المنبر الحر

المنبر الحر | النثر بين الثقافي والمعرفي والحياتي الاعتيادي

بقلم: بنعيسى اليوسفي

    لا شك أن التقدم والتراكم الذي عرفته قصيدة النثر العربية في السنين الأخيرة، جعلها أكثر انفتاحا على قضايا وظواهر ومواضيع، وحتى إشكاليات كثيرة من مختلف مجالات الحياة، وحاولت جهد الإمكان مقاربتها والتعاطي معها من منطلق أن الشعر من طبيعته ومن أدواره أن يكون حاضرا بثقله في الزمان والمكان في خضم كل التطورات والتحولات الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية التي يعرفها مجتمع من المجتمعات، والشعر كباقي الأجناس الأدبية الأخرى، يعتبر أكبر راصد بتعبيرات مختلفة لكل هذه التحولات مهما كانت درجة أهميتها، بل يمكن القول أن الشعر هو أكثرها محايثة واحتكاكا بها، ولقد اعْتُبر حقيقة هذا الانفتاح الشعري على كل ما هو يومي واعتيادي والقريب من الواقع بشكل كبير، متجاوزا بذلك القضايا والإشكاليات المركزية والجوهرية الكبرى التي تهم المجتمع وتقدمه، والتي كانت مادة دسمة للشعر والشعراء على امتداد حقب تاريخية ليست باليسيرة، اُعْتُبِر ذلك قفزة نوعية وكبيرة في مسار هذا الجنس الأدبي الراقي، وبدأ التأسيس لمرحلة جديدة من الشعر، بعدما كانت اهتمامات الشاعر ذات بُعد سياسي وفكري وفلسفي وتاريخي في بعض الأحيان، وبرداء ثقافي ومعرفي يعكس عمق النظرة الشعرية لدى هؤلاء، وكانت اللغة الشعرية لديهم تنم عن نضج ثقافي ومعرفي كبيرين تمتاز به هذه النخبة من الشعراء، إلى درجة أنه حينما تقرأ قصائدهم تدرك أنها نابعة من شاعر مثقف وذي تكوين رفيع، راكم تجربة كبيرة على درب القراءة والكتابة، وليس شاعرا عاديا، ويظهر ذلك بوضوح في المصطلحات المستعملة والأفق الواسع في التفكير وفي الخيال والصورة الشعرية، ناهيك عن لغته الشعرية العميقة التي تمتح من قاموس ومعجم لغوي رصين وقوي التأثير في نفسية المتلقي، وذلك بالتوسل بمحسنات بلاغية وبديعية ساحرة في بناء قصيدته، بالإضافة إلى طبيعة أو نوعية الرسائل التي يروم إيصالها للمتلقي، والتي تضفي عليها هذه المحسنات طابعا إبداعيا رائعا، وهذا في الحقيقة ما كان يجعل الشاعر، لكي يفرض نفسه في بيئته ويؤثر فيها، ويحرز لنفسه مكانا بين هذه الفئة المثقفة التي ينتمي إليها، يحافظ على مستوى إبداعي متميز ومتقدم، ويشكل لنفسه شخصية شعرية مستقلة، ويتجنب السقوط فيما يسميه الشاعر المغربي الكبير حسن نجمي “ظلال الشبهة”، التي يعني بها عدم استنساخ تجربة الآخرين، وأن يتفرد بصوته ولا يكون صوتا لأحد، هذا أولا، ثم ضرورة القراءة والبحث والإنصات للواقع ونبضاته، علاوة عن تكوينه الأدبي وممارسته الثقافية والمجتمعية، وانفتاحه على اللغات وشعريات العالم كلما استطاع إلى ذلك سبيلا، لذلك لا بد لنا للعثور على قصائد كبيرة، من أن يكتبها شاعر كبير بدون أن يكون قارئا كبيرا، خلاقا كبيرا وعارفا كبيرا بأسرار الكتابة ودروب الحياة.

ولما كانت “قصيدة النثر” تنهل بشكل كبير مما هو معرفي ثقافي، برزت إلى الواقع “أنطولوجيات” شعرية عالمية خالدة، سواء عند الغرب أو عند العرب، ناهيك عما تحقق من تراكم غني ومتنوع، خصوصا عبر تجارب وأسماء قوية، خاصة مع جيل الرواد كأدونيس، وأنسي الحاج والماغوط ومحمد الصباغ، والقائمة طويلة، ونفس بالشيء بالنسبة لبعض الشعراء من الجيل الجديد، الذين لا زالوا يكتبون قصائد يطغى عليها بشكل واضح الثقافي والمعرفي، وتعتبر امتدادا للأجيال السابقة، ولعبت دورا مهما في الحفاظ على هذا النموذج من الكتابة الشعرية من الانقراض، رغم أنه أصبح يضيق به المجال، ولم يعد يغري الكثيرين، سواء من طرف الذين يعتبرون أنفسهم شعراء، أو حتى من طرف القارئ والمتلقي، ومهما يكون الأمر في هذا الموضوع، فإن ما يلفت الانتباه ويشير إليه الكثير من النقاد والدارسين خلال السنوات الأخيرة، هو ظهور قصائد وشعراء من طينة أخرى لا يعطون كثير اهتمام لما هو ثقافي ومعرفي في قصائدهم مقارنة مع الفئة الأولى من الشعراء الذين يحرصون على السمو الثقافي والمعرفي في كتاباتهم، ولا يرضون عنهما سبيلا، هذه الفئة الثانية من الشعراء الذين يمكننا القول أن السياق العام الذي يعيشه الشعر ويمرُّ منه في الوقت الراهن، هو الذي أفرز هذا النوع من الشعر والشعراء، حيث سيطرت البساطة والاختزال، وربما حتى التفاهة في بعض الأحيان، وأصبحت الرؤية إلى الحياة وما يمور في المجتمع مختلفة، وأصبح الشعر بذلك عند البعض رجع صدى لكل ذلك، وبالتالي، نزل مستوى الشعر وفقدت اللغة الشعرية ألقها وتوهجها، وطغت السطحية في المضامين والمحتوى وقس على ذلك، كل هذا تحت مسمى أن الشعر الآن يجب أن يكون قريبا أكثر من الواقع وإلى هموم الناس وانشغالاتهم اليومية وما إلى ذلك، وهذه مبررات ومسوغات لا يمكن أن نبرر بها هذه الضحالة والسخافة التي وصل إليها الشعر في العقود الأخيرة، لأن كل هذه المحاولات الشعرية ذات البعد الاعتيادي والحياتي، تُتهم من طرف العديد من النقاد بأنها تبدو مثل استنساخ وتصورات ساذجة حول مشاهد الواقع والمذكرات الشخصية، تحت مسوغ التكريس للعابر والبسيط واليومي على نحو سطحي قد يضر بالشعر أكثر ما ينفعه، لكن في المقابل، قد تجد من يؤمن بأن الشعر هو في حقيقته سيرورة طبيعية تتيح إمكانية تجريب أجناس وأشكال شعرية تتساوق وظروف زمنية معينة، وبالتالي، فإن هذا الاختيار يأتي طبعا من هذه الإمكانات التي يتيحها هذا الشكل الشعري للتعبير عن تحولات الواقع الجديد في تعقيداته واشتباكاته الكثيرة، ويجد هذا الكلام تفسيره في كون أن لكل جيل شعره، بل كل شاعر يجد نفسه في شكل معين، وفي لغة خاصة، وفي قصيدة معينة.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى