جهات

حديث العاصمة | خلخلة التراث الإنساني في الرباط

بوشعيب الإدريسي
بقلم: بوشعيب الإدريسي

منذ أن صادقت “اليونيسكو”، بتاريخ 29 يونيو 2012، على تصنيف الرباط تراثا إنسانيا عالميا، لم تهتم بمغزاها مجالس منتخبة ومؤطرة بلجان وأقسام تُعنى وترصد الحركة الثقافية في العاصمة، وكان من المسلم به إحياء ذكرى هذا الحدث العالمي كل سنة بأنشطة من عبق التقاليد والعادات التاريخية التي خلفها لنا الآباء والأجداد، وهي في قمة الحضارة الإنسانية والصحوة الثقافية، مثل لقاء نسوة المدينة في تجمع سنوي أمام باب قصبة الأوداية ليتداولن ويقترحن ويساعدن في تمهيد خطوبة غير المتزوجات من بناتهن، وكان مهرجانا راقيا لم يكن له مثيل في العالمين العربي والإفريقي؛ هذا اللقاء الذي يحمل في طياته معاني كثيرة ويجسد تراثا إنسانيا، اختفى فجأة في الستينات، كما اندثرت مراسيم “حذقة الرحمن” المشهورة في الثمانينات، وذابت “المرفودة” وكانت عبارة عن “كسوة” لضريح في المدينة العتيقة يتردد في مسيرتها التكبير والصلاة والسلام على النبي، في مشهد عظيم يصادف ليلة عيد المولد الشريف، وانتهى عهد التراث الإنساني بتواري هذه التقاليد.. وكادت كارثة عمرانية أن تحل برباط الفتح عندما شحذت الفؤوس واستخدمت الجرافات للاعتداء على المعمار الأصيل في تصاميمه الفريدة في العالم أجمع بهندسة أندلسية، من مزاياها التي حارت في تقنياتها المصالح المختصة، أنها لا تتسلط عليها لا رطوبة ولا هواء فاسد، وكانت قد انطلقت شرارة هذه الكارثة بهدم سينما “موريتانيا” وسينما “سطار” بالحي العتيق، لتنتقل إلى تحويل بنايات أثرية لعمارات، وأزقة إلى “جوطيات”، وحوانيت بالسلع ذات التراث الإنساني إلى دكاكين في مواد بلاستيكية وما شابه.. وما خفي أعظم، وكانت مجالس الرباط – ولا تزال – متفرجة، ومختلف المصالح غير معنية، حتى جاء المشروع الملكي ليعيد الاعتبار للتراث الإنساني الرباطي، وكان من إنجازاته تحصين تراثنا الأصيل باعتراف دولي من “اليونسكو”، وتحل ذاكراه 14 بعد 3 أيام مع بداية الأسبوع المقبل، وعندما تحتفل إشبيلية، وهي أخت الرباط، كل سنة بتراثها الإنساني والمعماري والمادي في مهرجانات صاخبة تجذب لها أنظار القريب والبعيد وتنعش اقتصادها، حتى أنها نظمت الذكرى 800 لتشييد صومعة الخيرالدة أخت صومعة حسان، نتساءل ماذا أعدت أزيد من 20 مؤسسة إدارية ومنتخبة مغربية لإحياء تراثنا بعدما تم “دفنه” من المكلفين بالسهر عليه؟ فمدن قريبة من حدودنا تخلد تراثها بالتراشق بالطماطم وأخرى بمسيرات عقائدية وغيرها بمصارعة التيران.. ونحن حرمنا من تراثنا أمام عجز وفشل بعض من تكلفوا بإحيائه، والدليل مرور الذكرى 14 للاعتراف الدولي في صمت ولامبالاة.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى