ملف الأسبوع | كيف أصبحت مهمة العمال والقياد مرتبطة بظهير ملكي..

بينما كان عبد الإله بن كيران يروج لبرنامجه الانتخابي، الذي كان ضمن أهم وعوده أنه في حال صعد إلى رئاسة الحكومة، فإن أول قرار سيتخذه هو إلغاء الساعة الإضافية، ولا شك أن بن كيران كان ذكيا جدا، حيث أن هذا الموضوع أصبح أحد هموم المواطنين الكبرى، على اعتبار أن إضافة ساعة أثرت على الصحة النفسية للمغاربة بشكل كبير، وبطريقة لا تصدق، وبعد أيام من وعد بن كيران، خرج عزيز أخنوش رئيس الحكومة، وخصم بن كيران اللدود، ليقطع الطريق على غريمه، وأعلن أن الحكومة اتخذت قرارا يقضي بإنهاء العمل نهائيا بالساعة المشؤومة، ما جعل بن كيران يعيد حساباته الانتخابية، ويصدر حزبه بلاغا اعتبر من خلاله أن إلغاء الساعة الإضافية كانت مطلبا شعبيا وأن حزب “المصباح” هو من تبناه ودافع عنه.
والحال أن موضوع استغلال بعض القوانين واللعب عليها، كان لعبة شد وجذب قديمة في المغرب؛ فهناك محطات لعب فيها مسار إصدار القوانين طريقا دراماتيكيا، ويقترح ملف هذا الأسبوع على القراء الكرام الجدال الذي أدى إلى إصدار بعض أهم القوانين في تاريخ المغرب، ويتعلق الأمر بوظيفة القياد والباشوات والعمال.
أعد الملف: سعد الحمري
الصراع حول القوانين بدأ خلال الحماية وبلغ ذروته بعد الاستقلال مباشرة
عرف المغرب العمل بإصدار القوانين في الجريدة الرسمية لتصبح سارية المفعول، خلال مرحلة الحماية الفرنسية، كما ركز عقد الحماية على أن السلطان هو الوحيد المخول له توقيع الظهائر الشريفة، أي أن الملك أصبح هو السلطة التنفيذية، مع العلم أن هذا السلاح الذي استعملته فرنسا سرعان ما انقلب عليها، حيث أن السلطان محمد الخامس رفض، انطلاقا من سنة 1950، توقيع الظهائر التي كانت تقترحها سلطات الحماية، والتي كانت كلها في مصلحتها من أجل إخضاع الاقتصاد المغربي لها بشكل كامل. وعليه، فإن أزمة العرش التي أدت إلى نفي السلطان محمد الخامس كان سببها الأول هو رفض هذا الأخير توقيع القوانين التي ليست في مصلحة المغاربة وتخدم مصالح فرنسا الدولة الحامية.
حصلت البلاد بعد ذلك على الاستقلال، وفور عودة السلطان محمد الخامس من المنفى إلى العرش يوم 17 نونبر 1955، بدأت المملكة تعرف معنى الصراع حول القوانين وكيف يمكن لبعض القوانين أن تكون في خدمة بعض الأهداف، وقد كان أول قانون دار حوله الصراع، حسب معرفتنا، هو القانون المتعلق بوظيفة القياد والباشوات والعمال؛ فقد بدأ الصراع بالضبط بين حزب الاستقلال والقصر حول هذه الوظيفة وكيف يمكن وضع قانون لها.

أول صراع يخص القوانين كان حول القياد والعمال
بعد عودة الملك إلى عرشه بأيام، عقد حزب الاستقلال مؤتمره الاستثنائي، وكان من بين أهم مقررات المؤتمر، الملتمس الذي رفعته لجنة الإصلاحات الإدارية والمتعلق بوظيفة القياد والباشوات، وتضمن برنامجا شاملا حول وظيفتهم، حيث طالب الحزب، كمرحلة أولى، بأن يتم طرد كل القياد والباشوات المنتمين لعهد الحماية من وظائفهم، في مقابل أن يتم وضع تصميم يعيد هيكلة الإدارة في البوادي والمدن على أساس أن يكون قائما على فصل السلط القضائية والإدارية والجبائية، واقترح أن تكون وظيفة القياد محدودة، وفي إطار قوانين تحدد مداها. كما طالب حزب الاستقلال بإنشاء وظيفة جديدة، وهي وظيفة العمال الذين سيصبحون ممثلي السلطة المركزية على رأس كل ناحية، وذلك من خلال تقسيم المغرب إلى عشرة أقاليم أو أكثر، وأن يكونوا تابعين لوزارة الداخلية.
الاتحاد المغربي للشغل، الذي كان يمثل قوة عمالية كبرى، من جهته، طالب بعدم تعيين أي من القياد أو الباشوات في المناصب الوزارية، وقد حاول القصر، أمام هذا الوضع، أن يساير بعض مقترحات حزب الاستقلال والاتحاد المغربي للشغل، خاصة الشق المتعلق بتسيير إدارة الداخلية والبادية، وبالفعل، استجاب لاقتراح حزب الاستقلال، القاضي بتقسيم المغرب إلى عمالات، وتعيين عامل على رأس كل عمالة.. وهكذا صدر ظهير 17 دجنبر 1955، الذي نص على تقسيم المغرب إلى 13 عمالة، وأسند إلى وزير الداخلية أمر تعيين حدود العمالات.
رغبة حزب الاستقلال في السيطرة على وزارة الداخلية
كان اهتمام وتفكير حزب الاستقلال في هذه المرحلة هو البحث عن كيفية “الاستحواذ” على الجهاز الإداري الذي وضعته فرنسا بالمغرب منذ فرض حمايتها عليه، والذي أصبح يجسد مفاتيح الدولة الحديثة التي خضعت لها البوادي والحواضر لأول مرة في تاريخ المغرب، وتكمن أهميته في كونه يمثل الوسيلة الوحيدة التي تضمن سلطة دائمة على جميع المستويات، وتعتبر وزارة الداخلية أهم أداة لمراقبة الجهاز الإداري؛ فبعد عودة السلطان سيدي محمد بن يوسف مباشرة من المنفى، اقترح المهدي بنبركة كحل لإدارة الداخلية، أن يُعَوَّضَ الموظفون الفرنسيون الذين كانوا يحتلون مناصب سامية في الدولة، ويراقبون الإدارة الترابية للبلاد، بخلايا حزب الاستقلال في عين المكان.. لكن لا يبدو أن هذا المقترح لقي قبولا لدى القصر.
أما الأمر الثاني الذي كان من القضايا الشائكة والمهمة، هو موضوع الإشراف على وزارة الداخلية، لما يتيحه من سلطة التحكم في العمال وتسيير الإدارة الترابية، مما جعلها في تلك المرحلة من أهم الوزارات، وكان القصر يرى ألا يمنحها لحزب الاستقلال، حرصا على إرضاء باقي الأطراف السياسية الأخرى، وخاصة حزب الشورى والاستقلال، أما حزب الاستقلال فهو الآخر كان يعلم أن القصر لن يمنحه هذه الوزارة بأي حال من الأحوال، وهو الأمر – في نظر المحجوبي أحرضان – الذي جعل المهدي بنبركة يبحث عن شخص يسهل التأثير عليه، ويكون ظاهريا مقبولا من لدن باقي المكونات السياسية، حيث وقع اختياره على الحسن اليوسي، العائد توا من المنفى، وأقنع زعماء الحزب والاتحاد المغربي للشغل بالفكرة، وقد يعود سبب اختياره لليوسي لأنه في نظره يتمتع بعلاقات قوية مع القصر، وكذلك قد لا يقدر على القيام بهذه المهمة الصعبة، علاوة على عدم توفره على مؤهلات تسهل عليه مهمة التسيير والإدارة، مما سيمكن الحزب – وفق هذا الرأي – من التحرك بيسر في المناطق الأمازيغية.

هكذا أبعد محمد الخامس القياد والعمال عن صراع الأحزاب
عُيِّنَ الحسن اليوسي فعلا أول وزير للداخلية في مغرب ما بعد الاستقلال، وأسندت له مهمة اختيار عمال الأقاليم، ولأنه كان على علم بنوايا حزب الاستقلال، فإن معظم عمال الأقاليم الذين اقترحهم على القصر، وبالتالي جرى تعيينهم، لم يكونوا كما أراد الحزب.. وهكذا عين أحمد بركاش عاملا على مدينة الدار البيضاء، وعبد الحميد الزموري عاملا على الشاوية، والمحجوبي أحرضان عاملا على ناحية الرباط، وعباس التازي عاملا على مدينة الرباط، ومحمد جنان عاملا على عمالة مكناس، ومحمد الخياري عاملا على عمالة تازة، ومحمد بن العالم عاملا على عمالة وجدة، وعبد السلام الصفريوي عاملا على عمالة الجديدة، وعدي وبيهي عاملا على عمالة تافيلالت، في حين تأخر تعيين عامل مراكش، لكون الكلاوي كان على فراش الموت، والملاحظ أن أغلبهم كانوا ضباطا في الجيش الفرنسي.
قام السلطان محمد الخامس يوم 19 دجنبر 1955 بتسليم هؤلاء العمال ظهائر تعيينهم، وألقى فيهم كلمة جاء فيها ما يلي: ((إنكم الآن على أهبة الالتحاق بمقار مناصبكم الجديدة مزودين بتعليمات ضرورية ستمشون على ضوئها ريثما تحدد لكم اختصاصاتكم))، كما أوصاهم بالعمل من أجل القضاء على فكرة التفرقة بين العرب والأمازيغ.
قبل حزب الاستقلال في مؤتمره الاستثنائي المشاركة في الحكومة المغربية بنسبة 45 % من عدد الوزراء، إذ كان يرى أنه لا يمكنه المطالبة بحكومة منسجمة ما دام نظام الحماية ما يزال قائما، وأن مهمة الحكومة المؤقتة هي تسيير شؤون البلاد والمفاوضات مع فرنسا ليس إلا، ومع التوقيع على معاهدة 2 مارس 1956 القاضية باستقلال المغرب، ظهر توجه جديد لدى الحزب، عبر عنه خطاب زعيمه علال الفاسي يوم 15 مارس من نفس السنة، حيث اعتبر بمثابة برنامج الحزب الداخلي خلال مرحلة ما بعد الاستقلال؛ فقد أكد أنه رغم توقيع الاتفاقية فإن عمل الحزب لم ينته بعد، لأنه على المغرب أن يحقق الاستقلال في مختلف الميادين، ومنها العدالة في الميدان الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، كما أكد أن الحزب سيسعى إلى القضاء على “الخصوصية القبلية”، التي تعرقل اندماج وتقدم الأمة المغربية.
ثم برزت أولى مطالب الحزب، بعد ذلك بأيام قليلة، خلال المؤتمر الأول للشبيبة الاستقلالية، المنعقد بفاس يوم 25 مارس 1956، وكان من أهمها المطالبة بـ”حكومة منسجمة”، ومما جاء فيه: ((حيث إن الحكومة على شكلها الحالي لا تتناسب والفترة الدقيقة التي يجتازها المغرب والتي هي مملوءة بالمسؤوليات الجسيمة، ترى الشبيبة الاستقلالية أن حكومة تمثل حزبا متينا هي الجديرة الآن بالقبض على زمام الأمور، حتى نجعل من استقلالنا حقيقة ملموسة تجلب احترام المغاربة والأجانب)).
كما طالب المؤتمر بأن يتولى وزراء الحزب الوزارات الأساسية، وعلى رأسها وزارة الداخلية، لأن هذه الأخيرة، كما جاء في بيان المؤتمر ((هي من أخطر وزارات الدولة وأكثرها حاجة إلى الأكفاء من الرجال، لأن مهامها ومسؤولياتها لا يمكن أن يضطلع بها إلا الأكفاء))، كما ألح الحزب على مسألة الأمن معتبرا إياها من أهم المسائل التي يجب العناية بها، مشيرا بذلك إلى أن الحكومة الائتلافية غير قادرة على ضمانه، وفي هذا إشارة أو اتهام لوزير الداخلية الحسن اليوسي، بعدم قدرته على ضمان الأمن.
وبخصوص مطالبة مؤتمر شبيبة الحزب بإسناد وزرارة الداخلية لحزب الاستقلال، رد القصر بإصدار ظهيرين لا تخفى أهميتهما: فالظهير الأول المتعلق بعمال الأقاليم، نص على تعيينهم بظهير ملكي، وهو ظهير شريف رقم 046-56-1، المحدد للقانون الخاص بالعمال، الصادر بتاريخ 24 شعبان 1375 الموافق لـ 6 أبريل 1956، تماما كما هو الأمر بالنسبة للظهير الثاني الذي حصر تعيين القياد بظهير شريف أيضا، ويتعلق الأمر بالظهير الشريف رقم 047-56-1، المحدد للقانون الخاص بالقياد، الصادر بتاريخ 24 شعبان 1375 الموافق لـ 6 أبريل 1956، ونتيجة هذا الإجراء، لم يعد بمقدور أي وزير داخلية تعيين العمال والقياد، مما مكن القصر من الحد من سلطة التعيين لأي وزير داخلية محتمل، وبسط سلطته بشكل مباشر على عمال الأقاليم والقياد وباقي الموظفين السامين في الوزارة، وبهذا قطع القصر الطريق على كل من كان يرغب في السيطرة على وزارة الداخلية، خاصة وأن المؤتمر الاستثنائي لحزب الاستقلال تضمن فقرة خاصة بتحديث وتنظيم وظيفة القياد والعمال.
ورغم ذلك، تمت إقالة الحسن اليوسي من وزارة الداخلية في الأيام الأولى من شهر ماي 1956، وتعويضه بإدريس المحمدي، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، كأول وزير داخلية في تاريخ المغرب له انتماء حزبي، وفور تعيين هذا الأخير ظهر مفعول الظهيرين الملكيين القاضيين بأن تعيين القياد والعمال يبقى حصرا على ملك البلاد؛ فقد دخل عدة عمال في صراع مع وزير الداخلية على اعتبار أنهم غير خاضعين لسلطته، ومنهم محمد الخياري عامل إقليم تازة، وعدي وبيهي عامل إقليم تافيلالت، كما عمل عدة عمال على الحد من توسع حزب الاستقلال في عدة مناطق، وانتهى صراع الحزب مع عامل إقليم تافيلالت عدي وبيهي بثورة هذا الأخير ضد حزب الاستقلال.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت وزارة الداخلية وزارة سيادية، كما أن العمال لا يخضعون لسلطة الحكومة، وظلت هذه الوزارة محفوظة من صراعات السياسيين إلى يومنا هذا.




Vous avez oublié de nommé le Gouverneur de Région de Béni Mellal Haj Ahmed Cherradi. Par consequent, je vous demande de corriger cet oubli ou de faire un nouvel article cincernant ce grand commis de l’État. Je suis prêt à vous fournir tous les documents officiels sur Le Pacha Cherradi. Meilleures Salutations.