تقرير | هل يشارك شباب “جيل زد” في انتخابات 2026 بمفاجأة للأحزاب السياسية ؟

مع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة يوم 23 شتنبر، والتي تراهن عليها الأحزاب السياسية لتأكيد حضورها في المشهد الانتخابي وقياس شعبيتها لدى الناخبين، يبرز “جيل زد” كحركة شبابية وقوة انتخابية يمكن أن تخلط أوراق الأحزاب والسياسيين الذين يطمحون إلى الوصول للحكومة المقبلة، والذين سيجدون أنفسهم في مواجهة جيل من الشباب يفهم السياسة ويسعى إلى فرض وجوده من خلال الفضاء الرقمي.
الرباط. الأسبوع
سبق أن أطلق “جيل زد” نداء إلى كل الشباب المغربي من أجل التسجيل في اللوائح الانتخابية، ويحثهم على الانخراط في عملية التسجيل، بحيث جاء في البيان: “صوتك ماشي غير ورقة فالصندوق، صوتك يقدر يغير بزاف ديال الحوايج ويخلي صوت الشباب مسموع”، وهو ما اعتبره العديد من المحللين رسالة واضحة من الحركة للمشاركة السياسية في الانتخابات المقبلة قصد التغيير أو إيصال صوتها عبر صناديق الاقتراع.
ويرى عدد من المتتبعين أن انخراط ومشاركة شباب “جيل زد” في الاستحقاقات المقبلة، سواء عبر التصويت أو الترشح في اللوائح المستقلة، أو مع بعض الأحزاب التي تتقاسم معهم نفس المطالب، يعد رسالة إلى الأحزاب بأن جميع المطالب الاجتماعية لا زالت تحظى بالأولوية لدى هذه الفئة، المتمسكة بالمشاركة السياسية ومواصلة النضال رغم تواجد العشرات من شباب الحركة والمناضلين في السجون.

في هذا الإطار، يقول عبد المنعم لزعر، أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري، أن هناك فجوة تتسع مع كل استحقاق انتخابي بين الشباب وبين العملية الانتخابية، بدءً من التسجيل في اللوائح الانتخابية مرورا بالترشيح للانتخابات، وأخيرا الإدلاء بالصوت الانتخابي خلال يوم الاقتراع، وهذه الفجوة مرتبطة بظاهرة معقدة تعاني منها جل التجارب الانتخابية المقارنة، يتم تقديمها تحت مسميات عدة من قبيل فقدان الثقة، العزوف الانتخابي، وضعف المشاركة ولامبالاة الشباب، وغيرها، وفي التجربة المغربية، يقدم لنا الواقع العديد من المؤشرات؛ فبناء على نتائج الإحصاء العام للسكن والسكنى، فإن 76.9 % من الشباب بين 15 و35 سنة يستعملون الأنترنيت، كما تشير الأبحاث والدراسات المنصبة على قضايا الشباب، إلى أن غالبية رهانات الشباب يتم تصريفها وتسويقها عبر الأنترنيت ومنتديات التواصل الاجتماعي، وهذا ما تجسد فعليا مع ما سمي بحركة “جيل زد”.
وبخصوص مدى مشاركة “جيل زد” في الاستحقاقات المقبلة، أكد نفس المتحدث أن البيانات النوعية الخاصة بالمسجلين في اللوائح الانتخابية العامة بناء على آخر مراجعة، أظهرت أن عدد المسجلين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 لا يتجاوز 8 %، والذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 يصل إلى 19 %، وهذه الأرقام تقدم للمتتبعين والباحثين صورة عن وزن وثقل الشباب على مستوى الهيئة الناخبة، لكن ترجمة هذا الوزن وهذا الثقل وتحويله إلى قوة تأثير على مستوى النتائج الانتخابية، يرتبط بالعديد من العوامل التي قد تجعل هذا التأثير قويا أو ضعيفا، بسبب السياقات، والرهانات المتصلة بالانتخابات، وحجم الثقة في العملية الانتخابية، وطبيعة الحوافز التي تولدها هذه الاستحقاقات.
وأوضح المتحدث ذاته، أن الجهات الفاعلة المختصة حاولت توليد بعض الفرص والحوافز لجيل الشباب، من قبيل: تمديد فترة التسجيل، تخصيص دعم مالي للشباب الراغبين في الترشيح كلامنتمين، وتخليق الممارسة الانتخابية.. لكن مستويات استجابة الشباب مع هذه المخرجات تظل في اللحظة الراهنة غير معلومة، ويتعين علينا انتظار ما ستسفر عنه عملية إيداع الترشيحات، ثم انتظار تعبيرات سلوك الشباب تجاه هذه القواعد وتجاه المنظومة الانتخابية في مجموعها، ومع ذلك يجب الإشارة إلى أن ما يميز جيل الشباب هو الارتباط القوي بشبكات التواصل الاجتماعي وقنوات المشاركة الافتراضية، ونفورهم البيّن من المؤسسات التقليدية وقنوات المشاركة التقليدية، مشيرا إلى توليدهم لقيم ومنظورات قيمية مقاومة ومضادة للقيم التقليدية، وهو ما يجعل الشباب منخرطين في صراع دائم مع واقعهم، وهذا الصراع يجعلهم محركين حقيقيين للسياسة وفاعلين مؤثرين، لكن قد لا ينعكس هذا التأثير انتخابيا أو تمثيليا أو مؤسساتيا، إلا أنه يظل تأثيرا قويا، وأهم تأثير يحققه الشباب هو شحن السياسة القائمة على الصراع بالطاقة، تلك الطاقة التي تجعل السياسة حية وإن جعلت الانتخابات تبدو وكأنها ميتة.

من جانبه، يقول كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بكلية الحقوق أكدال بالرباط، يمكن أن نشهد مشاركة ملحوظة من “جيل زد” في الانتخابات المقبلة، لكن ليس بالضرورة بمعناها التقليدي الذي تقاس فيه المشاركة بنسبة الإقبال على صناديق الاقتراع فقط؛ فمن منظور علم السياسة، أصبح مفهوم المشاركة السياسية أكثر اتساعا، إذ يشمل التفاعل الرقمي، وصناعة الرأي العام، والتأثير في النقاش العمومي، قبل أن يشمل الفعل الانتخابي نفسه، و”جيل زد”، المولود تقريبا بين سنة 1997 و2012، يمثل أول جيل نشأ بالكامل داخل البيئة الرقمية، لذلك فهو لا ينظر إلى الأحزاب أو المؤسسات بالمنطق الذي كانت تنظر به الأجيال السابقة، بل يقيسها بمعايير النجاعة والشفافية والقدرة على حل المشكلات اليومية أكثر من الانتماء الإيديولوجي أو التاريخ النضالي، وتشير العديد من الدراسات إلى أن هذه الفئة تعبر عن اهتمام قوي بالشأن العام، لكنها تبدي في الوقت نفسه قدرا من التردد أو عدم الثقة تجاه الوسائط الحزبية التقليدية.
وأضاف ذات المتحدث، أن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح ليس: هل سيشارك “جيل زد”؟ وإنما: هل استطاعت الأحزاب أن تقنعه بأن التصويت يمثل أداة حقيقية للتغيير؟”، فإذا نجحت الأحزاب في تقديم مرشحين شباب، وبرامج واقعية، واستعملت لغة تواصل رقمية قريبة من اهتمامات هذه الفئة، فإن نسبة المشاركة قد ترتفع بشكل ملموس، أما إذا استمر الخطاب السياسي التقليدي، فمن المرجح أن تستمر حالة العزوف النسبي أو أن تتجه هذه الفئة إلى أشكال أخرى من التعبير السياسي خارج المؤسسات الحزبية، موضحا أن “جيل زد” من الناحية الدستورية والسياسية يشكل أحد أهم المتغيرات الانتخابية في استحقاقات 2026، ليس فقط بسبب حجمه الديمغرافي، ولكن أيضا بسبب سلوكه الانتخابي المختلف عن الأجيال السابقة؛ فهذا الجيل أقل وفاءً حزبيا وأكثر استعدادا لتغيير اختياراته بين استحقاق وآخر، كما أنه يتخذ قراراته في فترة قصيرة قبل الاقتراع، ويتأثر بصورة المرشح، ومصداقية الخطاب، والحضور الرقمي.. أكثر مما يتأثر بالولاءات السياسية التقليدية.
وفي النظام الانتخابي المغربي، القائم على التمثيل النسبي وتوزيع المقاعد داخل دوائر متعددة، فإن تحريك بضعة آلاف من الأصوات الإضافية في بعض الدوائر، قد يكون كافيا لتغيير توزيع المقاعد بين الأحزاب، بل وقد يغير ترتيبها وطنيا، لذلك فإن تأثير “جيل زد” لا يقاس فقط بعدد الناخبين، وإنما أيضا بقدرته على ترجيح الكفة في الدوائر المتقاربة انتخابيا.
ووفق المتحدث نفسه، فإن الانتخابات المقبلة قد تكون أول استحقاق يصبح فيه التنافس على الشباب أهم من التنافس بينهم، لأن الأحزاب التي ستنجح في استعادة ثقة هذه الفئة لن تكسب فقط أصواتا إضافية، بل ستكسب أيضا شرعية سياسية ورصيدا مستقبليا، باعتبار أن هذا الجيل سيكون الكتلة الانتخابية الأكثر تأثيرا خلال العقد المقبل. وعليه، فإن الرهان الحقيقي للأحزاب لم يعد مجرد تعبئة قواعدها التقليدية، وإنما تحويل “جيل زد” من جمهور يتابع السياسة عبر المنصات الرقمية إلى فاعل يترجم اهتمامه بالشأن العام إلى سلوك انتخابي داخل صناديق الاقتراع، وإذا تحقق هذا التحول، فإن نتائج الانتخابات قد تشهد إعادة رسم للخريطة الحزبية، ليس بالضرورة عبر ظهور أحزاب جديدة، وإنما عبر إعادة ترتيب موازين القوى بين الأحزاب القائمة.
يدور الحديث عن رغبة العديد من شباب “جيل زد” الترشح خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، عبر لوائح مستقلة أو عبر أحزاب سياسية قد تسعى لاستقطابهم بغية تحقيق مكاسب انتخابية، ما يجعل رهان هؤلاء الشباب كبيرا على الاستحقاقات المقبلة من أجل تحقيق مطالب الشغل وتوفير فرص التوظيف، والاستثمار ودعم المقاولات ومشاريع الشباب، والنهوض بوضعية الصحة والتعليم، ما يضع الأحزاب في مواجهة هؤلاء الشباب خلال الاستحقاقات المقبلة ومدى تجاوب برامجها مع انتظاراتهم ومطالبهم التي خرجوا من أجلها للشارع في السنة الماضية.
ولأجل تحفيز الشباب على المشاركة السياسية وتقليل ظاهرة العزوف الانتخابي، اعتمدت الدولة عدة التحفيزات لفائدة الشباب، لا سيما الذين يصطدمون بعراقيل أو عقبات لدخول المؤسسات المنتخبة والأحزاب، عبر توفير دعم مالي يسمح بتغطية مصاريف الحملات الانتخابية للمرشحين الشباب أقل من 35 سنة بنسبة 75 % بمبلغ يقدر بحوالي 55 ألف درهم، وتسهيل ترشح الشباب المستقلين الذين يجدون صعوبة في الحصول على تزكيات الأحزاب في ظل تفضيلها للأعيان.

في هذا الصدد، اعتبرت رقية أشمال، أستاذة بكلية علوم التربية بالرباط، أن حراك “جيل زد” كان بمثابة المحفز المباشر والأكثر تأثيرا وراء الإسراع بإقرار المقتضيات الانتخابية التفضيلية للشباب استعدادا لانتخابات 2026، التي جاءت في ظل أزمة الثقة التي تعرفها الساحة السياسية المغربية، والتي أسفرت عن حالة من اليأس والإحباط لدى الشباب تجاه ما يجري في الحياة السياسية أمام مفارقات ارتفاع الفواتير، مقابل تدوير جل الأحزاب نفس الوجوه واحتكارها المسؤوليات، مما أضعف جاذبية العمل السياسي والحزبي رغم المشاركة الرقمية النقدية الواسعة للشباب على مواقع التواصل الاجتماعي.
وترى نفس المتحدثة، أنه رغم هذه الخطوة الإيجابية ورغم الإصلاحات الجوهرية التي أدخلت على القانون التنظيمي لانتخاب أعضاء مجلس النواب فيما يخص الرفع من عدد الجرائم الانتخابية التي تهم استعمال المال أو تتعلق بتحديد سقوف المصاريف، تشير عدة مؤشرات إلى أن الدعم المالي المخصص لترشيح الشباب ليس حلا سحريا لإقرار مبدأ تكافؤ الفرص، مضيفة أن هذه البيئة السياسية والدستورية الداعمة لمشاركة الشباب وتعزيز فرصهم، تطرح سؤالا جوهريا: هل يكفي أن تكون منتميا لجيل الشباب في التحديد العمري لتحظى بضمانات التمكين والمشاركة السياسية ؟
وأكدت المتحدثة ذاتها، على ضرورة تجديد التعاقد مع الشباب من خلال بلورة سياسة عمومية موجهة للشباب مستجيبة لتطلعاتهم وانتظاراتهم، سياسة يكون الشباب أهم شركائها وليس محورها، عبر إقرار تشريعات خاصة تحدد بوضوح حقوق الشباب والتزامات الدولة، مما يخلق إطارا ملزما للسياسات العمومية، بدلا من تركها رهينة المبادرات الظرفية، إضافة إلى إقرار نموذج للحكامة في تنفيذ وتتبع وتقييم كل الآليات الداعمة لمشاركة الشباب، وتفعيل المقتضيات الدستورية ذات الصلة بالشباب، لا سيما المجلس الاستشاري للشباب، وسن تشريعات تتعلق بإحداث مجالس ترابية تتعلق بالشباب مع إخراج قانون التشاور العمومي إلى حيز الوجود.
تبقى الانتخابات المقبلة مناسبة لقياس مدى ثقة شباب “جيل زد” في الشأن السياسي والانتخابي، من خلال مشاركته عبر لوائح الترشيح المستقلة، أو تحت مظلة بعض الأحزاب، أو من حيث مشاركته في عملية التصويت وقدرة الحركة الشبابية على تجنيد أتباعها من خلال المنصات الرقمية، لمعرفة مدى تأثير هؤلاء الشباب في الساحة السياسية.. فهل سيكون شباب “جيل زد” الحصان القادر على بعثرة أوراق الأحزاب والتأثير في نتائج الانتخابات ؟



