المنبر الحر

المنبر الحر | ثقافة استثمار الأزمة في التعليم

بقلم: بنعيسى يوسفي

    لا أحد يمكن أن ينكر أن قطاع التربية والتعليم في الوقت الراهن يعيش أزمة حقيقية، ويمر من ظروف عصيبة بسبب العديد من المشاكل التي يتخبط فيها منذ مدة ليست باليسيرة، وأيضا بسبب تراكم الملفات التي لم تعرف طريقها إلى الحل، وانطبق عليها القول “كم حاجة قضيناها بتركها”، إلى أن خرج النظام الأساسي إلى الوجود، واعتبر بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس، فازداد الوضع تفجيرا وتعقدت الأمور أكثر فأكثر، وخرجت الشغيلة التعليمية تحتج رافضة لمضامينه وبنوده التي تتعارض تماما، ليس مع مصلحة ووضعية وكرامة نساء ورجال التعليم وحسب، بل وحتى مع متطلبات ومقومات إصلاح المنظومة التربوية والتعليمية التي تراهن عليها الوزارة المعنية في إطار خارطة الطريق التي تعقد عليها الوزارة المعنية آمالا عريضة لجعل المدرسة العمومية المغربية تتبوأ المكانة اللائقة بها بالمقارنة مع باقي دول العالم، وتوخيا لتحقيق الجودة المنشودة، لكن يبدو أن هذه الخريطة فقدت البوصلة وأضلت معها الجهات المعنية الطريق بفعل سوء تقديرها للمرحلة وقراءتها الخاطئة للوضعية، مما جعل القطاع يعيش على فوهة بركان، وأدخلته بذلك في احتقان غير مسبوق أدى الجميع الثمن غاليا، في الوقت الذي كان من الممكن تدبير المرحلة بتصور واستراتيجية مخالفة وهادئة ومنصفة بإشراك المعنيين في الحوار مباشرة والاستماع إلى كل مساعيهم ومتطلباتهم، لكن كان للوزارة الوصية والحكومة رأي آخر..

ولا شك أن ما أثار انتباه الجميع في سياق هذه الأزمة، هو الطريقة التي سلكتها الحكومة مع النقابات الأكثر تمثيلية لإخراج هذا النظام الأساسي إلى الوجود، تلك الطريقة التي خلّفت الكثير من النقاش وأثارت الكثير من الجدل والردود، ولماذا تمسَّكت الحكومة بمبدأ الحوار مع النقابات فقط؟ في الوقت الذي وُلدت فيه تنسيقيات من رحم هذه الأزمة مطالبة بأحقيتها في الحوار عوض تلك النقابات التي لم تظهر الشجاعة والجرأة اللازمتين لتحقيق مكاسب مهمة للشغيلة التعليمية، وأظهرت في خطاباتها تماهيا واضحا مع خطاب الحكومة، مما أثار شكوك وحفيظة الشغيلة التعليمية ومعها هذه التنسيقيات التي أصبحت تؤطرها، والتي لم تتم الاستجابة إلى دعوات الجميع لإحضارها بجانب إحدى النقابات إلا بشق الأَنفس وفي الوقت الميت، وعرفت الأمور شدا وجذبا بين المكون النقابي الفسيفسائي الذي يبدو أنه ليس على قلب رجل واحد البتة، والحكومة في شخص اللجنة الوزارية، إلى أن وصلنا إلى اتفاق 26 دجنبر 2023 مرورا باتفاقات أخرى لا مجال للعودة إليها، فصار ما صار، فانشطر حياله رجال ونساء التعليم شطرين، فمنهم من خاب أملهم فيه جملة وتفصيلا من منطلق أن هذا المسار النضالي الطويل الذي لم يشهد المغرب مثيلا له، كان من الأجدر أن يُستغل استغلالا ناجعا وفعالا لانتزاع مكتسبات أكثر عمقا، لأن هذه الفرصة ربما لن يجود الزمن بمثلها مستقبلا، وبالتالي، كل ما تهلل به النقابات والحكومة من نتائج لا يخرج عن دائرة الفتات وينسحب عليها المثل القائل “تمخض الجبل فولد فأرا”، وقرروا بذلك الاستمرار في المعركة إلى أجل غير مسمى، ومنهم من قبِل به على مضض رأفة بأبناء الشعب، الذي ضاع منهم – رغما عنهم – زمن مدرسي كبير، أو من قناعته بأن الأفق أصبح مسدودا ولا يمكن أن ينتزع من “المكتسبات” أكثر من هذه التي دُبِّجت في هذا المحضر البئيس الأخير، أو لاعتبارات أخرى أهلها أدرى بها، أو في انتظار ما ستؤول إليه الأمور في المدى المنظور على الأقل، وحينذاك فلكل مقام مقال.

تتمة المقال بعد الإعلان

فلا أحد يمكن أن يجادل في كون المنظومة التربوية في المغرب في الآونة الأخيرة، مرت من امتحان عسير، أنتج أزمة عميقة بين كل عناصرها بدون استثناء، والآن، وبعد أن بدأت بوادر انفراج الأزمة تلوح في الأفق، ويمكن أن تعود المياه إلى مجاريها بشكل تدريجي، عاجلا أو آجلا، فما يجب القيام به الآن هو الشروع في استخلاص الدروس والعبر، وأن يتم استثمار هذه الأزمة إيجابيا حتى لا تتكرر كل تلك الأخطاء التي ارتكبها كل طرف من أي جهة كانت في المستقبل، فالسقوط في الأزمة ليس عيبا في حد ذاته، بل العيب هو الاستسلام لها، والأزمة في حد ذاتها تحمل في تجاويفها أبعادا إيجابية رغم أنها تحيل ظاهريا على أن هناك شيئا ليس على ما يرام، لكن في ذات الوقت هي فرصة لاستئصال الورم وما يحيط به، في محاولة لإعادة بناء وتجاوز الأسباب والعوامل المفضية إلى المرض، فالتاريخ حافل بتجارب متعددة للأزمات التي حدثت في دول متعددة  وكادت أن تنهار معها هذه الدول نفسها أو أنظمتها السياسية أو المالية أو الاقتصادية أو ما شابه من مجالات أخرى، ومع ذلك تنهض من جديد وبقوة، وتتجاوز الأزمة وتؤسس لمرحلة جديدة، فصحيح أن الأمر يقتضي حلولا مبدعة وتظافر جهود النخبة المفكرة حسب المجال المستهدف، وقراءة متروية ومتأنية للأزمة وخيوطها في إطار تشخيص علمي عقلاني وواقعي يجعلك تضع اليد على الجرح أو على الداء، حتى يتم اجتراح خطة مدروسة وتسخير الإمكانيات الملائمة لإيجاد حل أو مخرج لها في النهاية، وأي تلكؤ أو تماطل في تفكيك خيوط هذه الأزمة وتبديدها، يجعلها تعمِّر أكثر من اللازم، وبالتالي، تصعب حلحلتها أو تذويب جبل الجليد الذي قد يحيط بها، وهذا ما تترتب عنه تداعيات وتبعات وخيمة على ذلك القطاع الذي تنخره هذه الأزمة ومعه من طبيعة الحال العنصر البشري الفاعل فيه كل حسب مجال تخصصه، ومع السيرورة الزمنية، قد يصبح ما يمكن اعتباره حلا اليوم، هو جزء من أزمة مستقبلية مع تطور الحياة والتقدم التاريخي، وهكذا دواليك، وبالتالي، ما يجب الاشتغال عليه اليوم هو كيف يمكن أن نؤسس لثقافة تجاوز المحن والأزمات واستثمارها في الاتجاه الذي يعطيك مناعة قوية لمجابهة ما قد تحبل به الأيام في المستقبل .

لا نختلف في كون ثقافة تدبير الأزمة أو استثمارها إيجابيا في المستقبل، عمل يحتاج إلى مجهود فكري وعلمي كبير، ذلك أنه في الدول المتقدمة، تُعطى أولوية كبيرة لهذه المسألة، وهناك منها من تدَرِّسها في بعض معاهدها إيمانا منها بأن السقوط في الأزمات وارد، فلذلك لا مندوحة دائما في البحث عن آليات الحل والتجاوز، والمغرب لم يراكم تجربة كبيرة في هذا الشأن، لهذا ترى أن أغلب القطاعات فيه تشكو من أزمات ومشاكل عميقة، ويبدو أن ليس هناك مبادرات أو نية لدراسة هذه الأزمات المستحكمة في قطاعات متعددة وتجاوزها، لأن هناك من يستفيد من هذه الأزمة وإطالة أمدها لتخدم مصالحه والاقتيات عليها، وهذا هو جوهر الإشكال في هذه البلاد، حيث غياب الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، لذا يحدونا أمل عريض، انطلاقا مما يعرفه قطاع التربية والتعليم اليوم من وضع لا يحسد عليه، أن تراجع الدولة أوراقها، وأن تضرب بيد من حديد على كل من ثبت استثمار أي أزمة لصالحه لتحقيق مآربه الشخصية في تضييع سافر وجائر لحقوق الغير، وأن تجعل من أزمة التعليم هاته درسا للجميع، ومرجعا يمكن العودة إليه في القضاء على الفساد المستشري في قطاعات متعددة، مما يرهن تقدم هذه البلاد إلى أجل غير مسمى.

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى