تحقيقات أسبوعية

قانون | أزمة التشريع بالمغرب بعد دستور 2011

ظهرت إلى الوجود في الآونة الأخيرة بعض التشريعات المنظمة والمؤطرة للعديد من المجالات ذات الأهمية البالغة، الشيء الذي لا يمكن معه تغليب قانون على آخر من ناحية الأهمية، وهذه القوانين منها ما تم نشره في الجريدة الرسمية، وأخرى ما زالت مشاريع تناقش، ويمكن التأكيد في البداية أن القصد بمفهوم القانون ينصرف في هذا المقال إلى المفهوم الواسع، أي عدم حصره في ما يتم إصداره وسنه من طرف البرلمان، بمقتضى الفصل 71 من الدستور المغربي 2011.

بقلم: مراد علوي

    إن المتمعن في الحركة التشريعية المنظمة والمؤطرة للعديد من المجالات، يستشف منها أمرين أساسيين:

تتمة المقال تحت الإعلان

– الأمر الأول: مرتبط بالجانب الكمي لهذه التشريعات، أي تعتبر هذه الفترة من بين الفترات التاريخية في إنتاج القوانين، هذا الإنتاج الكمي الذي اعتبرناه تاريخيا، تؤكده مشاريع القوانين التي تم إعدادها، والتي ترتبط بمجالات استراتيجية في تمثلات المواطن والدولة، كالقانون الجنائي، قانون المسطرة المدنية، وقانون المسطرة الجنائية، إضافة إلى التنظيم القضائي والقوانين المنظمة للسلطة القضائية والقضاة أيضا، كما تم إخراج القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، ولا يمكن حصر القائمة… وهذا يعد دليلا قاطعا على الجانب الكمي الذي لا يعد في كل الحالات معطى إيجابيا، بل يعدو – مع مرور الوقت – حجة على التسرع والارتباك.

أما الأمر الثاني: فهو مرتبط بالجانب الزمني لهاته التشريعات، أي أن دستور 2011 يفرض على المشرع تغييرا جذريا في القوانين لتلائم مقتضيات الدستور، وهذا معطى بديهي لا يحتاج إلى التوضيح، بحيث أن الدستور قد نص على وجوب استكمال كل القوانين التنظيمية قبل نهاية الخمس سنوات الأولى لتفعيل الدستور، أي الولاية الحكومية الأولى بعد الدستور، وهذا كذلك جانب زمني مقيد للمشرع، لكنه لم يتحقق ما دام أن الحكم لم يلتزم بهذا القيد الزمني.

في ضوء هاتين الملاحظتين السابقتين، ينتج عنهما أثران سلبيان:

تتمة المقال تحت الإعلان

– الأثر الأول، يتجلى في إنتاج قوانين ذات صياغة غير دقيقة، تتميز بالركاكة في الأسلوب، وفي المعنى، وهذه الأمور السلبية تسببت فيها الملاحظات العامة السابقة، بحيث وقع المشرع في تقييد كمي وزمني لم تتحمله جودة هذه التشريعات.

– الأثر الثاني: مرتبط بالارتباك التشريعي، والذي في كثير من الحالات يخلط بين كثير من القواعد المنظمة لمجال ما، فمثلا مشروع قانون التنظيم القضائي يضم العديد من القواعد الإجرائية التي ضُمنت فيه نتيجة تجميع غير دقيق لبعض أحكام القانون المحدث للمحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية، هذا الارتباك يظهر أيضا في صياغة مشروع قانون المسطرة المدنية، والذي تم العمل عليه منذ عشر سنوات تقريبا، لكن وفي اللحظة التي اكتمل فيها نصاب أحكامه، تم التراجع عن هذا المشروع بطريقة مرتبكة، خلفت بعض الهفوات، أهمها تناثر النصوص المنظمة للمنازعات الإدارية.

ففلسفة التشريع مهمة جدا لضبط الصياغة التشريعية، وهي مجال بحثي تهتم به الدول الأنجلوسكسونية في جامعاتها، وصياغة التشريع وفلسفته تحتاج من صاحبها الإلمام بالمنطق، واللغة، وكذلك العلوم الاجتماعية، وبعض العلوم الأخرى، ويمكن إرجاع أسباب هذه الأزمة التشريعية إلى العلل التالية:

تتمة المقال تحت الإعلان

– أولا: تغليب المصلحة السياسية في صياغة هاته النصوص، فالحكومة حاولت أن تفتح عدة أوراش لسن تشريعات كثيرة وفي نفس الوقت أيضا، وهذا معطى سلبي يؤثر بشكل كبير في بنية هاته النصوص، ويستنتج من هذا الأمر، أن الهدف هو بالدرجة الأولى سياسي، وهو بذلك إغفال لمصلحة المواطن، والتي لن تتحمل أي هفوة تشريعية، والذي سيتحمل تبعاتها لزمن بعيد، خصوصا وأنها قوانين مهمة وستبقى قائمة عبر الزمن، والمصلحة سياسية تظهر في التخلص من عبء هاته النصوص، خصوصا القوانين التنظيمية، دون أن يعير واضعوها اهتماما لأثرها الاجتماعي السلبي.

– ثانيا: تحيل الفكرة الأولى إلى الأثر الاجتماعي للقانون، والذي لا يراعى حاليا، بل فقط السن المرتبط بالكم دون النظر للفاعلية، ففاعلية النصوص أهم من كثرتها، هذا الأمر كذلك مرتبط بالشكلانية المتفشية في القانون المغربي، متأثرا في ذلك بالتشريع الفرنسي، فالشكل يطغى على الموضوع، وأساليب القانون والتشريع بالمغرب وفرنسا لا تحل لب المشكل، بل تحاول الاهتمام بالبنية الشكلية، فحل المشكل يحتاج دراسة معمقة لأثر قانون المراد سنه في النفوس وفي الواقع الخارجي.

– ثالثا: غياب دور الجامعة في تقويم وتحليل النصوص وجودة ما يقدم، ففلسفة التشريع مهمة جدا لضبط الصياغة التشريعية، وهي مجال بحثي تهتم به الدول الأنجلوسكسونية في جامعاتها، وصياغة التشريع وفلسفته تحتاج من صاحبها الإلمام بالمنطق، واللغة، وكذلك العلوم الاجتماعية، وبعض العلوم الأخرى، وهذا ما لا يتحقق، حيث أن اكتساب هذه المعارف يقتضي درسا أكاديميا رصينا، وللأسف، يغيب هذا المجال في الجامعة المغربية، مثلما تغيب أمور كثيرة.

تتمة المقال تحت الإعلان

– رابعا: عدم فتح نقاش عميق في صياغة القوانين، فحسب الأستاذ نجيب بودربالة (كتاب “القانون بين القبيلة والأمة والدولة”، أفريقيا الشرق، 2015، ص: 294)، فإن غياب النقاش العمومي حول القوانين يؤدي إلى أزمة في النسق القانوني المغربي، أي لا فعلية لهاته النصوص دون وجود نقاش عمومي، فالقانون يصنع من الأسفل لا من الأعلى.

النتيجة، أنه كلما تعمق العقل القانوني في دراسة التشريع تطبيقيا، سيجد أزمة كبيرة في مواكبة التشريع للمجتمع، بل أيضا عدم قدرة التشريع على التحرر من الأنماط الاستعمارية، ومن قيود الكونية، وليكن هذا التطبيق في نظامين تربطهما علاقة أفقية سرعان ما اختلت بسبب التنافر المضموني بينهما، وهما: النظام العقاري المغربي، ومجال الأعمال المغربي.

فأما المجال الأول، فتحكمه نصوص قانونية تضبط تصرفات المجتمع نحوه ضبطا يروم إلى زرع الأمان بين أفراد المجتمع في إطار تشريعي كلاسيكي، في حين يكتشف العقل القانوني أن هاته المعاملات والتصرفات تتجه نحو التخلص من هذا القانون تخلصا تاما ولو كلف هذا المجتمع أن يصارع النص القانوني ويتحايل على مؤسساته، كما أن الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية المنصبة على المغرب، لا تستطيع أن تتخلص من الغوص في أسرار الملكية العقارية، على اعتبار أنها فاعل كبير في كل الموضوعات التي تطرق إليها هؤلاء الباحثون (الشأن القروي، الاستعمار، العرف، الجماعات السلالية، الدين …)، فالمجتمع يُكَولسُ الأحداث بعيدا عن خشبة النص، لكن النص يلاحق هذه الكولسة بضبط النص وتعديله وأحكام بنائه، كأن أحكام النص دليل على كفائيته ونجاعته (كما حدث بالنسبة للوكالة العرفية، والعقد العرفي، والتعامل الإداري الصارم مع الجماعات السلالية…)، إنها تقليدانية تشريعية تحاول ضبط مجال متشعب العلاقات والأعراف، لكنها تزيد هذا المجال تأخرا.

تتمة المقال تحت الإعلان

هل للغة التشريعية في الصياغة الأولى تأثير على الفاعلية؟ وهل الدستور مجال ضامن لتنفيذ القانون؟ فأزمة التشريع بالمغرب، إذن، يمكن حصر معالمها في صياغة غير منضبطة، وفاعلية غائبة.

أما المجال الثاني، فتحكمه نصوص مفتوحة نحو المجهول، تحاول أن تسابق الزمن، وأن تعدل النص القانوني كلما علمت مستجدا في الخارج، لكنها تسقط في المحظور، بأن تنقل كل ما في حوزتها من نصوص ومقتضيات أجنبية دون تمحيص النظر في وجوه تطبيقها بالمغرب.

يرى العقل القانوني، أن قانون الأعمال يحكم معاملات تقنية واقتصادية جد متطورة، تتجاوز مسلمات النظرية العامة للتجارة وتتجاوز حدود البلاد، خصوصا لما اتصلت التكنولوجيا بميدان المال والأعمال اتصال خادم.

تتمة المقال تحت الإعلان

فأضحت نصوص قانون الالتزامات والعقود بعيدة عن هذا المجال المعولم، فبدأ المشرع في محاولة فتح نصوصه نحو أخلاقيات مهنية تنهل من فلسفة قاومت العولمة والحداثة بتحديد أخلاقيات مهنية، وهذا ما حاول أن يقدمه الفيلسوف توماس يوناس في كتابه “مبدأ المسؤولية: أخلاقيات من أجل حضارة تكنولوجية”، حيث وضع مبادئ لمسؤولية رجال الصناعة والأعمال، لكن رغم ما فُرض على المشرع بأن يفتح نصوصه نحو التوجيه والتقويم والتطوير لا الإلزام والأمر والتقليد، لكنه ظل انفتاحا نحو المجهول، نحو تسيد رجال الأعمال على المجتمع والقانون، في أفق تعطيل المنافسة وتشجيع الاحتكار، والنتيجة التركيبية التي يمكن الوصول إليها، هي في حقيقة الأمر سؤال مستفز يمكن صياغته كالتالي: كيف يمكن لنظام عقاري منغمس في التقليدانية القانونية أن تشرع أحكامه باعتبارها وعاء لمجال الأعمال، سواء المالية أو الصناعية، والمتميزة بالمرونة، كما أنها عابرة للحدود ومكسرة للزمن، وبل منقلبة على تقليدانية النص؟

نتيجة النتيجة لما تحدثنا عنه سابقا، يجعل التفكير في القانون ومآلاته المتعددة متطلبا حاسما لإنهاء هاته الأزمة، التي تؤثر لا محالة في مستقبل المغرب التشريعي، فلابد من طرح أسئلة استنكارية كمنطلق لفهم الواقع وتغييره، من قبيل هل للغة التشريعية في الصياغة الأولى تأثير على الفاعلية؟ وهل الدستور مجال ضامن لتنفيذ القانون؟

فأزمة التشريع بالمغرب إذن، يمكن حصر معالمها في صياغة غير منضبطة، وفاعلية غائبة.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى