شخصيات

بورتريه | رحلة عباس الجراري.. من “المسيد” إلى خدمة القصر والأدب

الرباط – الأسبوع

    رحل المستشار الملكي السابق والأديب عباس الجراري عن عمر ناهز 87 سنة، تاركا وراءه سجلا حافلا بالعطاء وإرثا فكريا وعلميا غزيرا، كما كان يقوم بعدة أدوار بتكليف من القصر الملكي، خاصة على مستوى المشهد الثقافي والأدبي، وحتى السياسي.

ولد الدكتور عباس الجراري سنة 1937 بالعاصمة الرباط، لكنه ينحدر من قبائل أولاد جرار في إقليم تزنيت حيث تلقى تكوينه في الفترة الاستعمارية الفرنسية رفقة إخوانه وأخواته، وعاش بدوره فترة المقاومة الوطنية، وتربى وسط أسرة محافظة متمسكة بالهوية المغربية والدينية.

تتمة المقال تحت الإعلان

تلقى الراحل عباس الجراري تعليمه الأولي في الكتاب القرآني، ثم التحق بمدرسة “الليمون” التي كانت تحت إشراف إدارة الاستعمار، ثم انتقل إلى ثانوية اليوسفية العمومية، التي كانت تستقطب العديد من الوجوه الوطنية التي ساهمت في بناء المؤسسات بعد الاستقلال.

وانتقل الطالب عباس الجراري إلى جامعة القاهرة بمصر بعد حصوله على شهادة الباكالوريا سنة 1957، ليحصل على الإجازة في اللغة العربية سنة 1961، ثم شهادة الماجستير سنة 1965، ثم الدكتوراه في تخصص الآداب سنة 1969، وواصل مساره الدراسي الجامعي في جامعة السوربون الفرنسية التي حصل فيها على شهادة الدكتوراه.

وفي سنة 1966، التحق الجراري بجامعة محمد الخامس بالرباط، ليتم انتخابه رئيسا لشعبة اللغة العربية وآدابها سنة 1973، كما انتخب عضوا في اللجنة الإدارية للنقابة الوطنية للتعليم العالي، وفي مكتبها التنفيذي في الفترة ما بين 1969 و1973، وفي سنة 1979 عينه الملك الحسن الثاني أستاذا في “المدرسة المولوية” التابعة للقصر الملكي، وتكلف بتدريس الأمراء التربية الإسلامية، والتربية الوطنية، وبعض المواد مثل الفكر الإسلامي، والنصوص الأدبية، كما عين مديرا للدراسات الجامعية والعليا لتكوين أطر التدريس في جامعة محمد الخامس، ثم عين عميدا لكلية الآداب في جامعة القاضي عياض بمراكش في سنة 1980، واختير مديرا للدراسات الجامعية والعليا لتكوين أطر التدريس في الجامعة سنة 1982، وشغل عضوية أكاديمية المملكة، والمجلس العلمي الإقليمي لولاية الرباط سنة 1983، ورئيسا لوحدة آداب الغرب الإسلامي للدراسات العليا سنة 1998، ثم رئيسا للمجلس العلمي بالرباط.

تتمة المقال تحت الإعلان

وشكل تعيين الجراري من قبل الحسن الثاني في الديوان الملكي سنة 1999، نقطة ضوء مهمة في مسار الرجل، والتي جعلته يحظى بثقة القصر الملكي وبثقة الملك محمد السادس، الذي اختاره كمستشار ملكي سنة 2000، نظرا لتجربته العلمية والمهنية الكبيرة، التي جعلته يصبح من أبرز المستشارين في القصر الملكي، إذ كان له حضور ووزن كممثل للقصر في العديد من الأنشطة الثقافية والفكرية، الوطنية والدولية.

وحصل الراحل على العديد من الأوسمة والجوائز التكريمية نظير مساهماته العلمية والأدبية، على الصعيد الوطني والعربي، من أبرزها وسام الاستحقاق في مصر سنة 1965، وسام العرش من درجة فارس سنة 1980، وسام المؤرخ المغربي سنة 1987، وسام العرش من درجة ضابط سنة 1994، وسام الكفاءة الوطنية من درجة قائد 1996، وسام العرش من رتبة ضابط كبير 2016، ميدالية أكاديمية المملكة المغربية سنة 1990، جائزة الاستحقاق الكبرى سنة 1992، وسام من جمهورية تونس سنة 2000، ووسام منظمة الإيسيسكو من الدرجة الأولى سنة 2006، ثم وسام الكوكب الأردني سنة 2010.

وقد طبعت حياة المستشار الملكي عباس الجراري تحمله عدة مسؤوليات ومهام، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، كخبير متخصص في المنظمة العربية للثقافة، وعضو في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم “الإيسيسكو”، والمنظمة الإفريقية للثقافة، ورئيسا لجمعية العلاقات المغربية الأمريكية، ورئيس لجنة التعريف بالثقافة المغربية في الخارج، وعضو مجمعي اللغة العربية في القاهرة ودمشق.

تتمة المقال تحت الإعلان

كان المرحوم الجراري أستاذا محبوبا لدى طلبته في الجامعة الذين صاروا متعلقين بمحاضراته رغم أنهم صاروا أساتذة أكاديميين، لكونه كان يفتح باب النقاش مع طلبته في مواضيع متنوعة وفي مختلف القضايا، علاقة يسودها الاحترام المتبادل والتواضع من قبل عميد الأدب المغربي، بسبب أخلاقه التي جعلته يحظى بمنزله رفيعة عند الجميع.

وترك الجراري إرثا فكريا وثقافيا كبيرا من خلال العديد من الكتب والمؤلفات، تنوعت بين الدراسات المغربية، والتراث الشعبي، والأدب العربي الإسلامي، والتاريخ الأندلسي، والفكر الإسلامي، ومن أبرز المؤلفات: قصيدة الزجل في المغرب، الحرية والأدب، الثقافة في معركة التغيير، موشحات مغربية، النضال في الشعر العربي، قضية فلسطين في الشعر المغربي حتى حرب رمضان، عاشوراء عند المغاربة، القدس الشريف والإصلاح المنشود، الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه، الذات والآخر، ثم أصدر سيرته الذاتية بعنوان: “رحيق العمر”.

وأشاد الملك محمد السادس في برقية تعزية لأسرة الفقيد، بخصال وكفاءة الراحل الجراري، وما كان يحظى به من احترام وتقدير كبيرين من لدن المثقفين والأكاديميين في المغرب، وفي العالم العربي والإسلامي، فضلا عما كان يتمتع به من نزاهة فكرية وكفاءة عالية، واقتدار مكين في سائر المهام الجامعية والسامية التي أنيطت به.

تتمة المقال تحت الإعلان

واعتبر الملك أن “رحيل الفقيد العزيز لا يعد خسارة لأسرتكم الموقرة فحسب، بل إنها خسارة أيضا للمغرب الذي فقد برحيله شخصية أكاديمية فذة مشهود لها بغزارة العطاء في المجالات العلمية والأدبية والدينية، مستحضرين بكل إجلال، ما كان يتحلى به الفقيد من دماثة الخلق، ومن خصال رجال الدولة الأوفياء والعلماء الأجلاء، ومن غيرة وطنية صادقة، حيث كان، رحمه الله، مثالا يحتذى به في التشبث بثوابت الأمة ومقدساتها، والتعلق المتين بالعرش العلوي المجيد”.

هذا، وشهدت جنازة عباس الجراري حضور المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، وعبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، ومحمد ياسين المنصوري مدير المديرية العامة للدراسات والمستندات، وأحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعبد الحق المريني، مؤرخ المملكة الناطق الرسمي باسم القصر الملكي.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى