المنبر الحر

المنبر الحر | ظاهرة التسول.. الأسباب والنتائج

بقلم: ذ. الحسن العبد

    التسول ظاهرة مرضية إنسانية عالمية لا تخص مكانا أو زمانا ما، فهو منتشر في كل جهة من العالم، في كل وقت وحين، وهو بذلك طلب الصدقات من الناس في الأماكن العامة والبيوت والمساجد، وكل المعابد، والمتسول هو من يحترف مهنة التسول ليصبح مهنته وصنعته، ومن المتسولين من يمضي حياته متسولا محترفا رغم قدرته على تدبير قوت يومه، وهو بذلك معروف لدى الناس بحالة “السعاية”، ومنهم من تبين بعد موته أنه يملك أموالا طائلة، والحالات في ذلك كثيرة..

تتمة المقال تحت الإعلان

لقد حث الإسلام على الصدقات، والإنفاق في سبيل الله، بل ومن أركانه الخمسة فريضة الزكاة، والمال يزكو بالصدقة، ورغب في تفقد أحوال الفقراء والمساكين، والمحتاجين والمعوزين وفي سبيل الله، وحث على بذل الصدقات لهم، قال تعالى: ((إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّه وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)) (سورة التوبة، الآية: 60).

تتمة المقال تحت الإعلان

إلا أن ديننا لا يشجع على التسول، فاليد العليا أفضل من اليد السفلى، بل يدعو إلى العمل بعرق الجبين لكل من له قدرة واستطاعة، وقد وردت أدلة كثيرة تنهى عن التسول وسؤال الناس من غير ضرورة أو حاجة ملحة، منها حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم)) (رواه البخاري ومسلم)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر)) (رواه مسلم).

تتمة المقال تحت الإعلان

ثم إن ظاهرة التسول في المساجد وبمحيطها بشكل خاص، تسيء لقدسية هذا الدين العظيم ولسمعة المسلمين، فلا بد أن يعرف الجميع أن المساجد لم تبن لاستدرار المال، وكسر قلوب المصلين، واستعطافهم من أجل البذل والعطاء، بل الغاية منها أعظم من ذلك بكثير، فالمساجد بيوت عبادة، ومزارع خير للآخرة، فالأصل فيها إقامة ذكره جل شأنه، والصلاة، وغير ذلك من محاضرات ودروس علمية، قال تعالى: ((في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)) (سورة النور، الآية: 36).

إن الواجب على الجميع، سواء من يتسول أو من يسعى للآخرة سعيها، احترام بيوت الله تعالى من كل ما يدنسها، أو يثير الجدل والكلام غير اللائق بها، فليست بأماكن كسب وسبل ارتزاق لجمع حطام الدنيا، لذلك فهي لا تصلح للتسول، ورفع الصوت ولغط الكلام، كمن يتسول ويسأل الناس من أموالهم، قال الله تعالى: ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)) (سورة الجن، الآية: 18).

يرى الكثير من مرتادي المساجد من المصلين، أن مسألة التسول مسألة أرقت الأمة اليوم، وأيقظت الغيرة عند الغيورين، وكثر فيها الجدل عند الكثيرين، فلا تكاد تصلي في مسجد إلا ويداهمك متسول ويطاردك سائل ومحتاج، وليس العجب في هذا، ولكن العجب عندما ترى رجلا أو شابا يافعا وهو يردد كلمات لطالما سمعناها، ولطالما سئمنا منها، فيقف أحدهم ويردد كلمات عكف على حفظها أياما طوالا، وساعات عديدة، مدفوعا من قبل فئة مبتزة، يقول الدكتور يحيى بن موسى الزهراني، علما أن الإسلام قد حذر من التسول ونفر منه، لأن صاحبه يفقد کرامته في الدنيا، ويسيء إلى آخرته، ورغب في السعي والعمل، والأخذ بالأسباب المشروعة لكسب الرزق بشرف وکرامة وعزة نفس.

ولا بد أن نشير إلى ظاهرة التسول الجديدة في عصرنا الحالي، فمع ظهور الشبكة العنكبوتية وتطور وسائل الاتصالات بكل أنواعها، ارتفعت نسبة مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، فظهرت طريقة جديدة للتسول عُرفت بظاهرة التسول الإلكتروني، التي تعتبر نسخة إلكترونية عن ظاهرة التسول التقليدي الشائع في الطرق والشوارع، والمساجد وكل المعابد، فالمتسول فيها يكون مجهول الهوية، حيث يقوم باستجداء الناس عن طريق النشر في مواقع محددة على شبكة الأنترنيت، فمهما كانت نوعية التسول وطريقته ومكانه، فالتسول بغير الحاجة، نصب ويتحول إلى سرقة، والطلب بقدر الحاجة وامتهان التسول حرام شرعا، نظرا لكثرة المخالفات والأضرار المادية والنفسية والاجتماعية والخلقية، أولها نشوء أضرار أخلاقية وسلوكية واجتماعية وأمنية، من سرقات ونشل وفساد وأخلاق وترويج مخدرات ودعارة، تحت ستار التسول، وثانيا، تشويه صورة المجتمع والتأثير على السياحة، بتواجد هؤلاء المتسولين عند المساجد والطرقات وإشارات المرور والمطاعم والمستشفيات والبنوك، والأماكن العامة الأخرى..

لقد أكد جل شيوخ الإسلام أن التسول لغير الحاجة لا يجوز شرعا، وهو أمر محرم، مشيرين إلى أن من يفعل ذلك يعد من النصابين والمحتالين ولا يبارك الله في ماله، منوهين بأن التسول يكون على قدر الحاجة فقط وما دون ذلك يعد سرقة من الناس، وفي هذه الأحوال، يبقى من الضروري عقوبة كل متسول سارق ومنعه من هذا العمل ولو بحبسه، في مقابل المحتاجين فعلا، ومنهم أطفال الشوارع، فهناك مراكز اجتماعية وجمعيات خيرية ومؤسسات تقوم عليها الدولة، وبالأخص المحسنين منا، وهكذا يستطيع المحتاج أن يرسل إليهم وأن يزودهم بالمستندات المطلوبة والشواهد التي تثبت عدم قدرته الجسدية على العمل وفاقته ليحتضنوه، وكذا التكثيف من إنشاء دور للأطفال المعوزين الفقراء الذين يفترشون الأرض ليل نهار لتحتضنهم الدولة ومعها المحسنون بدفء الأبوة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه وابنه.

وفي الختام، على الإنسان المسلم وغير المسلم أن يكون يقظا فطنا لا تنطوي عليه حيل المتسولين، والإسلام يهدف إلى إنشاء مجتمع نظيف تختفي منه کل الظواهر السيئة، والعادات القبيحة، ثم إن بكل عائلة أسر غنية وأخرى متوسطة وثالثة فقيرة، فلينظر الأغنياء والمتوسطون إلى حالة المقربين منهم، الفقراء والمحتاجون، فالصدقات في المقربين أولى، وكفى المؤمنين شر التسول والسعاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى