كان الحوار الاجتماعي، ذات يوم، يسير بشكل سلس، والنقابات كلها مستعدة لإمضاء شيك أبيض للحكومة.. وهكذا قدم الوزير وعوده وقدمت النقابات وعودها، ولكن واحدة من النقابات الكبرى عادت في اليوم الموالي لترفض كل ما تم الاتفاق عليه، والخطير في الأمر، أن العملية تمت بإيعاز من وزير كبير في الحكومة(..)، والغرض هو إظهار عدم نجاح الوزير في قطاعه، وقد كانت السمة الغالبة في عهد حكومة أخنوش هي الحسابات الضيقة، ولطالما حرم بعض الوزراء من مشاريع كبرى تندرج تحت نطاق اختصاصهم، ومنحت لوزراء آخرين في إطار الحسابات السياسية، أو التقديرات السياسية لرئيس الحكومة، لكن عدم اتفاق رئيس الحكومة عزيز أخنوش مع بعض وزرائه لطالما انتهى بطرد الوزراء المعنيين بالخلاف معه، بحكم صلاحياته في الاقتراح والتعديل..
إعداد: سعيد الريحاني
لقد تسبب أخنوش في طرد أكثر من وزير من الحكومة إما باسم “الفيثو”(..)، أو باسم الحاجة إلى كفاءات جديدة، إذ كان وراء إبعاد وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، شكيب بنموسى، من منصبه، ليس لأنه يبحث عن كفاءة جديدة، أو لأن بنموسى كان في حاجة إلى التعيين على رأس مؤسسة عمومية، ولكن لأن رئيس الحكومة كان يعرف أن بقاء رئيس لجنة النموذج التنموي في الحكومة يشكل تهديدا لمنصبه فيها في أول دورة انتخابية(..)، وإلا يجب علينا أن نصدق أن محمد سعد برادة، الذي لا يستطيع تكوين “نموذج” جملة مفيدة باللغة العربية، وزير ذو كفاءة أكبر من بنموسى، وهذا مستبعد جدا..
رئيس الحكومة تسبب أيضا في إعفاء عدة وزراء آخرين من مناصبهم، على رأسهم وزير الصحة السابق خالد أيت الطالب، هذا الأخير كان يقوم بعمله جيدا، وهو ما أكده نجاحه في تدبير جائحة “كورونا”، إلى جانب رجال كبار من أجهزة الدولة، دون ضجيج(..)، ولكنه لم يكن وزيرا على مقاس رغبات أخنوش، فتم التخلص منه بالطريقة المعروفة.. لولا أن رئيس الحكومة يبقى مجرد رئيس حكومة في المغرب(..)، علما أن الوزير الجديد أمين التهراوي لم يكن في نهاية المطاف سوى موظف عند أخنوش، وتم التأكد من ولائه المطلق له من خلال عمله في شركة “أكسال”(..)، أما عبد اللطيف الميراوي، الوزير السابق في التعليم العالي، فقد ترك مكانه لعز الدين الميداوي، والمقارنة بينهما تكاد تكون بدون جدوى، بل إن أخنوش كان وراء مغادرة رفيق دربه لوزارة الفلاحة، أحمد صديقي، هذا الأخير كان وزيرا، لكن رئيس الحكومة فضل موظفا بمرتبة مدير كبديل عنه(..) دون أن يقدم أي توضيحات بهذا الخصوص، ووزير الفلاحة أحمد البواري ليس في نهاية المطاف سوى واحدا من الموظفين المحسوبين على أخنوش، بحكم “إقامته” الدائمة في وزارة الفلاحة سابقا(..).

ما الفرق بين عواطف حيار التي غادرت الحكومة، وزميلتها في حزب الاستقلال، نعيمة بنيحيى، والتي عوضتها في وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة؟ ما معنى أن يتم هذا التعديل الوزاري مع إضافة وزير آخر في نفس الوزارة بدون صلاحيات هو عبد الجبار الرشيدي؟ هذا الأخير لم تعطه الوزيرة الجديدة وهي زميلته في الحزب، أي صلاحية، رغم كفاءته(..).
بغض النظر عن الوزراء الذين نجح أخنوش في إبعادهم من طريقه، ليظهر بمثابة الوزير الوحيد القادر على حل جميع المشاكل، فإن رئيس الحكومة الذي لم يعد رئيسا لحزبه(..)، ساهم من موقعه عدة مرات في إعدام مسار إداري كبير لموظفين سامين رفضوا الخضوع لسلطته، بمن فيهم رؤساء مؤسسات عمومية كبيرة (..).

هذا من حيث التاريخ.. لكن وزيرين في الحكومة الحالية وقفا في حلق أخنوش، ولم يستطع إبعادهما، كما لم يستطع هضمهما، وهما وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، ووزير الميزانية فوزي لقجع، وكلاهما حاصلان على ثقة ملكية كبيرة، وتحريكهما من مكانهما يفترض أكثر من ضوء أخضر في نفس التوقيت(..).
فما يؤكد المعركة الطويلة(..) بين أخنوش ولفتيت، والتي وصلت أوجها في عز الخلاف حول تعيينات الولاة والعمال، أن الحافلة التي كانت متجهة لاستقبال ملكي اضطرت للعودة من حيث أتت، لأن رئيس الحكومة لا يتشاور(..)، وهكذا اضطر كل الذين لبسوا السلهام إلى انتظار موعد آخر(..) بعد إلغاء الاستقبال الملكي.. والسبب هو “خلاف” في المساطر بين وزير الداخلية ورئيس الحكومة أخنوش.
وليس هذا فحسب، بل إن خلاف وزير الداخلية مع رئيس الحكومة سجل أكثر من مرة ووصل صداه إلى الإعلام(..)، ولكن لفتيت نجح في نيل الثقة الملكية بشكل واضح خلال آخر اجتماع للمجلس الوزاري، الذي يترأسه الملك محمد السادس؛ ((فقد كان لافتا للانتباه العرض الذي قدمه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، وقد تميز هذا العرض المصادق عليه من لدن مجلس يترأسه الملك محمد السادس شخصيا، باستعمال الوزير لمفردات تعود لزمن “الدولة المركزية”، حيث لا صوت يعلو على صوت وزارة الداخلية.. كيف لا والوزير يقول ويلتزم أمام الملك بتعبئة مبلغ 210 ملايير درهم داخل أجل 8 سنوات، أي ما يعادل عمر حكومتين متتاليتين، وذلك لتنفيذ ما سمي “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة”، التي قال عنها وزير الداخلية أنها “تعتمد على مقاربة جديدة تستمد أولويات البرامج من الاحتياجات المعبر عنها محليا من قبل المواطنات والمواطنين، وذلك تنفيذا للتوجيهات السديدة لجلالة الملك، الواردة في عدد من الخطب الملكية السامية”)) (المصدر: ركن تحليل إخباري/ الأسبوع عدد 17 أبريل 2026).
هكذا نجح وزير الداخلية لفتيت في فرض تصوره على رئيس الحكومة أخنوش، ونال ثقة المجلس الوزاري، وهي أكبر من ثقة المجلس الحكومي، الذي يتكون من الوزراء فقط، ليظهر أن الخلافات السابقة كانت تدور فقط في مخيلة أخنوش وأنصاره، داخل الحكومة وخارجها(..).
ليس لفتيت وحده هو الذي نجا من “مقصلة” الخلاف مع أخنوش، بل إن وزيرا آخر هو وزير الميزانية فوزي لقجع، استطاع أن ينجح بعيدا عن مربع رئيس الحكومة، بخضوعه للتعليمات المباشرة في أغلب الأحيان، وقد كان فعالا في عدة ملفات، على رأسها ملفات كرة القدم، وملفات الميزانية، ويقول العارفون والمقربون من الوزير فوزي لقجع أن هذا الأخير نجح في “التسلق” لكونه يضع الرسائل والتوجيهات الملكية فوق مكتبه مباشرة قبل أن يبدأ أي عمل، ومنها التوصيات النابعة من المناظرات الوطنية والخطب الملكية، بل إن لقجع أصبح مرشحا للعب دور أكبر في المستقبل، وقد يتم صبغه بأحد الألوان الحزبية (..).

وبغض النظر عما يجري داخل حزب الأحرار، يرفض أخنوش التنحي ويواصل رعاية الحزب عبر تعيين “موظفه” محمد شوكي كرئيس للحزب(..)، وقد بلغ الامتناع ذروته في خرجات رئيس الحكومة داخل قبة البرلمان؛ فبعد أن هدد الدولة بشل اقتصاد البلاد بتحريض ثلثي الشركات على التوقف عن العمل بسبب انتقاد المعارضة لسياسته(..)، عاد ليقول “كلاما خطيرا” في البرلمان في معرض تفاعله مع سؤال لرئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، عبد الله بوانو.
أخنوش قال بالحرف، موجها كلامه لعبد الله بوانو في بداية الأسبوع: ((قل لينا شكون كيهضر ليك في وذنيك وقاليك أنني درت اجتماع مع الفلاحين ومتقولش لينا هذه وزارة الداخلية.. المسؤولين الكبار وداكشي كيعرفو شكون كيهضر ليك فوذنيك، وباش نكونوا واضحين، أنا مستعد باش نواجهكم.. متنساش آ السيد النائب بأنك كنتي رقم 6، ولولا القاسم الانتخابي مكنتيش تكون هنا..)).
لم يحدد رئيس الحكومة الجهة التي يقصدها بكلامه، لكنه ذكر وزارة الداخلية التي يوجد على رأسها عبد الوافي لفتيت، وذكر أن عبد الله بوانو احتل المرتبة السادسة في الانتخابات التشريعية الماضية، وبأنه لم يكن لينجح لولا القاسم الانتخابي(..)، علما أن الجهة المشرفة على الانتخابات هي وزارة الداخلية.. أليس هذا اتهاما غير مباشر لوزارة الداخلية بدعم بوانو؟ ولماذا أصلا هذا الخروج عن النص بهذا الشكل غير المبهم، الذي يتحدث عن مواجهة محتملة؟ ما نوع المواجهة، وما هي الجهة التي قال رئيس الحكومة أنه مستعد لمواجهتها دون تحديد وسائل المواجهة.. ؟

هجوم رئيس الحكومة على وزارة الداخلية لا يتم دائما بطرق مباشرة، بل إنه يتسم أحيانا بشكل حروب بالوكالة.. ومن يدري؛ فقد يكون أخنوش هو الذي حرض الوزير السابق محمد أوجار من أجل الهجوم على وزارة الداخلية طالما أن الحزب لم يتبرأ من تصريحاته؟ وهي التصريحات التي قال فيها: ((إن الدولة ما تزال تُبقي هامشا ضيقا أمام الأحزاب لممارسة أدوارها؛ فالجماعات الترابية ـ التي يفترض أن تكون رافعة للديمقراطية المحلية ـ لا تدبر حتى 10 في المائة من الميزانيات، فيما تبقى السلطات الفعلية بيد الولاة والعمال وممثلي الإدارة الترابية.. وقال الوزير السابق أيضا: لا يمكن أن نحمّل المنتخبين كل شرور الدولة.. فمن يحاسب الولاة والعمال وكبار الإدارات المدبرة للمال العام؟ وأكد أن رؤساء الجماعات لا يستطيعون اتخاذ أي قرار جوهري دون استشارة ممثل السلطة، ما يجعل الحديث عن اللامركزية أو ديمقراطية محلية خطابا دون مضمون عملي.. وفي تحليله لتجربة الوزراء داخل الحكومات، اعتبر أوجار أن أي وزير جديد يجد نفسه مكبلا ببنية إدارية متجذرة منذ الحقبة البصرية، قائلا: الوزير يرث بيروقراطية ثقيلة تتحكم فيها الدولة العميقة.. الكتاب العامون والمديرون لا يتبعون إرادته فعليا)) (المصدر: الأسبوع عدد 5 دجنبر 2025).
هذه التصريحات أطلقها أوجار عندما كان أخنوش يرفض التنحي عن رئاسة الحزب (..)، وقد سجل على الوزير السابق أوجار تراجعه عن معارضة تعيين محمد شوكي رئيسا للأحرار، لكن لم يثبت أنه تراجع عن التصريحات “المسيئة” لوزارة الداخلية، بل إنه خرج في فيديو يعلن من خلاله دعمه لشوكي، وجلس خلفه في برنامج تلفزيوني، وعلينا أن نصدق ذلك، ونصدق أن الأمر لا يتعلق بتقاسم أدوار.. إن كل ما يحصل لحد الآن، يؤكد أن أخنوش بات يلعب الورقة الأخيرة من سياسة الأرض المحروقة، وبه وجب الإعلام والانتباه (..).



