تحليل إخباري|| محمد السادس يعيد ترتيب أوراق المغرب مدنيا وعسكريا

قراءة في القرارات الأخيرة: إبعاد بنسليمان عن أمن القصور وإطلاق أكبر حركة انتقالية بالجيش وتعديل حكومة العثماني
إعداد: سعيد الريحاني
بالإضافة إلى الزلزال السياسي الذي ضرب حكومة سعد الدين العثماني مؤخرا، بإعفاء ثلاثة وزراء وإشهار الغضب الملكي في وجه وزراء آخرين، والذي سبقه زلزال عسكري ضرب مواقع مختلفة في الجيش الملكي، أكدت مصادر مطلعة لجريدة “الأسبوع الصحفي”، أن التغييرات الأخيرة التي همت تغيير مواقع وإحالة عدد كبير من المسؤولين العسكريين على التقاعد من بينهم جنرالات، لم تكن لتمس وضعية الجنرال دوكور دارمي (Général de corps d’armée) حسني بنسليمان، رغم أن “الزلزال” الذي أصاب الجيش الملكي خلال العملية الأخيرة، سبقه تفكيك وحدة خاصة بأمن القصور تابعة للدرك الملكي، ولا يعلم أحد ما إذا كان للأمر علاقة بالحركية التي أطلقت في أوساط الجيش أم لا.
التغييرات الجديدة، وإن كانت تبرز الثقة والدور الذي بات يلعبه الجنرال دوكور دارمي، عبد الفتاح الوراق، من خلال إطلاق أكبر عملية تطهيرية في صفوف الجيش منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، إلا أن ترتيب أوراق المغرب مدنيا وعسكريا، أكد توجه الملك محمد السادس باعتباره القائد الأعلى للجيش ورئيس أركان الحرب العامة، نحو إحداث “زلزال” بمعنى الكلمة، ولكن يظهر أن الجنرال بنسليمان يبقى صمام المرحلة، حيث أنه يتمتع بنفس الرتبة العسكرية التي يتمتع بها الوراق، بل سبقه إليها بسنين.
وهذه أول مرة يحيل فيها الملك محمد السادس ما يناهز 57 مسؤولا عسكريا، منهم جنرالات، إما على التقاعد أو على مواقع أخرى، علما أن هذه التغييرات تتزامن مع تصعيد غير مسبوق في الخطاب الجزائري نحو المغرب، وربما قد يصل الأمر إلى الحرب(..)، وبدون سابق إنذار، وكما حصل مع السياسيين الذين لم يعلموا بخبر إقالتهم إلا من خلال “الفيس بوك”(..)، كان الأمر قد صدر بإعفاء الجنرال دو ديفيزيون محمد الزكاوي مفتش سلاح المدرعات، والجنرال العميري مدير المكتب الرابع، والجنرال الذي يوجد على رأس الأكاديمية العسكرية بمكناس، وتم كذلك، إعفاء محمد شفيق مدير المكتب الأول، بالإضافة إلى الكولونيل ماجور يوسف المجودي الممون العام للجيش.
ولم تقف ضخامة التغييرات التي شملت أطرا عسكرية سامية تتراوح بين رتبة جنرال دو ديفزيون ورتبة جنرال دو بريغاد ورتبة كولونيل ماجور عند الأسماء سالفة الذكر، بل وصل الأمر إلى حد إعفاء الكولونيل محمد باسيل من إدارة التعاضدية العامة للقوات المسلحة الملكية، وجرى إعفاء الجنرال دو ديفزيون محمد الرودابي الذي كان مديرا للمكتب الثاني، وقد خلفه في المنصب ذاته الكولونيل ماجور إبراهيم حساني.
وقد تناولت الصحافة باهتمام كبير أخبار أكبر زلزال عسكري، حيث تضم القائمة المتداولة إعلاميا أسماء عدة ضباط كبار برتبة كولونيل، منهم الكولونيل ماجور محمد باجدا مدير المكتب الثاني بالقوات الجوية، وحميد السعيدي قائد شبه القطاع العسكري ببئر كندوز، وعبد الله زوهير مدير الموارد البشرية في مصلحة الصحة العسكرية، ومحمد الحسناوي مدير مصلحة شؤون الضباط بالقيادة العسكرية الجنوبية، وحميد ديبي قائد الحامية العسكرية بمكناس، ومحمد لغريسي قائد شبه القطاع العسكري أمكالا، وجيلالي الحضراوي قائد الحامية العسكرية بطانطان، وعبد القادر الزواهر قائد الحامية العسكرية بالرباط، وموحا أودادوش قائد القاعدة الجوية السادسة ببنجرير، ويوسف المجاهد الممون العام للقوات المسلحة الملكية، وتطول اللائحة بأسماء ضباط سامين آخرين مثل: الكولونيل ماجور محمد فنان وجمال مشراوي، ولحسن فتحون ونور الدين مستقيم، وعبد العزيز المهداوي، ومحمد المرابط وبوجمعة ضوابط، والحبيب السماكي، ومحمد بوخريص، وجيلالي الشاعري، وفطومة محاسني، ومبارك ديمو، وأحمد حميد، وأحمد حكيم الخضيري، وعلي أهبالي، ونادية العلمي ومصطفى المدهون..
وعن أسباب هذه الإعفاءات التي طالت بشكل مفاجئ عدة ضباط سامين في مواقع عسكرية مختلفة، قال مصدر مطلع ذو تجربة كبيرة في الجيش، إن التقارير المرفوعة للقيادة العسكرية في الآونة الأخيرة، سجلت عدة خروقات(..)، خاصة في بعض المواقع الجنوبية، مما عجل برحيل المسؤولين عن عدة “مواقع عسكرية”، علما أن الفائض في أصحاب الرتب العالية، أصبح يشكل مشكلا، تم حله بإحالة بعضهم على التقاعد، لفسح مجال أكبر لربط المسؤولية بالمحاسبة، وكانت عدة مصادر قد أشارت إلى أن “نظافة يد” عبد الفتاح الوراق، قد ساعدت كثيرا في إطلاق حملة تطهيرية.
هذا في ما يتعلق بالشق العسكري، أما في ما يتعلق بالشق المدني، فقد أعطى الملك محمد السادس انطلاقة “الزلزال السياسي” الذي وعد به خلال افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان مؤخرا، حيث قال: ((إننا نؤسس لمقاربة ناجعة، ولمسيرة من نوع جديد، فما نقوم به، يدخل في صميم صلاحياتنا الدستورية، وتجسيد لإرادتنا القوية، في المضي قدما في عملية الإصلاح، وإعطاء العبرة لكل من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام.. وبصفتنا الضامن لدولة القانون، والساهر على احترامه، وأول من يطبقه، فإننا لم نتردد يوما في محاسبة كل من ثبت في حقه أي تقصير في القيام بمسؤوليته المهنية أو الوطنية، ولكن الوضع اليوم، أصبح يفرض المزيد من الصرامة، للقطع مع التهاون والتلاعب بمصالح المواطنين)). (مقتطف من خطاب الملك محمد السادس في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2017-2018).
((التغيير، حتى لو تطلب الأمر زلزالا سياسيا)).. هكذا تحدث الملك محمد السادس، قبل أن يصدر مساء يوم الثلاثاء المنصرم، بلاغ عن الديوان الملكي يعطي الانطلاقة الفعلية لهذا الزلزال في الشق السياسي، بناء على تقرير المجلس الأعلى للحسابات الذي قدمه إدريس جطو للملك في نفس اليوم الذي صدر فيه البلاغ، مما يؤكد سرعة اتخاذ قرارات الإعفاء(..).
بلاغ الديوان الملكي، أكد على إعفاء مجموعة من الوزراء بناء على مسؤوليتهم في الحكومة السابقة، وليس الحكومة الحالية، ويتعلق الأمر بكل من محمد حصاد، وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، بصفته وزيرا للداخلية في الحكومة السابقة، ومحمد نبيل بنعبد الله، وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، بصفته وزيرا للسكنى وسياسة المدينة في الحكومة السابقة، والحسين الوردي، وزير الصحة، بصفته وزيرا للصحة في الحكومة السابقة، والعربي بن الشيخ، كاتب الدولة لدى وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المكلف بالتكوين المهني، بصفته مديرا عاما لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل سابقا، كما تم إعفاء علي الفاسي الفهري مدير المكتب الوطني للماء والكهرباء.
كل الوزراء المعفيين، لم يعلموا بخبر إعفائهم إلا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، بل إن رئيس الحكومة سعد العثماني، بدوره تفاجأ بهذا الزلزال الحكومي الصادر بأمر من الملك، وقد التقطت له عدسات المصورين صوره، وهو يقف مشدوها أمام الملك بمناسبة عرض تقرير المجلس الأعلى للحسابات، وقد كان العثماني يظن أن حكومته في منأى عن أي تعديل، بل إنه قال قبل أيام، بأن هناك من قرأ الخطاب الملكي الذي يتحدث عن الزلزال السياسي بشكل خاطئ، إلا أن الزلزال الحكومي حدث فعلا، بناء على تقرير المجلس الأعلى للحسابات.
ورغم أن إعفاء بعض الوزراء يشكل صدمة كبيرة بالنسبة لهم، إلا أن ذلك لا يصل إلى مستوى تبليغ “السخط الملكي” عن وزراء سابقين في الحكومة، إذ يقول بلاغ الديوان الملكي: ((أما بالنسبة للمسؤولين في الحكومة السابقة المعنيين كذلك بهذه الاختلالات، فقد قرر جلالة الملك، حفظه الله، تبليغهم عدم رضاه عنهم، لإخلالهم بالثقة التي وضعها فيهم، ولعدم تحملهم لمسؤولياتهم، مؤكدا أنه لن يتم إسناد أي مهمة رسمية لهم مستقبلا، ويتعلق الأمر بكل من، رشيد بلمختار بنعبد الله بصفته وزير التربية الوطنية والتكوين المهني سابقا، ولحسن حداد بصفته وزير السياحة سابقا، لحسن السكوري بصفته وزير الشباب والرياضة سابقا، ومحمد أمين الصبيحي بصفته وزير الثقافة سابقا، وحكيمة الحيطي كاتبة الدولة لدى وزير الطاقة والمعادن والماء والبيئة المكلفة بالبيئة سابقا)).
هكذا إذن يظهر أن الزلزال السياسي عصف بشكل مباشر بمكانة حزب التقدم والاشتراكية في الحكومة بعد أن بات ممثلا بكاتبة دولة فقط، وهي شرفات أفيلال، كما عصف بمستقبل حزب الحركة الشعبية، حيث لم يعد اسم محمد حصاد مطروحا لقيادة حزب الحركة الشعبية خلفا للعنصر، علما أن أغلب المغضوب عليهم، ينتمون لحزب الحركة الشعبية، ليطرح السؤال عن المستقبل الذي ينتظر هذين الحزبين؟
وكان تقرير المجلس الأعلى للحسابات، هو النقطة التي أفاضت الكأس، غير أن نفس التقرير يشيد بوزارة الفلاحة التي يوجد على رأسها عزيز أخنوش، ووزارة التجهيز والنقل التي يوجد على رأسها عبد العزيز الرباح، إذ يقول التقرير الذي استند عليه الملك، بأن المجلس، وإن كان قد سجل خروقات وتأخرا كبيرا في عمل الوزارات سالفة الذكر، إلا أنه: ((لاحظ تسريعا في وتيرة الإنجاز من قبل قطاعات وزارية أخرى كالتجهيز والماء والفلاحة والمياه والغابات، بالرغم من أن مشاريعها انطلقت بشكل بطيء، حيث أن بعض الوزارات دعمت بشكل ملحوظ برامجها، مما يجعلها في وضعية تمكنها من تحقيق أهدافها في الآجال المحددة))، وهي إشادة مباشرة بكل من عبد العزيز الرباح وزير التجهيز والنقل في حكومة عبد الإله بن كيران، بالإضافة إلى عزيز أخنوش وزير الفلاحة في نفس الحكومة السابقة.
وكان تقرير جطو قد أكد على مسؤولية وزارة الداخلية في التأخير، مما يبرر سبب إعفاء الوزير محمد حصاد، حيث قال إنه ((بالرغم من أن مراجعة الوثائق والبيانات، لم تسفر عن الوقوف على حالات غش أو اختلاس، فإن المجلس سجل بالمقابل عدة اختلالات شابت مرحلتي إعداد وتنفيذ هذا البرنامج.. ففي ما يتعلق بمرحلة الإعداد، تبين من دراسة مكونات هذا البرنامج، أنه لم ينبثق عن رؤية استراتيجية مندمجة تتقاسمها جميع الأطراف، إذ تبين أن إعداد المشاريع المكونة لهذا البرنامج، لم يتم بالدقة المطلوبة، أما في ما يخص الاتفاقية-الإطار التي تم توقيعها أمام جلالة الملك بتاريخ 17 أكتوبر 2015 بتطوان والتي تشكل الإطار التعاقدي بين جميع الأطراف، فإنه كان على كل من وزارة الداخلية وولاية الجهة أن تتأكدا أنها مدعمة بمستندات أساسية كقائمة المشاريع المدرجة في البرنامج والتقديرات المحينة للتكاليف المرتقبة ومصادرالتمويل، عوض اقتصارها على مقتضيات ذات طابع عام)).



