المنبر الحر

المنبر الحر | تكتيك الكذبة الكبرى

بقلم: عبدو حقي

    ظهر مصطلح “الكذبة الكبرى” في أعقاب الحرب العالمية الأولى، بعد أن سعى هتلر إلى إلقاء اللوم على السكان اليهود وغيرهم من الأعداء في هزيمة ألمانيا.

في كتابه “كفاحي”، أوضح هيتلر فكرة مفادها أن الناس أكثر عرضة لتصديق الأكاذيب الهائلة من الأكاذيب الصغيرة، لأنهم لا يتوقعون من الآخرين اختلاق شيء بهذه الجرأة، وأصبح هذا المفهوم حجر الزاوية في الدعاية النازية، مما مهد الطريق لنشر الأكاذيب الهائلة التي غذت الكراهية والتعصب.

تتمة المقال بعد الإعلان

فغالبا ما يعتمد نجاح الكذبة الكبرى على العديد من التكتيكات والآليات الرئيسية التي تتلاعب بالرأي العام وتستغل نقاط الضعف النفسية، ومنها التكرار المتواصل للأكاذيب الذي يمكن أن يضفي عليها لونا من المصداقية، فكلما زاد عدد الأشخاص الذين يسمعون دعاية أو ادعاء ما، حتى لو كان كاذبا، زاد احتمال قبولهم له على أنه حقيقة، ويستفيد هذا التكتيك من الظاهرة النفسية المعروفة باسم “تأثير الحقيقة الوهمية”، حيث تنتج الألفة عنصر الاعتقاد، إذ غالبا ما تلعب الأكاذيب الكبرى على عواطف الشعوب، وتثير الخوف أو الغضب أو غيرها من المشاعر القوية، من خلال دغدغة الغرائز البدائية، ويمكن للمتلاعبين تجاوز التفكير العقلاني وإقامة علاقة عاطفية عميقة مع جماهيرهم.

ولتحديد عدو مفترض أو كبش فداء يمكن أن يكون بمثابة قوة موحدة للأمة، غالبا ما تتضمن الكذبة الكبرى إلقاء اللوم على مجموعة معينة في القضايا المجتمعية، وصناعة عدو مشترك وتعزيز الدعم من أولئك الذين يشعرون بالتهديد أو التهميش.

والكذبة الكبرى لا تنطوي دائما على التلفيق الكامل، وقد تتضمن عناصر من الحقيقة لتعزيز مصداقيتها، من خلال تقديم نسخة مشوهة من الواقع، يمكن للمتلاعبين التضليل دون الابتعاد تماما عن الأسس الواقعية.

تتمة المقال بعد الإعلان

وتمتد تداعيات الكذبة الكبرى إلى ما هو أبعد من عالم الدعاية.. فمن الممكن أن تكون لها عواقب وخيمة على الأفراد، والمجتمعات، بل وحتى الشؤون الدولية.

يؤدي توظيف الكذبة الكبرى إلى تآكل الثقة في المؤسسات ووسائل الإعلام والمواطنين، وعندما يصبح من الصعب تمييز الأكاذيب عن الواقع، تسود الشكوك، وتتضاءل الثقة في مصادر المعلومات، حيث تساهم مؤامرة البحث عن كبش الفداء والخلافات المتأصلة في الكذبة الكبرى، في الاستقطاب والتكتل الاجتماعي، ومن خلال تعزيز عقلية “نحن في مواجهة عدو مفترض”، يزرع المتلاعبون بذور الشقاق ويضعفون النسيج الاجتماعي.

إن قبول الكذبة الكبرى يمكن أن يؤدي إلى تطبيع الخداع في الخطاب العام، وعندما يعتاد المجتمع على الأكاذيب الكبرى، قد تمر الأكاذيب الصغيرة من جهتها دون أن يلاحظها أحد أو يتم تجاهلها باعتبارها غير ذات أهمية.

تتمة المقال بعد الإعلان

في المجتمعات الديمقراطية، الكذبة الكبرى تشكل تهديدا كبيرا، لأن التلاعب بالرأي العام من خلال الخداع من الممكن أن يقوض أسس الديمقراطية، حيث يفسح اتخاذ القرارات المستنيرة والعقلانية المجال أمام الاختيارات العاطفية والمتحيزة.

من جانب آخر، يعد محو الأمية الإعلامية أمرا ضروريا في العصر الرقمي، ومع انتشار المعلومات عبر منصات إلكترونية مختلفة، يحتاج الأفراد إلى المهارات اللازمة لتمييز المصادر الموثوقة عن المعلومات الخاطئة، ويمكن لبرامج محو الأمية الإعلامية تمكين الناس من التنقل في المشهد الرقمي بطريقة مسؤولة.

إن الكذبة الكبرى، بجذورها في التاريخ وتشابكها في المجتمع المعاصر، هي بمثابة قصة تحذيرية حول قوة الخداع السياسي، ففهم الآليات التي تقوم عليها هذه الظاهرة، أمر بالغ الأهمية لتطوير استراتيجيات لمواجهة تأثيرها، وبينما نبحر في عصر يتسم بوفرة المعلومات والتلاعب بها، أصبحت ضرورة تعزيز التفكير النقدي، ومحو الأمية الإعلامية، والتواصل الشفاف.. أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، ففي مواجهة الكذبة الكبرى، تصبح القدرة الجماعية للمواطنين المطلعين على الصمود، أقوى دفاع ضد تشويه الحقيقة.

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى