الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عين صالح مغربية باعتراف الفرنسيين

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 58"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

تتمة المقال تحت الإعلان

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    ورد في الحلقات السابقة رفض مطلق من طرف الفرنسيين لمراسلات العامل الزعيم الحاج أحمد رزوق، الذي كتب إلى الضباط الفرنسيين على حدود المغرب، يطلب التعامل معهم على أساس الاحترام المتبادل، حيث اعتبر الفرنسيون رسالة العامل المغربي نوعا من المناورة ورفضوها، وكان ذلك في أكتوبر 1895.

تتمة المقال تحت الإعلان

وبعد ثلاث سنوات من الحسابات الفرنسية، قرر الفرنسيون اللجوء إلى الأسلوب المغربي في المناورة، وفي مارس 1898، وصلت كوكبة من الجنود الفرنسيين برئاسة ضابطين، هما القبطان جيرمان والقبطان لابيرين، إلى مدينة عين صالح على الحدود الشرقية لإقليم تيدكلت، وطلب جندیان منهم مقابلة قائد المنطقة، الذي استقبلهما، فسلما له الرسالة التالية ممضاة من طرف الضابطين: ((جناب قائد جماعة القصر الكبير، بعين صالح، نريد التعرف عليكم والحفاظ على حسن الجوار بيننا، ونستأذنكم في السماح لنا بشراء بعض الحاجيات، كما نريد الاجتماع بكم، وبذلك يبرهن سكان عين صالح عن كرمهم ونبلهم مثلنا)).

هذه الرسالة التي تعتبر تراجعا فرنسيا صرفا واعترافا بالسيادة المغربية على عين صالح، موجودة في وثائق الجيش الفرنسي في ملف الاستطلاعات المؤرخ بـ 13 جوان 1898، وسارع القايد إلى عقد اجتماع مع أعيان الجماعة الذين تدارسوا رسالة الضابطين الفرنسيين، اللذين كانا مرفوقين بأربعين فارسا، واتفق الأعيان على جواب واحد: ((إن هؤلاء النصارى الكفار لا يحملون إذنا من طرف السلطان، فلا نستقبلهم)).

وقبل أن يرد القائد على رسالة الضابطين الفرنسيين، صدرت الأوامر إلى الكوكبة الفرنسية بالرجوع.. فلقد لاحت لها بوادر الجواب حينما أخذت أشجار النخيل تهتز تحت وطأة المجاهدين الذين تسلقوها بأسلحتهم استعدادا لكل الاحتمالات.

ويقول التقرير الفرنسي المحفوظ في الوثائق الفرنسية المؤرخة بـ13  جوان 1898، معلقا على هذه الحادثة: ((لقد رجعت الكوكبة بسرعة دون أن تنتظر الجواب، لأن مهمتها لم تكن الحصول على الجواب وإنما معرفة طريق عين صالح واستطلاع ممراتها، وقد انتهت المهمة، وعادت كوكبة الجنود)).

ألم نقل أن هذه الرسالة إنما لم تكن إلا مناورة ؟ فماذا بعد الاستطلاع إلا الحرب ؟

وفي 10 يوليوز 1898، وتحت جنح الظلام، تحركت القوات الفرنسية آتية من الفيافي الشرقية، وعند الصباح، كانت محيطة بضفاف واد صالح عند الشط الظهراني.

وقد خرج السكان مسلحين بقيادة أكلمان لاستطلاع الموقف، فلاحظوا أن الجيوش الفرنسية تفوق الحصر، وتشكل وفد تقدم من الجيوش الفرنسية بدون سلاح، ليقول لهم: “لقد حسبناكم قطاع طرق وكنا سنقضي عليكم”.

وتمت تغطية الضعف المغربي، بينما حسب الفرنسيون أن القوات المغربية قد شعرت بوجودهم مبكرا، وقبل أن يوجهوا ضربتهم الغادرة، فعادوا من حيث أتوا.. لكنها كانت إشارة استنفار بالنسبة للسكان، فسارعوا أولا إلى الكتابة إلى العامل إدريس الشرادي، ليخبروه بمحاولة الفرنسيين احتلال مدينة عين صالح قلعة إقليم تيدكلت، كما سارعوا إلى تحميل العامل رسالة إلى السلطان يطلبوه النجدة، وإخباره بأن الفرنسيين احتلوا موقعا استراتيجيا أسموه برج “ميريبيل”، وطلبوا من السلطان الإسراع لحماية التراب الوطني.

وكانت الرسائل الموجهة إلى السلطان تحمل أيضا إمضاء قاضي ايحماد، الفقيه البلبالي، وقاضي سفيان عبد الله البوداوي، وبذلك انضمت السلطة التشريعية إلى السلطة التنفيذية في طلب النجدة.

إلا أنه لا شك أن الفرنسيين كانوا – لعدة عوامل من بينها الخوف من القيام بعمليات انتحارية أو تدخل قوات أجنبية أخرى – يتفادون الاشتباك مع المغاربة، لذلك عادوا إلى مناورة أخرى، وهي استعمال المرتزقة قطاع الطرق من قبيلة الغنانمة، إلا أنهم في هذه المرة بعثوهم بشكل جديد، حينما كتب العامل إدريس الشرادي رسالة إلى قائد عين صالح، الحاج عبد السلام، يقول له فيها :((أخبرك بأن الغنانمة جاؤوا عندنا بوفد مكون من 170 شخصا، يطلبون الصلح، وقد كتبوا إلينا من “بودا” حيث توقفوا، وقد كتبت إليهم أخبرهم أنني لا أستطيع قبول عرضهم بدون استشارة السلطان، وقد بقوا ينتظرون 23 يوما إلى أن جاء جواب السلطان يقبل مبدأ الصلح، وقد أمضينا معهم اتفاق الصلح .

فعليك العمل بأمر السلطان وإبرام الصلح مع كل القبائل، وخصوصا التوارك، وأنا مستعد – إن اقتضى الحال – للسفر إلى الهوكار، لأن الصلح أمر ضروري .

وعليك تبليغ التوارك سلام إخوتهم الخبادن والتوارك البيض، الذين جاؤوا عندنا لتوات ولبسوا زيها.

وسلم على الأخ الحاج أحمد ولد بيلو في الهوكار، وقل له إنه عيب عليه أنه جاء إلى الركان ولم يأت للسلام علينا)).

هذه الرسالة موجودة أيضا في الوثائق الفرنسية التي أقبرت وهي مؤرخة بـ 19 شتنبر 1899.

فهل اختار السلطان ومستشاروه استعمال مناورة الغنانمة لإحلال الصلح وإعادة الاستقرار، أم أن الاتفاق على مستوى السلطة المحلية كان يمهد بواسطة هذا الصلح لإدماج الغنانمة مرتزقة الفرنسيين، والتوارك أعداء الفرنسيين، في الحياة العامة لتسهيل مهمة الانقضاض على الجميع من طرف الجيش الفرنسي ؟

المجزرة الأولى

كانت سياسة الصلح والتصالح بين القبائل قد وجدت صدى حسنا في النفوس، وقال الناس أن كل شيء على ما يرام ..

وكان عامل ايحماد، إدريس الشرادي، مرتاح البال مطمئن الإحساس.. فقد استسلم السكان للراحة والهدوء، وكان الشهر شهر يناير 1900 حيث البرد القارس يجعل أيام رمضان 1317 قصيرة والصيام سهلا، وفي اليوم الثاني من رمضان، وبعد الفطور، أخذ المدعوون أصدقاء العامل يتقاطرون على بيته في إينغار لتبادل الأحاديث، وكان العامل إدريس الشرادي مغرما بإقامة الأتاي بنفسه، فكان متربعا أمام الصينية يرسل ضحكاته التي قطعها المؤذن وهو يدعو لصلاة العشاء.

وقبل أن يقف الجميع للصلاة، نزل المؤذن من الصومعة التي كانت قريبة من بيت العامل، ودخل مسرعا على العامل يقول له: “لقد شاهدت وأنا أؤذن جنديا قادما بسرعة على حصانه”، فأمر العامل كاتبه بالوقوف للاستطلاع، إذ فاجأه بباب البيت جندي فارس سارع الكاتب مرحبا به قائلا: أهلا وسهلا.. فأجابه الفارس: لا أهلا ولا سهلا.. وأي سلام وأي مجلس هذا وإخوتنا يموتون برصاص الفرنسيين، وكان الفارس يتكلم وهو يتقدم من حضرة العامل وأضاف :((لقد استقر الفرنسيون في باجودا))، ثم أخرج من ثنية جلبابه رسالة سلمها إلى العامل الذي طلب من الكاتب قراءتها بصوت مرتفع، تقول الرسالة :((لقد تعرضنا لحرب مع الفرنسيين في سبيل الاستسلام، واستشهد منا ستة وتسعون على رأسهم القائد الحاج المهدي بنفسه رحمه الله، وعدد من أولاد باجودا، وقد مات كل الأعيان على مداخل مدينة عين صالح التي احتلها الفرنسيون)).

وبينما تجمد الشاي في أيدي العامل إدريس الشرادي، قال الحاضرون جميعا بصوت واحد: لاحول ولا قوة بالله.

وسارع العامل إلى إملاء رسالة حملها في حينها للمساعد الجيلالي بن رحمون، آمرا إياه بإيصالها إلى السلطان في مراكش (تفاصيل هذا الحادث رواها شاهد عيان للمؤلف مارتان، مؤرخ الاحتلال الفرنسي وتاريخ المغرب عبر أربعة قرون).

ولذلك، فإن كل جزئية منها ليست من نسج الخيال، مثلما أن كل الجزئيات التي سترد فيما بعد، هي أطراف من الحقيقة سجلها الفرنسيون في وثائقهم وفيها ما يكفي لتشريف الوطنية المغربية.

هكذا احتل الفرنسيون عين صالح في يناير 1900.. وهكذا كانت الزيارات الاستطلاعية للجنود الفرنسيين لعين صالح وتراجعاتهم إنما تستهدف الانتظار، ولتجعل احتلال الصحراء الشرقية المغربية مقترنا ببداية القرن العشرين في المكر الاستعماري.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى