

أستاذ باحث في التاريخ والفكر
لعل أكثر مادة عُني بها الإنسان منذ القديم في تخطيط المدن وتشييدها، وأصبحت في الحاضر تشكل هاجسا يؤرقه مخافة الفقدان، هو الماء.. هذه المادة الحيوية التي لا يكتمل ولا يصح أي شيء بدونها مهما بلغنا من الرقي والازدهار، لأنها هي عماد كل شيء مصداقا لقوله تعالى: ((وجعلنا من الماء كل شيء حي))، ومن هنا نفهم كيف وضعت الدول والحكومات – مكرهة – البيئة، وخاصة الماء، في صلب اهتماماتها وأولوياتها الاقتصادية، في إطار “التنمية المستدامة”، إذ الكل اليوم بات واعيا بأهمية الماء، وبتلك العلاقة الجدلية بين التنمية والماء، إذ لا تنمية اقتصادية ولا اجتماعية ولا ثقافية ولا بشرية بدون ماء، فإذا كانت الكتابات وتقارير الأمم المتحدة للتنمية البشرية، تؤكد مرارا أن الإنسان هو محور وصانع التنمية، فإنه يحق لنا أن نؤكد ونجزم بأن الماء هو محور وصانع ذلك الإنسان الذي من المنتظر أن يخلق التنمية المنشودة.
الواقع، أننا لسنا بحاجة إلى تقارير الأمم المتحدة، ولا إلى خلاصات وتوصيات قمم المناخ المنعقدة هنا وهناك لكي نعي ونحافظ على الماء، والسبب أن تراثنا الإسلامي خص الماء بمكانة “مقدسة”، باعتباره من النعم العزيزة التي تفضل الله عز وجل وأسبغها على عباده، ذلك أن الثقافة الإسلامية حافلة بالنصوص والشواهد القطعية التي تؤكد أهمية الماء، وتحث على احترامه وترشيد استخدامه في الحياة، ويندرج هذا المعطى في إطار مبادئ الوسطية والاعتدال وعدم التبذير والإسراف، التي ترتكز عليها المنظومة الإسلامية.
إن الماء يحتل أهمية بالغة في الحضارة الإسلامية، ذلك أن الماء كان عنصرا حاسما ومعيارا موجها للمسلمين أثناء تخطيط المدن، فأغلب المدن التي شيدت خلال العصر الوسيط نجدها قريبة من مجاري الماء والهواء المعتدل، كالعيون والينابيع والأنهار… إلخ، كما أن المنازل لم تكن تخلو من بئر أو “مطفية” (وهي عبارة عن خزان للماء مبني أسفل الدار، وكان هذا النوع شائعا في المغرب). يضاف إلى ذلك، أن المسلمين اجتهدوا في تشييد شبكة من القنوات المحكمة الصنع والتخطيط والحفظ لإيصال الماء للمنازل، وقنوات أخرى للتخلص من المياه العادمة، ولعل ما يبرز أهمية الماء في مخيال المسلمين، هو أن الماء يعد أحد مناطات البر والإحسان، لهذا فقد شاع في الحضارة الإسلامية سقائين متجولين يروون عطش المارة “في سبيل الله” أو بثمن رمزي، ناهيك عن وضع خوابي وجرار في الأزقة وبأبواب المتاجر والمنازل، لتكون في متناول الشاربين العابرين. إذن، كل هذه الشواهد وغيرها، تقر وتبرز اعتناء المسلمين بالماء وحرصهم على ديمومته.
إن الاقتصاد في استخدام الماء وحسن ترشيده، ليس حاجة استدعتها الضرورة وأزمة المناخ، بمعنى أنها سلوك ظرفي ينبغي التعايش معه كما تقول الكتابات اليوم، ولكن عند المسلمين، على العكس من ذلك تماما، فهذا السلوك وحرمة الماء يكتسي بعدا دينيا وروحيا يندرج في إطار العلاقة التعبدية بين العبد وربه، أي أن الماء نعمة من نعم الله التي تستدعي الشكر والحمد، ويتمثل ذلك في حسن الاستعمال وعدم العبث بالنعمة، ويعد هذا الفعل مظهرا من مظاهر العبادة، التي من أجلها خلق الله تعالى الإنسان واستخلفه في الأرض ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (سورة الذاريات، الآية: 56).
وقد حذر الله تعالى الإنسان من الخطر الداهم والمحيق الذي سيلحق بالإنسان إن هو تعالى حبس الماء عن خلقه أو أنزله غير صالح، فقال سبحانه: ((أفرأيتم الماء الذي تشربون آنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون، لو نشاء جعلناه أجاجا، فلولا تشكرون)) (صورة الواقعة، الآيات: 68، 69 و70).
لكن والحمد لله، الله رحيم بعباده، غفار لذنوبهم، أليس هو اللطيف الرحيم، إذ يقول في محكم تنزيله: ((وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، وهو الولي الحميد)) (سورة الشورى الآية: 28)، ويقول سبحانه وتعالى أيضا، منبها الإنسان إلى أن الشكر والتوبة تأتي بالعطاء ((ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا…)) (سورة هود، الآية: 52)، ويصف الله تعالى ملامح وحال الإنسان عندما ينحبس المطر، ويخيم الجفاف والقنط واليأس على المحيا، فيقول سبحانه: ((فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون، وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين)) (سورة الروم، الآيات: 47-48).
صفوة القول: إن الماء قوام الوجود الإنساني، والتوازن الإيكولوجي، وهو عماد الحضارة، به تزدهر الحياة وتستمر وتتألق، وبفقدانه تموت الحياة وتنشأ الحروب ويخيم الخوف، واليوم، نلاحظ كيف بدأ الحديث عن أزمة الماء، بفعل دورات الجفاف والتغيرات المناخية، بل إن الأمر يزداد خطورة عندما يتطور الحديث عن دور ندرة المياه في إشعال الحروب في المستقبل، لهذا فإن التوعية والتحسيس تعد حاجة ماسة بأهمية الماء، سواء للفرد أو الدول، ولن نجد في هذا السياق خيرا من التوعية والنظرة المتكاملة التي خص بها الإسلام الماء كنعمة مقدسة تتطلب من الإنسان الحمد والشكر، ولا نشك أننا سنبالغ إن نحن قلنا أننا عندما نتأمل منظور الإسلام للماء، سننتهي إلى القول باختصار أن “الحضارة الإسلامية هي حضارة الماء”.



