الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | المعركة التي مهدت لاستعمار المغرب

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 62"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    لاشك أن العامل إدريس الشرادي، الذي لم يكن أحد يشك في صفاء نيته وإخلاصه على خلاف عامل سفيان، محمد المراكشي، قد استوعب الموقف، وسلم نفسه للجهاد، وكان لا يرغب في أن يخوض الحرب مع الفرنسيين من موقف ضعيف.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن أهم ما خلفه من رسائل استنفار، هذه الرسالة المؤرخة بـ 17 مارس 1900، وفيها يستعمل نفوذه المستمد من نفوذ السلطان، ويتوجه بالأوامر إلى القبائل باسم السلطان، متجاوزا في الواقع أوامر السلطان وكل الوسائل في ظروف كهاته مسموح بها إن لم تكن مفروضة.

تقول رسالة العامل الشرادي:

((يا سكان ايحماد، وقوادها وشرفاءها وعلماءها والمرابطين:

لقد أمرنا مولانا المؤيد بالله أن ندخل إلى عين صالح التي يتواجد بها جيراننا الفرنسيون، ولقد أعطى أوامره بإخبارهم لمندوبه في طنجة، الحاج محمد الطريس، وهو يأمركم بالالتحاق بنا لمساندتنا، فأسرعوا بالمجيء، فقد بلغنا أن النجدات الفرنسية وصلت لمزاب.

فاجمعوا قومكم وتعالوا؛

اجعلوا عيونكم على رسالتي وأقدامكم على سروجكم؛

عجلوا، فالعجلة مفروضة؛

وأنت يا القايد محمد بن عبد الرحمان، قايد تيمي، خذ بالك من ولدنا يخلفنا هناك، وقل لابن أختنا أن يرسل إلينا الورق الموجود في الصندوق، فقد نفذ الورق عندنا)).

إن كل شيء قد يكون غريبا في ظروف كهاته إلا نفاذ الورق.. فقد نفذ الورق للعامل الشرادي من كثرة ما بعثه من رسائل، ولا شك أن المداد قد نفذ أيضا، ولكن المدد من الشعب ومن الله لا ينفذ أبدا.

وهي وثائق تخلد أروع أمجاد التعبئة لمحاربة عدو محتل قابع على بعد بضع كيلومترات من حصن إينغار، ثم إن دعاء العامل الشرادي بلغ أوجه من خلال هذه الرسالة الأخيرة، حيث أعطى لتعليمات السلطان بالتفاوض مع الفرنسيين، طابعا تفرضه الظروف، فأصبحت المفاوضات حربا، وسواء رضي باحماد عن هذا التأويل أو لم يرض، فإن الوضع لم يكن يبرر التفاوض على أية حال.

إلا أن العامل الشرادي ارتكب غلطة فادحة ستكون لها عواقب وخيمة، ففي غمرة الحماس الوطني والتجنيد الشعبي في إينغار، كانت تصله – عن قصد أو عن غير قصد – أخبار خاطئة.

لقد ذكر في رسالته الأخيرة، أن الجنود والإمدادات الفرنسية قد وصلت إلى مزاب، والحقيقة أنها كانت قد وصلت إلى عين صالح، حيث وصلت قوات هائلة يوم 14 مارس 1900 بينما كانت رسالته محررة بتاريخ 17 مارس.. وهكذا فإنه لم يضع إمضاءه وطابعه على هذه الرسالة الأخيرة حتى فوجئ بما لم يكن له في الحسبان.

17 مارس 1900.. معركة إينغار

    إن الحرب لم تكن في تصور المغاربة شيئا ممكنا ولا متكافئا، ولكن الاستعداد المغربي كان من باب “وأعدوا لهم”، إذ لاشك أن رسالة السلطان التي تدعو عمال الأقاليم الصحراوية للتفاوض مع الفرنسيين، ورسالة الحاكم العسكري الفرنسي للعامل الشرادي، حيث يعترف بأن عين صالح أرض تابعة للسلطان وأنه لن ينسحب إلا بأمر من حكومته.. كلها عناصر جعلت العامل الشرادي وهو على رأس المتحصنين بإينغار، إنما يمارس التعبئة وجمع الجيوش لاسترداد عين صالح من قبضة الفرنسيين، وارتكازا على محتوى الرسالتين السابقتي الذكر، فإنه لم يكن في حسبان أحد أن الفرنسيين هم الذين يستعدون في الحقيقة لاحتلال باقي أجزاء المنطقة.

والمنطقة جغرافيا عبارة عن سهل مخضر، توجد مدينة عين صالح شرقا محفوفة بسياج من النخيل، وعلى بعد حوالي عشر كيلومترات بعيدا عن شرقي عين صالح، توجد فكارة الزوا، أما في الطريق إلى إقليم توات المتجهة غربا نحو الركان البعيدة بحوالي ثلاثمائة كيلومتر، فتوجد إينغار بعد حوالي ثلاثين كيلومترا من عين صالح، وإينغار عبارة عن مجموعة من القصور ذات الأبراج العالية والمساجد والزوايا المتفرقة وأشجار النخيل.. ففي الجنوب غير بعيد من إينغار، توجد مدينة أقبلي على بعد حوالي خمسين كيلومترا، بينما يعتبر أبعد مركز على الطريق نحو واد الساورة غربا، هو مرکز أوليف، وهي مراكز تشكل مثلثا حضاريا غنيا بالمياه والأشجار، بقي عبر الأجيال حصنا منيعا ضد المناطق الجافة الشاسعة المتواجدة بالجنوب في اتجاه الهوكار في الجنوب الشرقي وتمبكتو في الجنوب الغربي.

بينما كانت عين صالح هي المركز الحضاري الذي يتوسط الطريق التجارية المليئة بالقوافل المتجهة من تمبكتو على حدود السودان أو السنغال والنيجر نحو الأغواط في الشمال الشرقي بالنسبة للمتوجهين إلى الجزائر وفجيج في الشمال الغربي بالنسبة للمتوجهين إلى المغرب.

وإذا كانت عين صالح هي المركز الحضاري، فإن موارده وحياته كانت متمثلة في واحات إينغار، حيث كانت البنايات التي تسمى قصورا، والقصبات المحاطة بالأسوار العالية، تتحدى في علوها قامات أشجار النخيل الباسقة، وعلى الطريق بين عين صالح وإينغار توجد عين تاراكا حيث المياه العذبة متدفقة، ومنها تظهر مجموعتان حضاريتان وسط النخيل أيضا متباعدتان فيما بينهما، وهما قصبة أولاد الحديكة، وقصبة أولاد جلول .

وهكذا يتجلى لنا التوزيع السكني في ضواحي عين صالح غربا، إذ أن شرقها لا يعرف مراكز حضارية غير فكارة الزوا، مهد العائلة الزواوية التي توجد كالحد الفاصل بين رمال العرق الشرقي وحضارة عين صالح.

والواقع، أن الوضع الاستراتيجي لإينغار يضاهي في أهميته موقع عين صالح، وبذلك كانت حظوظ المواقع الاستراتيجية المغربية والفرنسية متعادلة، لكن هذا التعادل، بصرف النظر عن الموقع الاستراتيجي، لم يكن متكافئا على الإطلاق.. وكيف يحصل التكافؤ بين سكان آمنين لم يعرفوا الحرب منذ قرون، ولا العدوان الأجنبي منذ أجيال، يعيشون بإنتاجهم الفلاحي وولائهم للسلطان، ويحتمون دوليا بنفوذ دولتهم المغرب.. كيف يحصل التكافؤ بينهم وبين الجيوش الفرنسية الغازية التي بنت في طريقها للاحتلال وبعد استقرارها بالجزائر، مراكز عسكرية ضخمة في الكولية على بعد حوالي 250 كيلومترا من عين صالح شمالا، وقلعة “ماك ماهون” على بعد مائتي كيلومتر منها في الشمال الغربي وقلعة “ميربيل” على بعد مائتي کیلومتر منها في الشمال الشرقي، فكانت الفيالق الفرنسية تنزل في ميناء الجزائر ووهران وتتجه رأسا نحو الكولية بعد أن تتضاعف أعدادها بالمجندين من الجزائريين، فكانت المدافع والأسلحة الأخرى لا تقضي أكثر من أسبوعين في الطريق بعد نزولها بالموانئ الجزائرية، بينما القوات المغربية، لو أرسلت من فاس أو مراكش، فإن عليها أن تقطع على الأقل شهرا في الطريق، هذا بصرف النظر عن أن المغرب في ظروفه آنذاك، لم يكن في حالة حرب ولا تتوفر له إمكانيات مالية تجعله في وضع يسمح له بالدخول في الحرب مع فرنسا، إحدى أعظم الدول آنذاك، ولو عرفنا – وسنعرف – ماذا كان يجري داخل المغرب في تلك الأثناء، لاتضح لنا أن تعادل القوى بين المغرب وفرنسا في تلك الأثناء لم يكن يفرق بالكثير عن تعادل القوى بين الأسد والخروف.

وما أشبه التواجد المغربي في إينغار على بعد بضع كيلومترات من التواجد الفرنسي في عين صالح، بتواجد الخروف أمام السبع.

وبينما كان العامل إدريس الشرادي منهمكا في كتابة الرسائل طالبا وصول النجدات، وطالبا الورق الذي نفذ منه، حيث أمضى آخر رسالة يوم 17 مارس 1900، حتى اهتز مكتبه بأول قذيفة مدفع بعيد المدى هدمت عليه جدران بيته.

لقد تحركت القوات الفرنسية في الصباح الباكر من يوم 17 مارس مكونة من المشاة والفرسان والميحاريست، رجال الصحراء، والباهي الخيالة الجزائريين الذين يستعملون السيوف، وحملة جرارات المدافع.

وكان رد العامل إدريس الشرادي على مسمع مساعديه – حيث نقل أحد الحاضرين تصريحه لمؤلف كتاب “أربعة قرون من تاريخ المغرب” (مارتان) – غريبا من نوعه.. فقد صرح قائلا: ((ما هذا؟ إن الفرنسيين لن يجرؤوا على إطلاق النار على عامل جلالة السلطان)).

وجمع جيوشه وتوجه في طريق عين صالح حتى منتصف الطريق على بعد أربعة عشر كيلومترا، ووقف في عين تاراكا، حيث سقط في كمين نصبه له الفرنسيون، وبعد معركة اتضح له فيها أن الفرنسيين لا يحترمون عامل السلطان، استطاع الرجوع إلى إينغار لإعادة تنظيم جيوشه.. وفعلا، استغل ظلام الليل ليوزع جيوشه حول إينغار، مصدرا أوامره باحتلال كل الروابي لتشتيت جهود الفرنسيين عند هجومهم المحتمل.

وعند الفجر – فجر يوم 18 مارس 1900 – تقدمت القوات الفرنسية بنظام كبير يقودها الكولونيل “دو”، الذي فرق أيضا جنوده على الطريقة التي وزع بها العامل الشرادي جنوده، وبينما اشتبك الفرنسيون والمغاربة في الروابي وتحت جذوع النخيل.. كانت المدفعية الفرنسية تقصف كل ما ارتفع عن الأرض من بناءات، وهو عدد يقارب عدد المجاهدين الذين كانوا محصنين مع العامل المستسلم إدريس الشرادي.. وكان استسلام العامل بداية الانهيار.

فقد مشى الجيش الفرنسي على أشلاء المغاربة، وتعقب الهاربين، وأجهز على الجرحى، ولم يتوقف إلا بعد أن احتل بدون أي مقاومة مراكز أقبلي، ووصل حتى إلى أوليف، وبذلك تم له احتلال المناطق السكنية في إقليم تيدكلت حيث لم تبق إلا النساء والعجزة، وكلهم يبكون ويندبون ويصيحون: هذا غضب الله.. هذا غضب الله.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى