تحقيقات أسبوعية

للنقاش | مقارنة بين التجربة الأندلسية والتجربة الفلسطينية..

هل يعيد التاريخ نفسه ؟

تستأثر الأندلس والقدس بمكانة خاصة ومتميزة في الوجدان العربي تحديدا، ولأنهما كذلك، فقد طرحت “تراجيديا” الأندلس و”دراما” القدس في ملفات وأعداد خاصة ضمن المجلات والدوريات والصحف العربية بمختلف تلاوينها واهتماماتها، وإذا كانت عادة الطرح تسير في منطق الانفصال و”الأحادية”، أي دراسة كل مادة بمعزل عن الأخرى.. فهل حدث وتساءلنا حينها عن مدى وإمكانية تعالق التيمتين ؟

بقلم: ذ. محمد جباري
أستاذ باحث في التاريخ والفكر

    بين الأندلس وفلسطين تقاطعات على أكثر من صعيد: موقع جغرافي مغري، وحضور متميز في الذاكرة العربية، ثم – وهذا هو الأهم – وضع مهترئ ومهزوز.. عاش الأندلس وتعيش فلسطين على الأمل.

لقد كتب الكثير، وما يزال وسيستمر، حول فلسطين، في محاولة جادة ومستميتة لإثارة الانتباه واستنهاض الهمم حيال الأخطار “الشاذة” التي تتهددها يوما بعد يوم راسمة حاضرا مؤلما ومستقبلا قاتما.

تتمة المقال بعد الإعلان

تأسيسا على ذلك، سنحاول في هذا المقال الانزياح به عن “تقليدانية” القراءة لإشكالية فلسطين، وتكسير نمطية العرض “المفصول” لها كما ذكرنا، وذلك وفق منهج تركيبي يجمع خلاصة التجربتين الأندلسية والفلسطينية، في إطار مقاربة مقارنة دون الغوص في الأحداث والتفاصيل التاريخية التي تعج بها كتب التاريخ.

 

الأندلس بين الانقسام الداخلي والتهديد الخارجي

تتمة المقال بعد الإعلان

    بعد اندثار الدولة الأموية، عاشت الأندلس على إيقاع ملوك الطوائف بداية نهايتها، فلم نعد نتحدث عن الأندلس ككتلة واحدة متماسكة ومتجانسة الأهداف والمصالح، بل حل ما يمكن تسميته بـ”المدن الدول-polis” المستقلة والمتنابذة فيما بينها، فقد أصبحت التجزئة أمرا واقعا ميز مرحلة ملوك الطوائف، هذا في الوقت الذي عقدت فيه الملكية الكاثوليكية العزم على ضم وسحق الإمارات الأندلسية تباعا، من خلال تسريع زمن “حروب الاسترداد” وتشديد الحصار على حكامها، وإذا كانت الضرورة التاريخية تحتم على ملوك الطوائف الاتحاد والتكتل لصد العدو “الكافر” المشترك، فإن الأنانية واستحكام الأطماع الشخصية والعداوة المضمرة لبعضهم البعض، حملتهم على التحالف مع ذاك العدو، والتنازل له عن قلاع وحصون مع الالتزام بدفع “الجزية”، بل تمادت زوجات وأبناء بعضهم إلى الارتماء في أحضان ملوك قشتالة والتسمي بأسماء صليبية.

من ناحية أخرى، لم تكن العمليات الجهادية المغربية (المرابطية والموحدية ثم المرينية) بقادرة على كبت المد الإيبيري على الديار الأندلسية، نظرا لطابعها الدفاعي والظرفي، على أنها سمحت للأندلس بالاستمرار لبرهة من الزمن، إلى أن دب الوهن في الكيان المغربي على العهد المريني والوطاسي، فتداعت على إثره الدويلات الأندلسية، بينما دخلت غرناطة في حالة احتضار سلامتها معقودة ومتوقفة على المساعدة والاستغاثة بالعالم الإسلامي، والتي لم تأتها ولم تلب أبدا، فكان الاستسلام والإفراغ أمرا حتميا.

هذه النهاية المأساوية التي آلت إليها غرناطة، ونجاح “حرب الاسترداد” في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، تتحمل فيها الذات جانبا من المسؤولية.. فقد كان لتدخل النساء في السياسة دورا رئيسيا في جملة من الأحداث الخطيرة التي عصفت بغرناطة، حيث قاد التنافس والصراع بين “عائشة الحرة” و”ثريا”، إلى انشطار المجتمع إلى معسكرين متضادين: طرف يناصر “عائشة”، وحزب آخر يصطف إلى جانب “ثريا”، لكن “عائشة الحرة” نجحت في التغلب على خصمها، وتمكنت من تنصيب ابنها أبو عبد الله الصغير ملكا على غرناطة.

تتمة المقال بعد الإعلان

وعندما خرج أبو عبد الله الصغير من الأسر، ألفى عمه (الزغل) متوليا كرسي الملك، فشن عليه حربا، بتأييد من النصارى، أجبرت الغرناطيين مرة أخرى على إعلان مواقفهم من الأطراف المتصارعة، فعاد الانقسام مجددا ليفتت وحدة وتماسك المجتمع، مما تسبب في إنهاك واستنزاف قوة غرناطة.

وبالفعل، فقد استغل التحالف الكاثوليكي هذه الحالة، وزحف على العديد من القلاع والحصون، وضرب حصارا على غرناطة لم يجد معه أبو عبد الله الصغير بدا من الاستسلام وتسليم مفاتيح المدينة للكاثوليك.

الأندلسيون وموجة التنصير والمعاناة

تتمة المقال بعد الإعلان

    على الرغم من معاهدة الاستسلام التي بموجبها سلم عبد الله الصغير مفاتيح غرناطة عام 1492م، كآخر معقل إسلامي بجزيرة إيبيريا، والتي تضمنت جملة من البنود القاضية بتمتيع المسلمين بحقوقهم الكاملة كما في عهد الحكم الإسلامي بها، بيد أنه ما كاد يمر وقت قصير حتى أخلت إسبانيا بتعهداتها المذكورة، وانطلقت حملات التنصير والإدماج القسريين في الدين والثقافة الإسبانية الكاثوليكية.

في هذا السياق، تأتي محاكم التفتيش لملاحقة المسلمين وفصلهم عن عقيدتهم وثقافتهم الإسلامية، منتهجة في ذلك سبيل الإكراه والقهر والاضطهاد وحضر اللغة العربية، ويروي لنا المؤرخ المجهول تلك المعاناة واصفا ذلك بالقول: ((… ثم بعد ذلك، دعاهم إلى التنصر وأكرههم عليه(…) فدخلوا في دينه كرها، وصارت الأندلس كلها نصرانية، ولم يبق من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله جهرا، وجعلت النواقيس في صوامعها بعد الآذان وفي مساجدها الصور والصلبان.. فكم فيها من عين باكية، وكم فيها من قلب حزين، وكم فيها من الضعفاء والمعدومين.. قلوبهم تشتعل ودموعهم تسيل سيلا غزيرا مدرارا، وينظرون إلى أولادهم وبناتهم يعبدون الصلبان ويسجدون للأوثان، ويأكلون الخنزير ويشربون الخمر.. فيا لها من فاجعة ما أمرها ومصيبة ما أعظمها وأضرها وطامة ما أكبرها)).

القدس ودراما التهويد الممنهج

تتمة المقال بعد الإعلان

    في أفق تنزيل الرواية التاريخية المزعومة، وضعت السلطات الإسرائيلية خطة تهويد واسعة للقدس، يمكننا إجمالها في ثلاثة مشاريع كبرى:

1) مشاريع ذات بعد عمراني تعميري: ينطلق هذا المشروع بمصادرة منازل وأراضي الساكنة المقدسية، وتهديم المنازل بدعوى عدم توافرها على رخص البناء، رخص تعلم إسرائيل – قبلا- أنها يصعب تحصيلها، نظرا لطبيعة المسطرة الإسرائيلية الصعبة والمعقدة في هذا الشأن، مما يدفع بالمقدسيين- بشكل طبيعي – إلى هجرة داخلية أو خارجية، فيصبح المجال فسيحا للسلطة الإسرائيلية لتشييد المزيد من المستوطنات وتمددها المخيف على حساب الأحياء القديمة.

2) مشاريع ذات بعد ديموغرافي: سعيا منها لتطويق القدس، أقامت إسرائيل جدارا يعزل القدس عن محيطها الفلسطيني، ويمزق العلاقات العائلية والاجتماعية لساكنة القدس، فرهان تحقيق غلبة ديموغرافية يهودية بالقدس، حمل السلطات الإسرائيلية على تشجيع حركة الهجرة لليهود نحو السكن في القدس، وذلك بتخصيص امتيازات وتسهيلات مغرية لهم، إلى جانب نقل الثقل الاقتصادي إلى القدس الغربية، وزيادة الضغط الضريبي على المتاجر والمصانع في الشطر الشرقي للقدس، ناهيك عن خطة التهجير للمقدسيين التي أعدتها إسرائيل بناء على فقرات ومواد قانونية، تستغل بشكل ذكي لسحب أو منح بطاقة الإقامة، وذلك في إطار شرعنة وتغليف ممارساتها/ انتهاكاتها بغلاف قانوني.

3) مشاريع ذات بعد حضاري: لم تسلم مقدسات المسلمين ومعالمهم الحضارية بالقدس من عملية التهويد الممنهج، فالمصادرة والمحو والاعتداء والتدنيس يطال كل آثار أو مؤشر دال على الهوية والثقافة الإسلامية، التي ترنو إسرائيل إلى طمسها وإتلافها أملا لفصل الذات عن مقوماتها الهوياتية. في مقابل ذلك، تجري أبحاث وحفريات صهيونية تجتهد في العثور على بقايا وآثار تسند الادعاءات والمزاعم التاريخية الإسرائيلية، كما يتم في الاتجاه ذاته، استبدال أسماء الأماكن والأحياء والشوارع بأخرى عبرية.

ضياع الأندلس وتداعي فلسطين.. نحو بناء الصورة

    لعل نظرة سريعة على كرونولوجية الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، والتطورات الأخيرة التي عرفها، وموقف عالمنا العربي من القضية، كافية لإعادة تحيين واسترجاع حلقات ضياع الأندلس، ومساءلة الذات العربية عن حقيقة إدراكنا لسيناريو الضياع وقراءتنا المتفحصة والواعية لفصوله، التي تكاد تتماهى مع المشهد المأساوي الذي ينذر بفقدان فردوس آخر، ألا وهو “فردوس القدس”. طبعا في كلتا الحالتين، الأندلس وفلسطين، يصنف العدو على درجة عالية من القوة والحزم والإصرار و”الشوفينية”، فيما الاختلاف كامن في الفرق بين الطرف الأندلسي، ونقصد هنا النخبة السياسية الحاكمة وليس الشعب، المتخاذل والخنوع والمستسلم لرغبات وأطماع الأجنبي، وبين الجانب الفلسطيني المدافع باستماتة وبسالة وإيمان وطني يندر قرينه عن قضية أرض وهوية، في ظل عدم تكافئ صارخ في موازين القوى.

من المعلوم، أن القضية الفلسطينية تعرضت لنكبات ونكسات، ثم لحملات تطهير وتنكيل وتدمير منذ “وعد بلفور” المشؤوم 1917، الذي “شرعن” الطموحات والحلم الصهيوني في إنشاء وطن قومي لليهود بفلسطين، وإذا كان هذا الحلم قد صار واقعا، فإن تمدد الاستيطان الصهيوني على حساب الأراضي الفلسطينية، وتشريد أهاليها، وفرض حصار على سكان غزة، وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل مؤخرا، يعتبر تحولا وتطورا خطيرا يهدد مستقبل الوجود الإسلامي بالأراضي المقدسة، التي لطالما شكلت على مدار التاريخ الإسلامي رمزا دينيا حافلا بالمعاني والدلالات الراسخة في ذاكرة المسلمين كافة.

عندما نبحث عن أسباب سقوط وضياع الأندلس، نجد أن جزء من المسؤولية (الأندلسيون يتحملون مسؤولية كبيرة أيضا فيما حل بهم) يعزى إلى العالم الإسلامي، عندما “أدار الظهر” وتقاعس عن الاستجابة لنداءات واستغاثات الأندلسيين، بل الأدهى من ذلك، أن أحد السلاطين المسلمين نكث وعده للموريسكيين وتحالف مع عدوهم الكاثوليكي، وهذا ما عبر عنه المؤرخ المجهول: ((فلما قام الموريسكيون تراخى عما وعدهم به، وكذب عليهم غشا لهم ولدين الله تعالى، ومصلحة لملكه الزائل، وكانت بينه وبين النصارى مكاتبات، وآخر أوقع بهم وأوشى بهم لدى الملك الإسباني فيليب الثاني)).

إذا كان هذا حال العالم الإسلامي آنذاك مع نكبة الأندلس، فإن العالم العربي لم تتعد علاقاته وردود فعله تجاه صيحات الفلسطينيين، البيانات “الروتينية” التي لا تسمن ولا تغني من جوع، كلما تكالبت عليهم حملات التطهير والقتل والتنكيل والتخريب والاستفزازات الإسرائيلية، وكأننا تطبعنا واستأنسنا بالنداء الفلسطيني، تحت تأثير ألفة ردة الفعل والآفاق المسدودة التي وصلها تدبير ملف فلسطين، لكن وحتى يتلون تشخيصنا بقدر من الإنصاف، نقول أيعقل أن نسعى لتحرير فلسطين من عالم عربي ضعيف، متهالك البنيان، يعتمد في كل متطلباته وتدبير مشروعاته على أياد وخبرات أجنبية، واستمراريته مرهونة بالخارج، وقد سبق أن أكد هذه “الحقيقة” السياسي المصري سعد زغلول، عندما اعتبر أنه لا فائدة من التحالف مع دول هي بمثابة إضافة صفر إلى صفر.. هذا إذا علمنا في المقابل أن الخصم الذي يتعين مجابهته، يحوز من الوسائل والسلاح والقوة والرهبة ثم المساندة والدعم الدولي الغربي، ما يجعل حتى كل محاولة تفكير في مبارزته تأبى بفشل ذريع ولا تستقيم من أصلها، ولنا في هذا الصدد في تاريخنا القريب، نكبات ونكسات ذكرى وعبرة.

إن تذكيرنا بضياع الأندلس، ومحاولتنا الدمج بين هذه التجربة الثابتة في المخيال الإسلامي، ونظيرتها الفلسطينية الراهنة المتهاوية، يعد محاولة لإعادة قراءة القضية الفلسطينية وفق مقاربة مغايرة وجديدة لما هو منجز في هذا الموضوع، فضلا عن تذكير ضمير العالم الإسلامي أو بالأحرى العربي، بحساسية اللحظة التي تشهدها فلسطين، والتطورات الخطيرة التي تطالها، والتحذير من مغبة التهوين من المسألة، حتى لا نكرر تجربة أمرّ فنضيع القدس، ثم نتباكى بعدها على فردوس ندعوه هو الآخر “الفردوس المفقود”!

عموما، يمكن القول أن مسلسل “ضياع فلسطين” قد عرض وشاهدنا على شاشاتنا العربية أكثر من نصف حلقاته الدراماتيكية، كما سبق وأخبرنا التاريخ عن تلاحق سقوط الإمارات الأندلسية متتالية، فليس في الأمر إذن، سوى اختلاف في الجغرافيا والأدوار والأزمنة مع الاحتفاظ بذات السيناريو، فمن جهة الأندلس، هناك فلسطين، ومن جهة الكاثوليكية ثمة الصهيونية.. وهكذا نستمر في مشاهدة ومتابعة المسلسل منتظرين الحلقة الأخيرة، لنختار له اسما جميلا على شاكلة “الفردوس المفقود”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى