الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | الملك محمد السادس يرتدي معطف شرلوك هولمز

بقلم: مصطفى العلوي

   عندما دشن الملك محمد السادس إنجاز كورنيش الدار البيضاء، يوم 20 دجنبر الأخير، علقت الصحف واهتمت أكثر من اهتمامها في المشروع، باللوك الجديد، لملك البلاد وهو يرتدي ما يسمى بالإنجليزية “الطرانش كوط كوط” الذي اشتهر به – كما قالت إحدى الصحف – أعظم خبير إنجليزي في الاستطلاع والبحث، شرلوك هولمز، الذي دخل التاريخ، المرصع في متحفه المشهور بلندن، بكونه أكبر باحث عن المجرمين، لدرجة جعلت المخرجين العالميين يتهافتون على إنجازاته البوليسية، ليحولوها إلى أفلام، أصبحت دروسا لجميع بوليس العالم، وجعلت ملايين المغاربة، الذين شاهدوا ملكهم في القنوات التلفزيونية يرتدي معطف شرلوك هولمز، يتمنون أن يدرج ملكهم في اهتماماته أساليب البوليسي الكبير شرلوك هولمز، خصوصا وأن شعبه المغربي، هذه الأيام، أصبح يرتعش في ليله ونهاره من جرائم اللصوص والنصابين الذين كان شرلوك هولمز يبحث عنهم ويجدهم حتى في دواوين الوزارات ودواليب الأبناك والمعاملات، وليس فقط في الدروب والأزقات.

   وعندما يرتدي أي رئيس أو زعيم، مهما كانت الظروف التي يعمل فيها، نوعا من اللباس، فإن اختياره يؤشر إلى نوع من التقرب والإعجاب بمن ابتدع ذلك الزي، أو اختاره، بعيدا عن الزي التقليدي الذي يلبسه مواطنوه.

   وفيما يتعلق بالمغرب على الخصوص، فإنه عندما قال قريب رئيس الحكومة المغربية السابق الحاج أحمد بلافريج، يوم انتخابه نائبا تقدميا باسم حزب شبه ثوري، فإن عمر بلافريج، ولد الدكتور بلافريج قال للصحفيين: إنه حضر حفل الافتتاح في البرلمان، وهو يرتدي طربوش القطب التقدمي، بنسعيد آيت يدر، المشهور في كل صوره بذلك الطربوش المغربي الذي كان يرتديه الملك محمد الخامس، ليسأل صحفي، السياسي بنسعيد عن حكمة الارتداء الدائم للطربوش الوطني، فيجيب: ((كان الطربوش رمز النضال من أجل الاستقلال المشخص لصمود الوطنية المغربية تجاه الاستعمار الفرنسي، وحتى الملك محمد بن يوسف، كان يلبسه وهو في المنفى، كرمز لتحدي جنرالات الاستعمار جوان وكيوم، وهو الرمز الذي اختاره الملك محمد الخامس، وبقي يرتديه بدون انقطاع بعد الاستقلال)) (طيل كيل. 23 دجنبر 2016).

   بل يذهب الزعيم بنسعيد إلى مغزى اتفاق الوطنيين مع ملكهم محمد الخامس في لبس الطربوش، ليؤكد بنسعيد الغاية القصوى وهو يقول في تصريحه” ((لهذا فأنا لم أكن يوما ضد الملكية)).

   وعندما يرى الصحفي، ملكه وهو يرتدي معطفا جديدا، ويكتب بأن هذا المعطف يذكرنا بشرلوك هولمز، فإن هذا التشبيه يشكل التأكيد الأمنية الكبرى في الالتقاء الملكي مع الطموح الشعبي كما كان بالطربوش، أيام محمد الخامس، والطموح الشعبي في كل الأزمان والأجيال، يتوق لأن يسند الملك هذا الدعم، كما كان شارلوك هولمز يدعم الشعب الإنجليزي في البحث عن اللصوص والنصابين، وما أكثرهم في زماننا هذا، في وطننا هذا.

   ولقد بدأ الشعب المغربي يبدي ارتياحه للخطوات الملكية الأولى في الاتجاه الشرلوك هولمزي(…) عندما أطلق لمديره في الأمن، الحموشي أياديه ليتصرف بكل حرية في تنظيف الأجهزة الأمنية، وتشطيب الكوميساريات المغربية من مخلفات الفساد البوليسي الذي عاث وساد أجيالا وسنوات طويلة في هياكل الأمن، التي أصبحت مرتعا للتلاعبات. زمان أصبح فيه لكبار المجرمين حماتهم بين صفوف الكوميسيرات، وللفاسدين من المحامين شركاؤهم في أجهزة الشرطة القضائية، وللكثير من القضاة شركاؤهم في تنسيق القرارات عبر التقارير والملفات(…) وهو واقع نكاد نسمع معه يوميا هذه الأيام هزات الزلزال الحموشي الذي يهدد أركان الفساد، ونتمنى له المزيد، بعد أن اختارته مجلة “ماروك إيبدو” ليكون رجل سنة 2017، ليصبح جهاز الأمن المغربي، مرتعا لنماذج شرلوك هولمز الذي اختار الملك محمد السادس ارتداء معطف يذكر باسمه.

   وللتذكير، فالأمل كبير في أن تعطي دولتنا للهياكل البوليسية ذلك الطابع البورجوازي لشرلوك هولمز، حين كان البوليس الإنجليزي عبارة عن بورجوازيين باللوك البورجوازي، السموكينغ والبابيون(…) ولماذا يبقى بوليسنا ضعيف الأجرة، يبحث بين دخان السيارات عن التدويرة.. ومناسبة، مبروك العيد.

   ويبقى المفترض في أن يكون هذا التظاهر المظهري باختيار معطف شرلوك هولمز، مذكرا للملك بذلك الماضي المجيد لعظماء أسلافه السلاطين العلويين، الذين ارتبط مجد بعضهم، حسب سجلات التاريخ، بمحاربة اللصوص الحقيقيين، الذين ينهبون مقدرات الدولة، ويمتصون دماء الميزانيات، محصنين في قلاع الدولة العالية، والدواوين المحمية، يرفعون مصاريف الدولة عبر امتصاص النسب الإضافية في الصفقات الحكومية.

   وهم يصفقون فرحين بأخبار الاعتقالات اليومية للفقهاء المغرمين(…) ولصوص البيوت والسيارات ولمهاجمي النساء والقاصرين، ولما أصبح الشغل الشاغل لأغلب الصحف من أخبار عن قاتل أمه وذابح أبيه، ولا حديث ولا متابعة، ولا بحث – كما يظهر – عن اللصوص الكبار الذين ينهبون الملايير، رغم فوحان رائحتها من المطبخ الحكومي الذي لا يراقبه حزب ولا حكومة ولا برلمان، ونختار آخر نماذجه من صحف الأسبوع المنصرم فقط: ((تنبعث رائحة فساد بالمليارات وعمولة بقيمة نصف مليار مقابل تمرير صفقة لشراء 500 سيارة داسيا)) (المساء. 24 دجنبر 2016).

   وقبلها نُشرت أخبار عن القضاء الفرنسي(…) يحقق في الاختلاسات التي حصلت في بناء مسجد بفرنسا، ساهمت فيه وزارة الأوقاف المغربية بستة مليارات، لتظهر المسؤولية المغربية في هذه الاختلاسات.

   وتذكير معطف يلبسه ملك المغرب بالعدو الأكبر للسرقة والنهب شرلوك هولمز، يحتم علينا أن نحيي ذكرى ملوك وسلاطين مغاربة، سبقوا شرلوك هولمز في محاربة النهب والفساد، على مستويات المقربين من الملوك والسلاطين، الذين كانت ظروفهم أشبه بظروف المغرب الحالية(…) فاضطر السلطان الحسن الأول، لمواجهة التهريب الذي سماه في رسالة رسمية له، بالكونطرباند، وكتب تعليمات صارمة بصيغة أقرب إلى اللهجة الشعبية: ((إياك والكونطرباند لتكون على بال من ذلك، لكون تلك التجارة مخالفة للقانون، فامنعوا نزول الكونطرباند للأسواق، وعلى المخزن أن يعمل حراسا في كل السواحل واحتاطوا من سمسار الإنجليز الذي ترامى عليه المديوني(…) والماريكان، الذين ترامى عليهم الحريزي والمزمزي)) (أيام الحسن الأول. أتحاف بن زيدان).

   بل إن مازال شائعا عندنا من جرائم، كان حتى قبل ظهور شرلوك هولمز، جعل السلطان الحسن الأول يكتب لمدير أمنه منبها إلى ضرورة: ((رد البال للطريق ليلا ونهارا، وانصبوا لأهل العبث، الأرصاد، ويكمنوا لهم بكل واد، حتى تصير الدماء بذلك محقونة والفتن محسومة، والأموال مصونة، فإن قطع الطريق وإخافة المسافرين من أقبح السيئات)) (نفس المصدر).

   وعلى مستوى أرقى من مستوى قطاع الطرق غضب سلطان آخر، محمد بن عبد الله، 1757م، ولا شك أنه استعان بأدهى من شرلوك هولمز عندما هاجمت جيوش السلطان مدينة مليلية، فكتب له ملك إسبانيا رسالة احتجاج ((لأن جيوش السلطان خرقت اتفاقا ممضى معنا من طرف وزيركم المسمى غزال بمهادنة بيننا برا وبحرا))، بينما كان الاتفاق الذي وافق عليه السلطان هو مهادنة على مستوى البحر، ليتضح أن المبعوث الملكي أضاف في النسخة المسلمة للإسبان، “وبَرَّا” مقابل ما اكتشفه السلطان(…) فطرد الوزير الذي أضاف لفظة “برا” بدون علم السلطان.

   واكتفى المؤرخون بأن كتبوا: وعندما طرد السلطان وزيره غزال، أصيب بنكسة أصيب إثرها بالعمى إلى أن مات أعمى.

   شرلوك هولمز كان متواجدا في المحيط السلطاني بالمغرب، إذن، قبل ظهور شرلوك هولمز في تاريخ ملكة بريطانيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى