقد لأفكار ومفاهيم مجتمعية يؤطرها الفاعل الثقافي، وفي بلد كالمغرب، ظل المؤشر الديمقراطي لفظا لغويا تتناقله الألسن وتدبجه الأحزاب السياسية في مقرراتها التنظيمية وأوراقها السياسية دون أن يكون له أثر أو مس بجوانبه النضالية أو مساره التدبيري، كما تستغله المؤسسات الرسمية بمختلف تشكلاتها وتلاوينها بترويض خطابها وتسويق صورتها تاركة المجتمع يعيش في فوضى مفاهيمية غامضة حول الديمقراطية، لا سيما وأن الحلقة  الثقافية ظلت مفقودة بفعل عوامل متعددة، منها ما هو سياسي وآخر نفسي.

تتمة المقال بعد الإعلان

فالمجتمع المغربي عبر حقبه التاريخية ومراحله الصعبة، ظل متماسكا فكريا وعقائديا، ولم تتمكن التيارات الواردة شرقا وغربا من التأثير في نسيجه الثقافي، بل استطاع تذويبها وصياغتها وفق ميكانيزماته وأنساقه الفكرية وتمثلاته التعبيرية، بل عُرف عنه قدرته في تمطيط كل التناقضات وتصريفها في أشكال تنسجم وعمق هويته وخصوبة سهوله وانتصاب مرتفعات جباله وهضابه وصحاريه.

لكن المعطيات الجيوستراتيجية في بداية القرن، لم تكن في صالح البلد، خاصة بعد أن عجلت معركة “إيسلي” 1844، بأن تعري – كما قال المؤرخ الناصري – عن ضعف البلاد عسكريا واقتصاديا، ولم تكن الاتفاقيات السياسية التي تلتها إلا وجها آخر من الاختراق الكولونيالي للمغرب، خاصة وأن معاهدة الجزيرة الخضراء جاءت لتكرس واقعا جديدا أملته ظروف دولية عجلت بتطور الأحداث ما بين 1906 ومعاهدة الحماية 1912، لتضع المغرب بكل بنياته الفكرية والسياسية أمام منعطفات وهزات قوية شكل النسق الثقافي والعمق الديني للشعب المغربي، وحدة متكاملة ومتجانسة في مواجهة المد الاستعماري ومحاولات اختراقه إيديولوجيا فيما أصبح يعرف بالظهير البربري، وبلاد السيبة والمخزن، لكن في خضم النقاش السياسي أو مشروع الإصلاح الذي تقدمت به الحركة الوطنية في مطلع أربعينات القرن الماضي، ظلت الأرضية الثقافية ناقصة تتجاذبها أفكار وقراءات متعددة بحكم المحور الطبيعي الذي تشكلت منه نخبها السياسية (الرباط، فاس، سلا)، ولم يكن بإمكانها، في ظل القضايا الوطنية المستعجلة، بلورة وصياغة خطاب فكري وسياسي مبني على مشروع ثقافي يؤمن بالتعدد والاختلاف، حيث تجلت معالمه على الميدان، ما بين مسار المقاومة واختيارات جيش التحرير وما أفرزته من تناقضات وصراعات، في كيفية تدبير مغرب ما بعد الاستقلال، كما أن المؤسسة الرسمية بحكم مشروعيتها الدينية والتاريخية، ظلت تعتبر الميدان الثقافي مجالها الحيوي وامتدادها الطبيعي، لكن الصراع الإيديولوجي في مطلع الستينات والسبعينات من نفس القرن، أجهض المشروع الثقافي الوطني ولم يكن قرار إحداث مرفق عمومي بالخيار الصائب في حكم التوجهات الرسمية التي حصرت مضامين تدخله وضيقت على هامش تحركه في صنوفه المتعددة (التراث، الكتاب، الإبداع، التعدد، الفنون الشعبية، تأهيل الأنسجة والأنساق التعبيرية)، ولم يشفع التدبير الحزبي في إنقاذ المؤسسة الرسمية (وزارة الثقافة) من طابعها التوثيقي، بل أسهم في تعميق الهوة بين المشروع الوطني لتدبير الثقافة، والاختيارات الحزبية الضيقة.

لذا، فالمطروح بعد هذا التوضيب التاريخي لمسلكيات الفعل الثقافي وأدواره الطبيعية في عملية الانتقال الديمقراطي، أن نطرح التساؤلات، وبدون عُقد تاريخية: هل لنا فهم واحد للثقافة؟ وهل الشأن الثقافي في حاجة إلى مؤسسة رسمية لاحتضانه؟ وما الجدوى من قيامها وهي مشلولة الاختيار ومحدودة التأثير ولم تعد قادرة على أن تؤدي دورها كما جاء في التقريرين الأخيرين (تقرير المجلس الأعلى للحسابات وتقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي) وتهافت بعضهم على تشجيع التفاهة والميوعة وإقصاء الفاعل النقابي الجاد (النقابات الجادة) كما جاء في خطب الملك، والذي تحول إلى مسمى النقابات الأكثر تمثيلية لخدمة الحزبيين الحكوميين، كما أن هذه المؤسسة غير قادرة على التدخل في الوقت الذي أصبح فيه جزء من ذاكرتنا يفوت ولا يعي 12 قرنا من الوجود؟

تتمة المقال بعد الإعلان

ألم يأن الأوان لتفعيل المجالس الجهوية العليا للثقافة تماشيا مع تنزيل مشروع الجهوية الموسعة، لتحيين وجرد ورد الاعتبار للصناعات الثقافية المحلية التي انقرضت أو في طريق الانقراض، من أجل الحفاظ على الهوية المغربية الأصيلة والأصلية، والإسراع في إنقاذ جزء من ذاكرة وطن ومخططات تفكيك هويتنا وتسليعها ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى