إعداد: سعيد الريحاني
لأول مرة، تعلن قصاصات الأنباء الرسمية عن نشاط دبلوماسي رسمي لولي العهد الأمير مولاي الحسن، هذا الأخير ظهر بشكل مميز وهو يستقبل في “دار الضيافة” الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز، وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء السعودي، بحيث مر معه بشكل سلس من جميع مراحل الإجراءات البروتوكولية، بدء من التحية مرورا بتقديم التمر والحليب على غرار العادة المغربية العريقة، وصولا إلى جلسة اللقاء، حيث ظهر مولاي الحسن وهو يتابع كلمات الأمير السعودي باهتمام مرفوق بحركات جادة، منها تركيز النظرة على المتحدث.. وأخيرا، يحسب للأمير مولاي الحسن تقيده الصارم بكافة الإجراءات البروتوكولية، بما فيها السير بخطوات هادئة محسوبة إلى جانب الضيف حتى اللحظة الأخيرة قبل المغادرة(..).
الملوك ينجبون الملوك.. وأخلاق الملوك ليست هي أخلاق العامة(..)، هكذا ظهر الأمير مولاي الحسن بمثابة ملك صغير في ظل ملك كبير هو والده الملك محمد السادس، في هذا النشاط الرسمي الدبلوماسي، الذي تكلف فيه الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز، بنقل رسالة شفوية إلى الملك محمد السادس، من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، عاهل المملكة العربية السعودية.
ويكتسي لقاء مولاي الحسن مع الأمير السعودي تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز، أهمية كبيرة.. قد لا ينتبه إليها كثيرون، فهو من حيث الترتيب الزمني يعد أهم الأنشطة مباشرة بعد الاتفاقات التاريخية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ولقاء الأخوين الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والملك محمد السادس، كما تنبع قيمته من حيث قيمة حامل “الرسالة الشفوية”، وهي رسالة لا يحملها إلا أصحاب الثقة الكبرى(..)، فالأمير تركي هو واحد من المقربين الكبار من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، صاحب رؤية السعودية في 2030، المعروفة برؤية “عشرين، ثلاثين”.
ولمن لا يعرف تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز، فهو واحد من الأمراء الذين يحظون باهتمام كبير من لدن ولي العهد السعودي، وأحد رموز التلاحم العائلي داخل العائلة الحاكمة بالسعودية، وهو مستشار ملكي برتبة وزير، واشتهر بتحركاته في المجال الإنساني، حتى أنه أول من حصل على ترخيص بممارسة “العمل الإنساني” خارج السعودية.. وقد فضل العاهل السعودي إرسال شخصية بهذا الحجم إلى المغرب، بالتزامن مع سفر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى الكويت لتقديم التعازي.
بالنسبة للأمير مولاي الحسن، الذي بدأت تظهر بعض ملامح التزامه الصارم بشروط البروتوكول، فإن ظهوره في نشاط رسمي ليس هو الحدث في حد ذاته، ولكن تحركات هذا الأمير تعيد إلى الأذهان أيام جده، الأمير مولاي الحسن، الذي أصبح الملك الحسن الثاني فيما بعد.. فقد كانت مؤسسة ولي العهد مؤسسة قوية، بل إن مولاي الحسن (الحسن الثاني) كان مستشارا لوالده الملك محمد الخامس، بل رئيسا لأركان الحرب العامة..
من ملك إلى ولي العهد.. تتواصل الرسالة، ولا حاجة لأن يكتب ولي العهد الحالي رسالة إلى والده الملك محمد السادس.. فقد سبقه جده الملك الراحل الحسن الثاني، الذي كتب لوالده رسالة طويلة مليئة بالدروس والعبر، وكأن لسان الجد ينطق بلسان الحفيد، الذي يشبهه إلى حد كبير(..).

تقول الرسالة: ((لقد توسمت يا مولاي في ابنك البار المخلص، علامات التوفيق والوفاء بالأمانة، فأقررت ما أجمع عليه شعبك الوفي، وأسندت إلي ولاية العهد ورعاية الأسرة المالكة وفق التقاليد التي سار عليها الكثير من ملوك الإسلام، وملوك الدولة العلوية الكريمة، وإنني إذ أتمنى لك مديد العمر وطول البقاء، لترى أمتك رافلة في حلل العز والسعادة، أعدك ببذل ما في المستطاع وفوق المستطاع، لأكون جديرا بهذه الثقة الغالية التي وضعتها في، ومع شعوري القوي بثقل المسؤولية التي أنطتها بي، فإن مما يخفف حملها علي، استحضار سيرتك الصالحة التي مكنت لك ولأسرتك هذا المقام المرموق في أفئدة الجميع، وهذا الإعجاب الجم الذي أضحى أحدوثة الأقربين والأبعدين.. إن سجل أعمالك – يا مولاي – ذخيرة لا تنفذ، وسأستلهم منه كل ما ينير طريقي ويعينني على القيام بالرسالة التي وضعتها على كاهلي، ويساعدني على استحقاق هذا العطف الغالي الذي يحيطني به شعبك الأبي، والذي هو في الحقيقة قبس وهاج من نورك، سأسعى ما وسعني الجهد لاقتفاء سيرتك، وترسم خطواتك في سياسة أمتك، والاقتداء بجميل معاملتك لكل فرد من أفراد رعيتك، ولجميع من أسعدهم الحظ بالعمل تحت رعايتك، أو التقرب إليك، ويقيني أنني لن أضل سبيل الرشاد – بمعونة الله – ما بقيت على هديك سائرا، وبتعاليمك متشبثا مستنيرا.. قد ألهمت روحي من خلال شخصيتك الفذة قوة العزم، ونقاء السريرة، وحب الوطن، والمحافظة على كرامة العرش والإخلاص للأمة)) (المصدر: جواب الملك الحسن الثاني على خطاب والده محمد الخامس بمناسبة تنصيبه وليا لعهد المملكة/ 9 يوليوز 1957).
ولا فرق بين الأمس واليوم.. فوصايا الملوك لا تتغير، وقد نجح الحسن الثاني في حمل رسالة والده، كما نجح الملك محمد السادس بعده في رسم صورة أخرى للمغرب، ومغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، ولا توجد كلمات أكثر بلاغة في الوصف من كلمات الراحل الحسن الثاني نفسه عندما كان وليا للعهد، هذا الأخير كتب لوالده قائلا: ((لقد ألهمت روحي من خلال شخصيتك الفذة قوة العزم، ونقاء السريرة، وحب الوطن، والمحافظة على كرامة العرش والإخلاص للأمة… وهكذا بدأت النعمة التي أسديتها إلي منذ رأيت نور الحياة، فكانت ثورتك على الأساليب القديمة في التربية والتهذيب، وكانت عناية جلالتك ساهرة تحوطني بكل ما يملأ نفسي ثقة بالله، وحبا للوطن ورعاية للشعب، فكنت يا مولاي أول أب مغربي يثور على الأساليب العتيقة التي كانت تكل الطفل إلى القابلة الجاهلة، والمربية الغافلة، وكنت أول أب مغربي يرقى بأبنائه من تعليم عقيم قاصر إلى تعليم عصري يأخذ بوسائل الحضارة الحديثة بقدر ما يأخذ بتراثنا العربي الإسلامي، وكنت أول أب مغربي لا ينيط مسؤولية التربية والتعليم بالمعلم أو الأستاذ فحسب، ولكنه يتحمل منها نصيبه الأوفى، ولن أنسى ما حييت رعاية جلالتك وأنا في المدرسة الابتدائية، لقد كانت توجيهاتك وحرصك أقوى سند لي في اجتياز مراحل الدراسة، وأكبر مساعد لأساتذتي في القيام بواجباتهم التربوية، لقنتني يا مولاي البرور بالصغير واحترام الكبير، وكنت تردد على مسمعي: إن المرء إذا صلح صلح لنفسه ولغيره، وإلا فلا فائدة ترجى لشخصه ولغيره من عمله، وإن أنسى، لا أنسى – يا مولاي – هذا المبدأ السامي الذي لقنته لي في غير ما مناسبة، حتى أصبح يجري في شراييني مجرى الدم: الشعب لم يكن في يوم من الأيام ملكا لرؤسائه والمسؤولين على مصيره، وإنما الملوك والرؤساء هم خدامه، قد اختارتهم العناية الإلهية ليسهروا على مصالحه، وهم مسؤولون عنها)) (نفس المصدر).
بين الأمس واليوم.. تمت تسمية ولي العهد بنفس تسمية جده الحسن الثاني، وهو الآن يمارس النشاط تلو النشاط.. فقبل استقبال الأمير السعودي، ترأس الأمير الشاب مراسيم إقامة صلاة الاستسقاء، وقبلها الكثير من الأنشطة ذات الرمزية الكبيرة، ومنها ترأسه حفل تخرج الفوج الـ 23 للسلك العالي للدفاع والفوج الـ 57 لسلك الأركان، بالكلية الملكية للدراسات العسكرية العليا بالقنيطرة، وبغض النظر عن كون الأمر يتعلق برعاية نشاط عسكري بناء على أوامر الملك محمد السادس، فإن رمزية هذا النشاط تكمن أيضا في كونه يضم 285 خريجا، منهم 56 ضابطا ينحدرون من 24 بلدا شقيقا وصديقا للمملكة، وهي: المملكة العربية السعودية، المملكة الإسبانية، دولة الإمارات العربية المتحدة، دولة قطر، وجمهوريات: أنغولا، البينين، بوركينا فاسو، الكاميرون، إفريقيا الوسطى، الكونغو، الكوت ديفوار، جيبوتي، مصر، إثيوبيا، الغابون، غينيا كوناكري، مالي، موريتانيا، النيجر، جمهورية الكونغو الديمقراطية، السينغال، وتنزانيا، الطوغو، وتشاد.. ولكم أن تتصوروا رمزية هذا الحدث في بلدان أخرى.
لقد برز نجم الأمير مولاي الحسن بشكل كبير في الأيام الأخيرة، وربما اقتدى الملك محمد السادس بجده الملك محمد الخامس الذي منح لولي عهده مولاي الحسن، صلاحيات كبيرة همت الشأن السياسي من خلال الانفتاح على الأحزاب الوطنية، كما همت المجال الأمني وأمور أخرى.. وإذا كان الأمر كذلك، فظهور الأمير مولاي الحسن بهذا الشكل، قد تتبعه مبادرات أخرى.. ومن يدري، قد يعيد التاريخ نفسه طالما أن الملك محمد السادس (أطال الله عمره) بصحة جيدة.



