الحقيقة الضائعة | قصة أول استشهاد من أجل الصحراء المغربية
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 59"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

كانت الشائعات تروح وتغدو في الجزائر ووهران في دجنبر 1899، وفي الأيام الأخيرة من سنة 1899، والأيام الاخيرة من القرن الثامن عشر.
وكانت الفيالق تتجمع في وركلة جنوب الجزائر وبشكل مروع ولا أحد يعرف السر.. إنما كان مخططو الاستعمار الفرنسي مصرين على أن يجعلوا من القرن الجديد قرن استعمارهم للمغرب العربي المسلم.
وكيف يضيعون على التاريخ فرصة بهذه الأهمية، ولا يربطون دخول العالم في القرن الجديد بدخولهم إلى الصحراء المغربية، وكم تعظم الأحداث بعظمة توقيتها.
لذلك تحركت القوات الفرنسية في الأيام الأولى من يناير 1900، لاحتلال عين صالح: قلعة المغرب الكبرى على الشرق، وآخر مركز من مراكز نفوذه على الحدود الشرقية نحو العالم العربي.
الشهيد الأول في القرن العشرين لقد كانت أخبار التجمعات الفرنسية في وركلة تصل إلى المواطنين في الصحراء الشرقية، وكانوا يعرفون أنها تستهدف أرضهم وعروبتهم وإسلامهم.
وكانت الأخبار تتوارد عليهم بواسطة القوافل، والسراح والرعاة، والرمال والعواصف، وحتى الإحساس..
ويقرر السكان إرسال رجال لاستطلاع الحقيقة في الحدود، عند حاسي المنكار على بعد 80 كيلومترا شمال عين صالح، ثم قرروا تسليم رسالة إلى الرجال المستطلعين يسلمونها بدورهم إلى أول فرنسي يلتقون به في طريقهم..
ووصل رجال الاستطلاع إلى حاسي المنكار، وجلسوا على البئر ينتظرون لمدة ثلاثة أيام إلى أن لاح لهم في الأفق غبار كثيف، وظهرت لهم جيوش فرنسية مرعبة، فسارعوا أولا إلى ردم البئر حتى لا يشرب منه الفرنسيون، ثم وضعوا الرسالة على الأحجار، وعادوا من حيث أتوا متفادين الاشتباك مع الفرنسيين.
ويكتب الضباط الفرنسيون في الوثائق التي حرروها في ذلك اليوم، أنهم عندما وصلوا إلى البئر، حملوا الرسالة وقرروا التوجه إلى “الفكارة الكبيرة” حيث الماء متوفر بينما هم يعرفون أن “الفكارة الكبيرة” محمية بسكانها الذين يكرهون الكفار كراهية كبرى، وأنهم كثيرا ما طردوا الأجانب الذين جاؤوا للشرب من آبارهم بطلقات البنادق.
واستكثف سكان “الفكارة الكبيرة” فيالق الفرنسيين وهي في طريقها اليهم، فاتجهوا لإخبار القائد الحاج المهدي، قايد عين صالح، الذي سارع إلى الدعوة للتعبئة العامة، ودعا كل السكان إلى حمل السلاح، وحدد موعد المقابلة بعيدا عن عين صالح، في “إيكوستن” غير بعيد من تمركز الفرنسيين، يوم 27 دجنبر 1899.
وكان يوما مشهودا اجتمعت فيه قبائل المنطقة حاملة سلاحها، فجاء سكان حاسي الحجر، وأولاد يحيى وأولاد دخان، وفي الصباح الباكر، لبس الجنود والمتطوعون لباس العيد، عيد الجهاد، ورفعوا الأعلام واتجهوا نحو المواقع الفرنسية على بعد ست كيلومترات منهم.
وتحرك الفرنسيون بدورهم في اتجاه المغاربة، وكان الشهر شهر رمضان، وتقابل الجمعان وبقيت بين المغاربة والفرنسيين مسافة مائة متر، حيث نزل جندي من هنا وجندي من هناك، وتقدم كل منهما بخطوات بطيئة لتبادل آخر المناقشات قبل بدء الاشتباك.. هكذا كانت التقاليد.
لكن، قبل أن يصل الجندي الفرنسي والجندي المغربي إلى نقطة الالتقاء، أفلتت رصاصة من بندقية أحد الحراطين من جنود عين صالح، فلم يبق مجال للنقاش، وبدأ إطلاق النار.
كان المغاربة موقنين بأنه بعد تلاقي الجنديين، سيتم تحديد موعد الحرب، بينما اعتبر الفرنسيون أن المقابلة هي خدعة.
فلم يبق للمغاربة مجال للاستعداد والرجوع إلى مواقعهم، ولم يبق لهم أيضا أي اختيار، وخرج القايد الحاج المهدي، على رأس المحاربين وهو على متن حصانه، يواجه رصاص الفرنسيين بشجاعة، يواجه الاحتلال والمكر والاستعمار، ولا شك أنه كان وهو يعطي الأوامر من على صهوة جواده، يتذكر صديقه العامل الزعيم، الحاج أحمد رزوق، الذي أقيل من منصبه لصموده، والذي سقط من على صهوة جواده ومات في أرض أحبها وأخلص لها، ولا شك أنه أحس بنفس الإحساس حينما أصيب جواده برصاصة وسقط ميتا، ثم أصيب الحاج المهدي نفسه بثلاث رصاصات نقل على إثرها إلى مركز المعالجة بالفكارة، ولكنه مات في الطريق، وكان القايد الذي مات في المقدمة.
وبذلك يكون قايد عين صالح، الحاج المهدي، أول شهيد في القرن العشرين من أجل الوحدة الترابية المغربية.
وهكذا دخلت القوات الفرنسية إلى عين صالح على أشلاء المواطنين المغاربة، ويقول المؤرخ مارتان: ((إن القوات الفرنسية لم تجد من تتسلم منه السلطة.. فقد مات كل الرجال)).
وفي صباح 30 دجنبر 1899، رفع العلم الفرنسي لأول مرة في التاريخ على قصبة “باجودا” في عين صالح، وفي اليوم الأول من يناير 1900، وصل القبطان “بان”، على رأس فرقة من جنود “الباهي”، لإقامة السلطة الفرنسية في عين صالح، ولم يكن بان إلا ذلك “العالم” (الباحث) الذي كان يزور المنطقة مع الباحثين والدارسين باسم الحضارة والبحث العلمي.
وبذلك شيع المواطنون المغاربة القرن الثامن عشر ومعه جثث أزيد من تسعين شهيدا ماتوا في سبيل وحدة تراب وطنهم وتشبثا بمغربيتهم، وكان الضباط والجنود الفرنسيون ينظرون بإجلال إلى هذا الحشد من الشهداء، ويزداد احترامهم لهذا الشعب كلما عرفوا من بين الأجداث جثث العلماء والفقهاء والشرفاء والمرابطين والبخاري، في أروع مشاهد التضامن الوطني والتضحية النبيلة.
ولكن الحرب لا تعرف العواطف، فكان إصرار الفرنسيين على احتلال عين صالح كبداية لاحتلال الصحراء المغربية لا يعادله إلا إصرار المغاربة على رفض هذا الاحتلال، وحاشى أن تذهب دماء شهداء معركة عين صالح هدرا.. فقد كانت مجرد شارة على طريق الجهاد الأكبر.
وبينما جاء الفرنسيون لعين صالح بعقلية الاحتلال، أدخلوا معهم أسلوبا جديدا أبهر عقول سكان المنطقة.. فقد أشعلوا كثافات ضوئية في كل جنبات المدينة وأرسلوا على كل البنايات أضواء المجاهر، مما جعل سكان المناطق المجاورة يتبادلون عبارات الاندهاش فيما بينهم، كما أنه كان لهذه المناورة الفرنسية بإنارة كل جنبات عين صالح، أثر كبير على مشروع المجاهدين الذين كانوا يخططون لاسترجاع المدينة من أيدي الفرنسيين.
وقرر المغاربة قطع دابر الخلاف فيما بينهم.. إن المغاربة لا يهجمون غدرا بالليل، ولا يقيمون حسابا للأضواء الكاشفة، وقرروا الهجوم في الصباح، وكان الهجوم صباح ثالث رمضان 1317 الموافق لخامس يناير 1900، وكان عبارة عن هجوم المجاهد المهاجم على الحصن المحصن بالأبراج والمواقع.
وكانت جيوش المجاهدين المغاربة، الذين هجموا في واضحة النهار على معقل عين صالح الحصن المصان، تسير تحت صيحات: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعلى رأسها أحد قادة الحركة الفكرية والدينية وولي من أولياء الله، كان سكان المنطقة يعتبرونه ظلا من ظلال الله، وكانوا يقدسونه ويتبركون به، كتب عنه المؤرخون الكثير، واتفق سكان المغرب من توات إلى شنقيط، ومن وجدة إلى تطوان، على أنه ذو كرامات لا تدع مجالا للشك، وهو الولي الصالح مولاي عبد الله ولد مولاي العباس، شريف زاوية الركاني.
وقد برهن هذا الولي الصالح عن صدق شرفه، ووفاء دعوته، حينما قاد بنفسه جيوش المجاهدين في ذلك الصباح الباكر من يوم خامس يناير 1900، وكان أول الشهداء سقط من بين مائة شهيد على جنبات مدينة عين صالح.
لقد كانت الخسائر فادحة في الجانب المغربي، وأصبح عدد الشهداء الذين ماتوا من أجل مغربية عين صالح في يوميها الأولين، مائة وتسعون شهيدا.. فقد كان الرصاص الفرنسي بغزارة لم ير المغاربة لها مثيلا، وفوجئ المجاهدون المغاربة بالأسلحة الجديدة التي أحضرها الفرنسيون، ولم يبق للمجاهدين المغاربة خيار غير التراجع إلى إبنغار، غير بعيد من عين صالح، حيث يشرفون على الطرق ويرون على بعد، جيوش النصارى وتحركاتهم انتظارا لما قد يصلهم من نجدات من توات، ومن يدري.. لربما تصلهم نجدات من مراكش وتافيلالت، وبينما تأكد الفرنسيون أن المغاربة لن يستسلموا بالسهولة التي يتحدث عنه القادة الفرنسيون في باريس والجزائر، وأكدت لهم استماتة المغاربة أن ما يحكى لهم في فاس ومراكش عن ضعف المنطقة وعجزها، إنما هو من باب التضليل.
وبسرعة خارقة، وصلت نجدات فرنسية هائلة في شكل فيالق الجنود الصحراويين الفرنسيين والجزائريين، بقيادة الكومندان بومكارتن، الذي ما إن وصل إلى عين صالح حتى وجد أن المواقع الفرنسية محاصرة وينقصها الماء ومراعي الخيول والجمال، ولاحت للضباط الفرنسيين غير بعيد، غابة وارفة الأشجار ومراعي خصبة غير بعيد من عين صالح في الطريق إلى إينغار حيث يتجمع الجنود المغاربة، ولا بد للوصول إلى تلك الغابة وتلك المراعي من احتلال إينغار.
يتبع



