الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما دخلت “القهوة”.. انعدمت النخوة

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 64"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    كان قاموس الأجهزة الفرنسية مشحونا برسائل من هذا النوع، وجعبتها مليئة بالناصحين أمثال سيد الدين بن حمزة، ولم يكن يخطر ببال الفرنسيين أنه سيواجه معارضة على الإطلاق، كما أنه لم يستسغ معركة عين صالح وإينغار، واتخذ منها الدرس لمنع المواطنين الصحراويين من الاستعداد، فكان يأخذهم على غرة تارة، وتارة أخرى يدفع العناصر المبثوثة وسط السكان لرفع أعلام الاستسلام كلما أطلقت قذيفة مدفع.

تتمة المقال تحت الإعلان

وهكذا حصل في احتلال قصور الزوا ودلدول.

وانبرت قبائل المطرفة للرفض، وتأكد الفرنسيون أن المال سيدفع المطارفة إلى تغيير رأيهم، وكان القبطان فالكونيتي قد استقر في مركز تيميمون رئيسا للإدارة، فأخذ يستدعي بمختلف الوسائل أعيان توات، ويعرض عليهم ظهائر التعيين، بينما الظهائر في علمهم لا يسلمها إلا السلطان.

وبوسائله الخاصة، استطاع فالكونيتي إقناع أحد أقطاب المطرفة، وهو عبد العزيز الحاج أحمد، بقبول منصب القايد.

وربط الفرنسيون هذا التجديد بإلغاء الألقاب والتسميات التي تذكر السكان بأيام نفوذ السلطان، وألغيت اللغة العربية من المراسلات، وأصبح المخزني يحمل اسم الشاوش، وحتى “السخرة” التي كان يستلمها الأعوان، أصبحت تحمل اسم “القهوة” على الطريقة الجزائرية.

وعلى ذكر “القهوة”، يجب التذكير بأنه بعد دخول اسم “القهوة”.. انعدمت النخوة.

وعلى ذكر “القهوة” أيضا، لا بد من التذكير بحادثة طريفة حصلت في خضم الاحتلال ومحو أثار النفوذ السلطاني.. فعندما أعلم القبطان فالكونيتي القايد الجديد عبد العزيز بن الحاج أحمد المطرفي، بتعيينه، بعث له ذات يوم قرار تعيينه، فقالوا له: إن الشاوش المبعوث من طرف سيد القبطان، جاء يحمل رسالة ويطلب “القهوة”، وهي عشرين فرنكا.

ففوجئ القايد المتربي في أحضان نفوذ السلطان المغربي، بهذه التعبيرات الجديدة، “الشاوش” و”القهوة” و”عشرين فرنك”، فقال إن هذا التغيير كثير، وأرعد وأزبد وأخذ يسب “الشاوش” والقبطان، ورفض استلام القرار.

بينما سارعت الحكومة الفرنسية إلى إلحاق إقليم تيدكلت ومركزه عين صالح بالمنطقة العسكرية بالجزائر العاصمة.

وصدرت الأوامر إلى الجنرال سيرفيير بالتوجه إلى عين صالح لتفقد مصالح “رعاياه” الجدد في زيارة خاطفة.

وقد وصل هذا الجنرال فعلا إلى عين صالح يوم 24 جوان 1900، وزار كل مناطق تيدكلت، ثم قرر التوجه إلى توات لقضاء بضعة أيام بها، لكن إحساسه الداخلي جعله يطلب تعزيز القوات المرافقة له.. فقد كان يشعر ويعرف أن توات لن تستسلم بنفس السهولة التي استسلمت بها الأقاليم الأخرى، وكانت دقات قلب الجنرال تقول له الحقيقة.

معارك غشت 1900

    إن العنف الذي استعمله الجيش الفرنسي في احتلال أقاليم كورارة وتيدكلت لم يكن يفرق كثيرا عن العنف الذي يستعمله الوحش الكاسر في نهش صيده اللين الضعيف، وكان ذلك العنف بسرعة باهرة ووحشية كانت الخصلة الوحيدة التي يتميز بها جنود فرنسيون يعيشون بعقلية القرن الثامن عشر، ومجندون جزائريون يبالغون في الوحشية لتقديم البراهين لأسيادهم عن كفاءتهم ومقدرتهم، بينما المدافع الحديثة كانت فرنسا قد أخذت تتفنن في صنعها واستعمالها، دون أن ننسى الظروف التي أخذت فيها فرنسا شارة الضوء الأخضر لاحتلال أطراف المغرب.

وهي عوامل إذا قارناها برد فعل حكومة المغرب، والذي كان متمثلا في الغيبة المطلقة، اتضح لنا نوع المصير الذي لقيه مواطنونا العزل في قصبات الصحراء الشرقية وقصورها.

وقد استطاعت القوات الفرنسية دخول مراكز الحضارة المغربية في الصحراء، في الركان، وسالي، وما احتلته من أراضي إلى غاية نهاية جوان 1900، أصبح جليا لدينا أن احتلال الصحراء الشرقية تم في ستة شهور، وهي فترة نموذجية في السرعة التي تم بها هذا الاحتلال، وهو أمر لم يكن باليسير، أولا، لأن القوات الفرنسية كانت تدخل المنطقة من كل الجهات، شمالا من الكولية وغربا من عين الصفراء وشرقا من حصن “ميريبيل”.

ومرة أخرى، كان هناك عنصر واحد لم تستطع القوات الفرنسية فرض سيطرتها عليه، وهو الإرادة الوطنية الراسخة والكراهية المطلقة للمحتل، والإصرار المتناهي على المقاومة.

المقاومة؟ وأية مقاومة في مناطق أصبحت أرضا مفتوحة لجيوش الكفار ومراكز لنفوذهم، وأوكارا لجواسيسهم وموظفيهم.

إن أول ضابط فرنسي استنشق رائحة البارود والنار في نظرات المواطنين، ضحايا الاحتلال، هو الجنرال سيرفيير، الذي جاء من الجزائر للقيام بجولة استطلاعية في المناطق التي ألحقت بالنفوذ الفرنسي.

واتفق الجنرال مع ضباطه على أن المقاومة المغربية للاحتلال تركزت في قبائل المطرفة ومركزها، ورغم يقين القيادة العسكرية الفرنسية بأن المهمة لن تكون سهلة، فإنها قررت القيام بتجربة حربية قبل اللجوء إلى استعمال الوسائل الكبيرة.

وفي 29 غشت 1900 توجهت إلى المطرفة قوات فرنسية هامة بقيادة القبطان باين، الذي عاد بسرعة بمجرد اشتباك قواته مع قوات المطرفة، وتأكد أن الموقف يتطلب هجوما أكثر تركيزا وأكبر مفاجأة.

وفعلا، عاد لضرب حصار حول منطقة المطرفة مدعوما بقوات أخرى من الجانب الآخر كان يقودها ضابط آخر هو القبطان جاك، الذي جاء على رأس قوات كبيرة من دلدلول، التي أصبحت مركزا عسكريا فرنسيا، وكما تقتضيه الإجراءات العسكرية الشبيهة بإنذار المحكوم عليه بالإعدام بما تنص عليه الأحكام قبل إعدامه، فقد وجه القبطان باين إنذارا إلى سكان المطرفة، وطلب منهم الاستسلام تفاديا لإراقة الدماء.

وجاءه جواب قادة المطرفة وإطارات المقاومة بها غنيا عن كل تعليق.. لقد بعثوا له مرسولا قال له: ((إننا نحن سكان المطرفة، لا نتكلم لغتكم، ولغتنا هي البارود))..

وفهم القبطان باين بسرعة، وأصدر أوامره للمدافع بالإحاطة بالمنطقة وجنوده بضرب الحصار، وتقدم هو بنفسه نحو أسوار المدينة تحت وابل من رصاص المجندين الجزائريين الميحارست، لكن القبطان باين سرعان ما رجع هاربا من فرط ما تهاطل من رصاص عليه وعلى جنوده.

وعاد القبطان باين والقبطان جاك إلى قيادتهما ليبحثا الموقف، وقررا الاستنجاد بقوات ثالثة، جاءت على الفور بقيادة القبطان فالكونيتي، الذي نذكر جميعا أنه استقر في مكتب عامل السلطان في تيميمون، معتبرا أن الحرب انتهت، وأن المغاربة هزموا . وهجمت الفيالق الثلاثة بقيادة الضباط الثلاثة، لكنهم سريعا ما جمعتهم طريق الهروب.

ويقول المؤرخ تيون، الذي عايش هذه المعارك، أن القيادة الفرنسية في الجزائر كانت تتتبع هذه المراحل باهتمام بالغ، وتتساءل وهي لا تكاد تصدق: من أين يستلهم هؤلاء المغاربة قوتهم؟

وانطلاقا من حديث الرسول عليه السلام بأن الحرب خداع، فإن المقاومين المغاربة المجتمعين في المطرفة والمتحصنين بها، اتخذوا من انتصاراتهم في المعارك الثلاثة منطلقا لأخذ الثأر ومسح عار الاحتلال، والانتقام لشرفهم ووطنهم وأولادهم.

وكانت مفاجأة القبطان فالكونيتي كبيرة حينما دخل عليه “شاوشه” ليخبره أن مرسولا من قبيلة المطرفة جاء ليتفاوض في شأن الاستسلام، ويقدم شروط المقاومين للاستسلام.

وسرت دماء النخوة الاستعمارية الإجرامية في عروق القبطان فالكونيتي، الذي اتخذ من تلقاء نفسه مبادرة الجواب بالرفض، ولم يستقبل المبعوث وإنما أبلغه أنه ليست هناك شروط للاستسلام، وإنما الاستسلام بدون قيد ولا شرط.

في تلك الأثناء، كان الجواسيس قد هبوا لمكتب القبطان باين، يخبرونه بوصول حشود هائلة من القبائل البربرية التي جاءت من الأطلس، وجيوش الشرفاء الذين جاؤوا من تافيلالت.. فقد كانت هذه نجدة التضامن الوطني.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى