ملف الأسبوع | تاريخ لعبة ملفات حقوق الإنسان بين المغرب وفرنسا
قبل أيام من الزيارة الرسمية الفرنسية المهمة للمغرب، بأكثر من عشرة وزراء يرأسهم الوزير الأول الفرنسي من أجل توقيع اتفاقيات وصفت بالمهمة، نزلت على المغرب قضية وكأنها كرة نار في هذا الصيف المشتعل حرارة، ويتعلق الأمر باعتقال الصحافي الفرنسي-المغربي المعارض علي المرابط في مطار طنجة لدى وصوله إلى المغرب، ما أشعل التكهنات بوجود من يلعب خلف الستار لإحراج العلاقات المغربية-الفرنسية بالتزامن مع توقيع هذه الاتفاقية المهمة، حيث أن وصول الرجل إلى المغرب في هذا الوقت بالذات لا يمكن أن يكون وليد الصدفة، ذلك أن قضايا حقوق الإنسان لطالما أشعلت النار بين المغرب وفرنسا. لا يحاول هذا الملف الخوض في أمر علي المرابط، بل يحاول معالجة الموضوع من زاوية أخرى، وهي عرض حوادث متعلقة بحقوق الإنسان عكرت صفو العلاقات بين البلدين وأدخلتهما أحيانا في قطيعة طويلة، وأحيان أخرى في أزمة دبلوماسية كبرى.
أعد الملف: سعد الحمري
البداية المبكرة للأزمات بين المغرب وفرنسا بسبب حقوق الإنسان
كان ملف الاعتقالات وحقوق الإنسان من بين أهم القضايا التي ميزت العلاقات المغربية-الفرنسية على الدوام، إن لم نقل أنه أهم ملف اتخذ كسبب من أجل تأزيم العلاقة بين البلدين؛ فقد كان أول ملف اختبر العلاقات بين البلدين هو قضية مقتل الشاب الفرنسي بيير كلايسن خلال أحداث الريف يوم 6 يناير 1959، حيث قتل على يد مجموعة من المتمردين بالحسيمة، ومن تم طالبت الحكومة الفرنسية الحكومة المغربية بالبحث عن الذين تورطوا في قتله والحكم عليهم بأقصى العقوبات، غير أن المحكمة العسكرية بفاس برأت المتهم بقتله وحكمت عليه بأحكام مخففة، على اعتبار أن الدولة لم تكن راغبة في تأزيم الوضع، وكانت تريد إنهاء ملف أحداث الريف بأخف الأضرار على المتورطين.
غير أن أول ملف طرح كاختبار حقيقي للعلاقات بين البلدين في ملف حقوق الإنسان، هو قضية اغتيال الزعيم الاتحادي المهدي بنبركة فوق الأراضي الفرنسية، في شتاء سنة 1965، ولم تستسغ فرنسا وقوع الجريمة فوق أراضيها، كما أنكر المغرب علاقته بعملية الاغتيال، غير أن فرنسا طالبت المغرب بأن يسلمها الجنرال محمد أوفقير وزير الداخلية آنذاك، من أجل استنطاقه في القضية ومن تم محاكمته، لكن المغرب رفض الأمر من طبيعة الحال، على اعتبار أنه في حال ما إذا سمح بتسليم وزير داخليته فإنه سينظر له على أنه بلد بلا سيادة وأنه مجرد مقاطعة تابعة لفرنسا.
وبسبب ذلك، دخلت العلاقات المغربية-الفرنسية في قطيعة بسبب هذا الملف الحقوقي، دامت سبع سنوات كاملة، حاول المغرب خلالها التخلص من التبعية لفرنسا مدة من الزمن، إلا أن باريس رأت أن المغرب بدأ ينفلت من بين أيديها ويعمل على وضع كل بيضه في سلة أمريكا، وبعدها توفي الجنرال دوغول وعوضه الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، الذي سعى إلى إعادة العلاقات بين البلدين بكل الوسائل، ومن طبيعة الحال، كان الشرط هو العفو عن الجنرال أوفقير وعدم متابعته في حال قام بزيارة إلى فرنسا.
قام الملك الحسن الثاني بزيارة إلى باريس في صيف سنة 1972، وهنا وجد الرئيس الفرنسي له حلا لمعضلة أوفقير، حيث اقترح على الملك أن هناك قانونا فرنسيا يمنح لمن قدم خدمات جليلة لفرنسا العفو في حال قام بجناية، ومن طبيعة الحال كان أوفقير قد قدم خدمات كبرى لفرنسا، حيث كان من الجنود المشاركين في تحريرها خلال الحرب العالمية الثانية من الاحتلال الألماني.
وبينما اطمأن الملك الحسن الثاني للأمر، أخبرته المخابرات الفرنسية بأن عليه أن يعود إلى المغرب بسرعة، لأن هناك حركة غير عادية للجيش تنذر بأمر قريب الوقوع، وفي الطريق وقع ما حذرت منه المخابرات الفرنسية، حيث تعرضت الطائرة الملكية لهجوم، وكان المتورط فيها هو الجنرال أوفقير الذي مات منتحرا، وبذلك انتهت قصة أول قضية حقوق إنسان بين المغرب وفرنسا بعفو فرنسي مقابل انتحار المتسبب في هذه الأزمة.

عهد فرانسوا ميتران واشتعال ملف حقوق الإنسان بين المغرب وفرنسا
ظلت العلاقات بين البلدين في استقرار لمدة تسع سنوات، ثم بدأت رياح التغيير تطل عندما فاز الاشتراكيون الفرنسيون بالانتخابات الرئاسية، وأصبح فرانسوا ميتران أول رئيس اشتراكي يحكم فرنسا، وقد كان شكل العلاقات بين البلدين واضحا عندما أعلن الرئيس الجديد أنه سيعطي أولوية للجزائر على المغرب، كما دخل الملك الحسن الثاني في نقاش مع الحزب الاشتراكي الفرنسي عندما وصفهم بأنهم غير متمرسين على الحكم، فانتظر الحزب الاشتراكي الفرنسي المناسبة، وهذه المرة كانت القضية حقوقية بامتياز، حيث أعلن الملك الحسن الثاني قبوله تنظيم استفتاء كحل لقضية الصحراء، الأمر الذي رفضه حزب الاتحاد الاشتراكي المغربي المعارض، وكرد فعل على ذلك، قام الحسن الثاني باعتقال زعيم الحزب عبد الرحيم بوعبيد إلى جانب قادة آخرين من الحزب، مع العلم أن تنظيم الاستفتاء في الصحراء كان هو مطلب الحزب الاشتراكي الفرنسي، وعندما قبل به الحسن الثاني رفضه الاتحاد الاشتراكي المغربي.
كان الحزب الاشتراكي الفرنسي ينتظر الفرصة السانحة لمهاجمة المغرب من جديد، ولم يجد أفضل من هذا المشكل، لذلك أصدر بلاغا نشره يوم 9 شتنبر 1981، طالب من خلاله بإلحاح بإطلاق سراح عبد الرحيم بوعبيد وبقية أعضاء المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، غير أن هذا البلاغ لم يكن كباقي البلاغات؛ فقد جاء فيه أن ((الإفراج عن المعتقلين المذكورين سيقيم أمام الحزب الاشتراكي الفرنسي البرهان على أنه لا تزال بالمغرب بعض أثار نظام ديمقراطي للحكم))، وهكذا يظهر من خلال المفردات المستعملة، أن الحزب الحاكم في فرنسا استعمل مفردات لا تليق بمخاطبة دولة لها سيادتها، وعلى إثر ذلك، لم تتأخر الحكومة المغربية في الرد.. فقد نشرت تصريحا يوم 10 شتنبر 1981، ردا على بلاغ الحزب الاشتراكي الفرنسي، اعتبرت من خلاله أن ((هذا التدخل، سواء بالنظر إلى حجمه أو إلى جسارة صيغته، يستدعي من قبل الحكومة المغربية تقديم بعض الملاحظات حوله، وكانت كالتالي:
• أولا: إن المغرب لا يقبل بتاتا أي خرق لحرمة مبيتة، وأي تدخل في شؤونه مهما كان البلد المسؤول عن ذلك، اللهم إلا إذا لحق ضرر أو كاد بالمصالح الحيوية أو المعنوية أو المادية لذلك البلد.
• ثانيا: تلاحظ الحكومة المغربية بأسف عميق، أن الحزب الاشتراكي الفرنسي إذ يستعمل عبارة “المطالبة بإلحاح”، فهو يتخذ في ذات الوقت موقفا منافيا للواقعية، وموصوفا بجهل تام للقواعد والأعراف الجاري بها العمل في العالم.
• ثالثا: يحق للحكومة المغربية – وهذا أقل ما يمكن أن يقال – أن تتساءل باستغراب صادق كيف أجاز الحزب الاشتراكي الفرنسي لنفسه أن يدافع دفاعا أعمى ومسبقا وغير منطقي عن موقف مناهض للاستفتاء في الصحراء المغربية؟
• رابعا: إن الحكومة المغربية فيما يخصها، تتأسف بصدق لهاته المجاملة التي لا موضوع لها والتي تثير الأسى، وتأمل سياسيا أن يتخلى الحزب الاشتراكي عن أسطورة ازدواجيته الشخصية، وذلك لخير العلاقات المغربية-الفرنسية)).
وفي سنة 1983، وفي خطاب ملكي بمناسبة عيد الشباب، قال الملك الحسن الثاني بأنه لم يكن لديه الحق في القبول بالاستفتاء قبل أن يستفتي الشعب، وهو ما اعتبره القطب الاتحادي محمد اليازغي ضمن مذكراته بما يلي: ((اعتبرنا أن الرجوع للحق فضيلة، وشهادة لنا بصحة موقفنا ووطنيتنا، وأيضا ردا للاعتبار للظلم الذي لحق بنا باعتقالنا ومحاكمتنا.. اعتذار من الحسن الثاني للاتحاد الاشتراكي عن ذلك الظلم والإقرار بأن اعتقالنا كان تعسفا وقمعا)).
ولم تنته أزمات المغرب مع فرنسا خلال مرحلة حكم فرانسوا ميتران بسبب قضايا حقوق الإنسان عند هذا الحد، بل كانت البداية فقط.. حيث دخل العالم انطلاقا من سنة 1989 في موجة حقوق الإنسان، وعليه شنت فرنسا حملات كثيرة على المغرب تستهدف وضع حقوق الإنسان هناك، وخصصت مساحات في القنوات الإعلامية الرسمية لمهاجمة الحسن الثاني، كما هاجمته برامج ساخرة، وتمت استضافة الكاتب جيل بيرو صاحب كتاب “صديقنا الملك”، الذي يصف من خلاله الملك الحسن الثاني بأنه “إقطاعي من القرون الوسطى” في التلفزيون الرسمي الفرنسي، وهو ما اعتبر هجوما على المغرب، كما أصبحت قضية أبراهام السرفاتي، وآخرين على غرار عبد المومن الديوري، الذي كان يقيم في فرنسا وأبعد إلى الغابون، تحظى باهتمام وسائل الإعلام الفرنسية.
كان ما يدور موضوع أحاديث بين الملك الحسن الثاني والصحافة الفرنسية؛ فقد استقبل يوم 20 يوليوز 1991 صحفيين فرنسيين، وكان أول موضوع طرح يتعلق بقضية عبد المومن الديوري، الذي تم إبعاده من فرنسا إلى الغابون وفقا للمسطرة الاستعجالية، وأول سؤال طرح على الملك هو: “هل كنتم وراء هذا الإبعاد؟ وهل يمكن القول إن ملك المغرب هو الذي طلب من الديوري مغادرة فرنسا؟”، فكان جواب الملك بالتالي: ((بادئ ذي بدء سأجيبكم جواب رجل قانون، نقول نحن رجال القانون عندما لا تكون مصلحة لا تكون دعوى، إن هذا الشخص يعيش في فرنسا منذ عشرين سنة، ولو كنت أريد أن أطلب طرده لربما كنت قمت بذلك في الوقت الذي لم يكن فيه الاشتراكيون في الحكم، إنني لم أقم بذلك أبدا، ولا أعتقد أنني كنت سأقوم به. وثانيا، علما مني بأنه يوجد حول الرئيس بونغو في إطار تعاوننا الأخوي حراس شخصيون مغاربة، وخشية مني أن يتعرض هذا الشخص لاعتداء، لأسباب تعرفها فرنسا ولا يعرفها المغرب، فقد طلبت إذن بإلحاح من صديقي الرئيس بونغو إعادته إلى فرنسا))، كما أكد لهم أن وزير الداخلية الفرنسي فسر أسباب إبعاد مومن الديوري إلى الغابون على اعتبار أنه متورط في عدد من القضايا، منها تواصله مع الليبيين والعراقيين، كما تورط في عملية محاولة إدخال السلاح إلى الجزائر.
ثم مرت الصحافة إلى طرح سؤال آخر: “أعتقد أنه بإمكاننا أن نطرح أيضا قضية حقوق الإنسان، لقد قلتم لنا إنه بإمكاننا طرح جميع الأسئلة التي نريد، ما هو المصير الذي ينتظر معارضيكم؟ وهل يمكن أن يحرك هذا المصير شعور جميع الحركات الإنسانية في العالم أجمع؟”، فأجاب الملك بالتالي: ((ليس لي معارضين بالمعنى الصحيح للكلمة، والأشخاص الذين يوجدون رهن الاعتقال دخلوا السجن بموجب حكم قضائي، فمنهم من حكم عليه بالسجن المؤبد كالسرفاتي الذي ستسألونني عنه بالتأكيد، وعليه سأبدأ بتناول حالته، فهذا الشخص محكوم عليه بالسجن المؤبد وملفه القضائي يثبت أنه توبع بتهمة وضع قنابل والمشاركة في وضعها، والسبيل الوحيد لكي يخرج من السجن هو العفو الملكي، لكن ما دام هذا الشخص لا يعترف بمغربية الصحراء فإنه لن يتمتع بهذا العفو، أما جميع المعتقلين الآخرين، فقد أطلق سراحهم، ولكن أود أن أؤكد أن السرفاتي صدر في حقه حكم قضائي، إذن، فحينما يتحدث البعض عن حقوق الإنسان فإنه يشكك في نزاهة القضاء المغربي، هذا القضاء الذي على ما أعتقد لم يظلم أي فرنسي، علما بأن لكم رعايا يقيمون في المغرب.. يتزوجون ويطلقون ويرثون فيه، ومنهم من هو طرف في قضايا أمام المحاكم المغربية تتعلق بالكراء والملكية وغيرها، ولم يشتك أبدا أي فرنسي أو أجنبي من العدالة المغربية، إن الاعتقاد بأننا نفعل لقضائنا ما نشاء هو إساءة لشخص رئيس الدولة)).

من شيراك إلى ماكرون.. قضية الحموشي والمومني هي الوحيدة
وهكذا رغم محاولات الملك الحسن الثاني التصدي للإعلام الفرنسي عند مهاجمته للوضع الحقوقي في المغرب، إلا أن فرنسا ظلت تهاجم بلادنا من هذا الجانب، ولم تتحسن الأمور إلا مع تنصيب رئيس جديد هو جاك شيراك، فخلال مرحلة هذا الأخير والرئيس الذي جاء بعده نيكولا ساركوزي، لم تدخل فرنسا في أي صراع مع المغرب بسبب قضايا حقوق الإنسان، وكانت المرة الوحيدة هي عندما حاول ساركوزي أن يتوسط في قضية المسماة أميناتو حيدر، غير أن الأمور تغيرت عندما صعد إلى الحكم فرانسوا هولاند، حيث طرأ حادث عطل العلاقات بين البلدين، عندما اتهم زكرياء المومني المدير العام للأمن الوطني عبد اللطيف الحموشي بتعذيبه، يومها كان الحموشي في زيارة إلى فرنسا وتم استدعاؤه من أجل الاستجواب في هذه القضية، فاعتبر المغرب أن الأمر إهانة له، ما أدخل البلدين في أزمة دبلوماسية، ومنذ ذلك التاريخ لم تشهد العلاقات أزمة بسبب حقوق الإنسان.. فكيف سيتم التعامل مع اعتقال علي المرابط من طرف الإعلام الفرنسي والمغربي؟ وكيف سيتم الخروج من كرة النار الحارقة هذه ؟



