تحليل إخباري | 2023.. نهاية بطعم النكبة في حزب الأصالة والمعاصرة
خط التماس بين الانتماء إلى "الإدارة" والانتماء إلى "العصابة"
إعداد: سعيد الريحاني
سواء كنت مهتما بالشأن السياسي، أو غير مهتم(..)، وبغض النظر عن كونك مواطنا (ة) يؤمن باللعبة الديمقراطية أو لا يؤمن بها، مثل التكنوقراط أو الانتهازيين(..)، عليك أن تصدق أن ذلك الشخص الفاشل الذي تعرفه حق المعرفة، هو نفسه الشخص المحظوظ الذي فتحت له الدنيا ذراعيها.. عليك أن تتقبل أن إنسانا “تافها” يمكن أن يصبح مسؤولا، وقاب قوسين أو أدنى من الوزارة.. عليك أن تؤمن أيضا أن الدنيا حظوظ، وأن ذلك المناضل وتلك المناضلة، الذين أفنوا حياتهم في الجمعيات المحلية ودور الشباب وتكوين الأطر(..)، هم فقط مجموعة من الأغبياء، لأن السياسة مرادف للترقي المجتمعي وتحسين الدخل والنسل والعلاقات العامة، هم فقط أخطئوا في اختيار الحزب، وعندما جاءت الفرصة، ضيعوها بسبب طوباويتهم.
في هذا الشأن، عليك أن تصدق أن الحزب الذي ولد في الظروف المعروفة لدعم المبادرات الملكية ومواجهة العزوف الانتخابي(..)، هو نفسه الذي وفر الوعاء لاحتضان كافة النعرات الانفصالية، والنزعات الهوياتية المتطرفة، بل إن “الديمقراطية” ستفرض على المواطنين تحمل أعباء وتكلفة حزب وأشخاص يحاربون “إمارة المؤمنين” ويسعون إلى تقنين “زراعة الحشيش”، ويدعون إلى اعتماد مبدأ العلاقات الرضائية..
لا داعي للإيديولوجيا، ولا داعي للقانون الأساسي، ولا داعي لاحترام قواعد التنظيم.. “الله يرحم من زار وخفف”، البقاء في هذا الحزب رهين بقوة النفوذ(..)، و”اللي ما عندو فلوس كلامو مسوس”، لا سبيل لمنافسة المليارديرات، ولا مجال للرأي في مواجهة “الرأي الواحد”، والمشكلة أن كبار المؤسسين وكبار المؤمنين، وكبار الضيوف(..) كلهم اختاروا الانسحاب، أو تم طحنهم تنظيميا، ليصبح الحزب رهن أشخاص ليسوا بالضرورة من أصحاب المشروع، وقد تكون لهم فقط شرعية اصطناعية..
دوام الحال من المحال(..)، وها هو “الحزب الهجين” أمام أكبر فضيحة في مساره منذ تأسيسه سنة 2008، بعد تورط عدد من أعضائه في قضية “إسكوبار الصحراء”، وجاء في بلاغ للوكيل العام لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بعد ليلة بيضاء يوم الأحد المنصرم، أن قاضي التحقيق قرر إيداع 20 شخصا السجن، بعد استنطاقهم ابتدائيا، مع إخضاع شخص واحد للمراقبة القضائية، في قضية تتعلق بالاتجار الدولي للمخدرات.. وأشار إلى أن “نتائج الأبحاث، التي أنجزتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية تحت إشراف النيابة العامة، للكشف عن باقي الأشخاص المشتبه تورطهم في هذه القضية.. وقد آلت نتائج دراسة الأبحاث المنجزة إلى تقديم هذه النيابة العامة لملتمس إلى قاضي التحقيق بإجراء تحقيق معهم من أجل الاشتباه في ارتكاب كل واحد منهم لما هو منسوب إليه من أفعال معاقب عليها قانونا، والتي يتمثل تكييفها القانوني إجمالا في مجموعة من الجرائم، أهمها: المشاركة في اتفاق قصد مسك المخدرات والاتجار فيها ونقلها وتصديرها ومحاولة تصديرها، والإرشاء والتزوير في محرر رسمي، ومباشرة عمل تحكمي ماس بالحرية الشخصية والفردية قصد إرضاء أهواء شخصية، والحصول على محررات تثبت تصرفا وإبراء تحت الإكراه، وتسهيل خروج ودخول أشخاص مغاربة من وإلى التراب المغربي بصفة اعتيادية في إطار عصابة، واتفاق وإخفاء أشياء متحصل عليها من جنحة”.
بلاغ الوكيل العام، وإن كان قد تجنب ذكر الأسماء، في إطار الحفاظ على قرينة البراءة وسرية البحث.. إلا أن هذا البلاغ هو الذي فسر سبب اعتقال سعيد الناصري، رئيس نادي الوداد البيضاوي، وعبد النبي البعيوي، رئيس مجلس جهة الشرق، وشقيقه عبد الرحيم البعيوي، رئيس جماعة عين الصفا بوجدة، وآخرين، في السجن المحلي بعين السبع..
الحديث عن الناصري والبعيوي هو حديث عن أقطاب النسخة الأخيرة من حزب الأصالة والمعاصرة، وهي النسخة التي يقودها عبد اللطيف وهبي.. فهذان المعتقلان الكبيران هما من أبرز قياديي الحزب، بل إن الصحافة كتبت أن الأمانة العامة للحزب كانت تعول عليهما لإنجاح المؤتمر المقبل ولعب دور كبير في اختيار الأمين العام..
الأمر يتعلق بضربتين في آن واحد: الأولى في الشرق، وهي التي تتعلق بحالة عبد النبي البعيوي، الذي تسبب في طحن النسخة الأولى من حزب الأصالة والمعاصرة بجهة الشرق ليخلق بنيته الخاصة، والبعيوي ليس شخصا عاديا، فالأمر يتعلق بصاحب نفوذ مالي كبير يشمل كافة أنحاء التراب الوطني، فهو صاحب مشاريع الطرق السيارة، ومشاريع بناء القناطر.. بل إن نفوذه وصل إلى درجة الفوز بصفقات لبناء السدود.. اليوم هو متهم بتبييض الأموال على الأقل، وقد تكون له علاقة بتجارة المخدرات.. وسبحان مبدل الأحوال، يتحول الرجل من مجالسة كبار المسؤولين، الذين يتملقون له بسبب نفوذه المادي، إلى صاحب شركة مهددة بالإفلاس، يجالس سجناء عكاشة، ومنهم نزلاء ربما لم يسرق بعضهم سوى جزء من المبلغ الذي كان يضعه البعيوي كوقود للتنقل عبر سيارته..
أما سعيد الناصري، فهو صاحب شبكة علاقات خفية، كتبت عنه جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، بأنه كان نادر الظهور.. انطلق من سوق “اشطيبة” قبل أن يختفي من البيضاء سنة 2002، ويعود إليها سنة 2011 برلمانيا عن منطقة زاكورة باسم حزب الأصالة والمعاصرة.. غير أن الذين يعرفون حزب “البام” يعرفون القصة الأخرى للناصري كلوبي في الدار البيضاء.. فمقابل هزيمته رفقة أصدقائه، ومنهم من كانوا في شركة “لاسامير”(..)، أمام الشيخ محمد بيد الله عندما ترشح للأمانة العامة سنة 2016.. فقد كانت تلك السنوات هي سنوات شن فيها الناصري الحرب على واحد من كبار رجال الدولة، ويتعلق الأمر بالمنسق الجهوي وحيد خوجة، الذي باعه أصدقاؤه للناصري في سوق السياسة، عندما كان هذا الأخير يقود خليطا هجينا يجمع بين كبار رؤساء الفرق الرياضية والمقاولين المتخصصين في “الجبن”..
اعتقال البعيوي والناصري يضرب في العمق أساس مشروع حزب الأصالة والمعاصرة، لذلك اضطر الحزب إلى تدبيج بيان سريع مشكوك في مضمونه، وقعته رئيسة المجلس الوطني، فاطمة الزهراء المنصوري، ولم يوقعه الأمين العام عبد اللطيف وهبي، جاء فيه: ((إن المكتب السياسي للحزب سبق له أن أخذ علما بتجميد الانتماء الحزبي للمعنيين بالأمر، بعد مباشرة البحث معهما، وهو التجميد الذي كانت المبادرة إليه ذاتية وصادرة عن المعنيين به، وكانت الغاية من الإجراء المذكور، هي عدم التشويش على مسار البحث، وغاية الحقيقة التي يتوق الوصول إليها، وإبعاد الحزب ومؤسساته عن التصرفات الشخصية لبعض من أعضائه، والمتخذة في سياقات لا تحضر فيها صفتهم الحزبية أو الانتخابية)) (المصدر: بيان المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة).
لماذا لم يتحدث المكتب السياسي؟ أين هو الأمين العام عبد اللطيف وهبي، المحب للظهور الإعلامي؟ لماذا اختفى في هذه المرحلة؟ من يتحمل المسؤولية في استقطاب هذا النوع من رجال الأعمال للحزب؟ ومن هم المستفيدون الكبار من السخاء التنظيمي للناصري والبعيوي؟
إن أفضل جواب بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة في المرحلة الراهنة، هو السكوت، بعد انتقلت التحقيقات من عتبة البعيوي والناصري إلى أعتاب وزراء في الحكومة.. ما معنى أن يكون ابن أحد المعتقلين عضوا في ديوان وزير في الحكومة؟ ما هو العمل الذي يقوم به؟ ولماذا هذه المكافأة أصلا؟ ما علاقة الوزير بمهرب الأموال أو تاجر المخدرات؟ هل هي صدفة، أم أن أحد المعتقلين هو الذي صنع المجد للوزير؟
قضية “إسكوبار الصحراء” تعد ضربة مباشرة لمن يقول إن الصحافة لا تأثير لها، فكل ما تشاهدونه من زلزال أمني وقضائي وإعلامي، كان نتيجة لهزة ارتدادية لمقال صدر مؤخرا في جريدة “جون أفريك”، وانتشر في الصحافة الدولية، تم من خلاله التعريف بـ”إسكوبار إفريقيا” أو “إسكوبار الصحراء”، الذي جر عدة شخصيات مرموقة إلى السجن في قضية انفجرت منذ 13 سنة.. ما يعني أن التحقيقات الحالية ليست سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد الغارق في الزمن.. فقد كان المتهمون يصولون ويجولون ولا يعلمون أنهم تحت مقصلة الإدارة والقانون..

بغض النظر عن نية الدولة في محاربة الفساد، ودوافعها إلى ذلك، فكل الخيوط اجتمعت في يد المحققين، وفي شخصية واحد يطلق عليه “إسكوبار الصحراء”، وهو شخصية لا يعرف عنها المغاربة إلا ما جادت به قريحة مجلة “جون أفريك”، مع توابل الإشاعات والارتباطات المحتملة، وهو نفسه الذي فجر الملف سنة 2019 من سجنه بالجديدة..
((يعرف تقرير مجلة “جون أفريك” “إسكوبار الصحراء”، بأنه هو الحاج أحمد بن إبراهيم المزداد سنة 1976 في كيدال بمالي، في منطقة تمتد فيها الصحراء على مد البصر، من أم مغربية أصولها من مدينة وجدة، وأب مالي.. عاش حياة بسيطة مثل أي ابن لراعي إبل، غير أن صدفة لقائه بمشاركين في رالي باريس دكار، حسب ما ورد في تقرير “جون أفريك”، غيرت مسار حياته، وفتحت له الباب للتعرف على مسارات الصحراء وخباياها، في منطقة تتسم بصعوبة السيطرة عليها، ولا تحكمها إلا المساعدات الإنسانية أو تجارة السلاح أو المخدرات… بدأ الحاج يشق طريقه بتعميق معرفته بالصحراء، بضبط لهجات “الأزواد” والتعرف على القبائل والوقوف على تفاصيل الساحل الإفريقي، ليتمتع بذلك بمقومات قليلا ما تجتمع في شخص واحد، ومكنته من وضع يده على مناطق واسعة من المنطقة..
ابتداء من سنة 2010، بدأ تقارب المالي مع منتخب في الشرق، ومسؤولين آخرين في الشمال، وفي زاكورة كذلك، تقول “جون أفريك”.. إنه تقارب كان بهدف توزيع القنب الهندي، ووزع بالفعل كميات تتراوح ما بين 30 و40 طنا في عمليات تتم ما بين ثلاث وأربع مرات سنويا.. وخلال سنة 2015، تم توقيفه في موريتانيا بعد عملية مطاردة على الحدود مع المغرب، حيث كان على متن سيارة تحمل 3 أطنان من المخدرات ومبالغ مالية كبيرة، وتم توقيفه وسجنه في العاصمة نواكشوط، غير أن الصحيفة تقول: إن المسؤولين الموريتانيين فهموا سريعا أن الأمر لا يتعلق بسجين بسيط، فاتخذت محكمة العاصمة قرارا بعدم الاختصاص.. بعد السجن، يقول المصدر ذاته: إن المالي كان هدفه استعادة مكانته في المنطقة، غير أنه فوجئ بأن شركاءه المغاربة استولوا على ممتلكاته.. وتوترت العلاقة أكثر بين الجانبين عندما اتهم المالي المغاربة بتدبير مكيدة له، حيث حجزت السلطات المغربية 40 طنا من المخدرات في محطة استراحة في الجديدة، تم شحنها على متن مركبات تابعة لشركة كانت في ملكيته، غير أنه يقول إنه باعها إلى منتخب الشرق، في حين أن هذا الأخير – حسب الصحيفة – لم يغير البطائق الرمادية للشاحنات، وهو ما قاد المالي للتوقيف فور وصوله للمغرب.. طريقة توقيفه في المطار بعد دخوله للمغرب، جعلته يحس بالغدر، غير أنه أخذ وقتا طويلا لدراسة طريقة رده، ليضع ثمان شكايات ضد منتخب الشرق في شهر يونيو الماضي.
القضية استنفرت الشرطة القضائية بالمغرب، وانتقلت على إثرها للاستماع إلى المالي في سجنه بالجديدة مرات عديدة.. وعلى الرغم من كل الأحداث، فإن حياة الحاج أحمد بن إبراهيم، الذي يقارب عمره الخمسين سنة، كانت حافلة بالمفاجآت التي كان يعرفها المقربون منه من معارفه، وصارت اليوم صفحات مفتوحة أمام الرأي العام.. والمرجح أن ما تسرب ليس كل شيء)) (المصدر: ترجمة بتصرف عن موقع “لكم”/ 23 دجنبر 2023).




