الرباط – الأسبوع
تطرح أزمة المحاماة معضلة جديدة على الساحة الوطنية، تتمثل في طبيعة الصراع الذي يدور بين جمعيات هيئات المحامين بالمغرب، والحكومة ووزارة العدل، المصرة على الذهاب بعيدا في المصادقة على قانون ممارسة مهنة المحاماة، الذي يلقى رفضا وطنيا من مختلف الهيئات والنقباء والأساتذة الجامعيين وغيرهم، خاصة في ظل الحديث عن استقالة النقباء من مناصبهم خلال الجموع العامة ردا على تعنت الوزارة.
فقد أصبحت الأزمة حول قانون المحاماة تتسع شيئا فشيئا.. وتأخذ مسارا آخر، في ظل الحديث داخل أوساط المحاميين والهيئات عن استقالة عدد من النقباء بسبب الاحتقان المتواصل بخصوص مناقشة مشروع القانون داخل البرلمان، مما يطرح العديد أكثر من علامة استفهام حول مستقبل العلاقة بين الهيئات المهنية القانونية والمؤسسة التشريعية، في غياب الحوار من أجل تقريب وجهات النظر ومناقشة المشروع وفق مقاربة اجتماعية وإنسانية.
فالأزمة لم تعد مجرد خلاف مهني حول المقتضيات القانونية التي جاء بها المشروع، بل تحولت إلى مواجهة وصراع جديد بين هيئات المحامين والسلطة التشريعية في ظل تصاعد الغضب في صفوف أصحاب البدل السوداء، والترويج لتقديم الاستقالة الجماعية لجميع النقباء خلال المرحلة المقبلة، في رد يعكس مستوى الاحتقان الذي وصل لمستويات كبيرة لم يتوقعها أي أحد.
وقد خلقت استقالة نقيب هيئة المحامين بالرباط، عزيز رويبح، صدمة كبيرة في أوساط المحامين، خاصة بعدما تضمن جدول أعمال الجمع العام المقبل للهيئة، المرتقب عقده يوم 26 يونيو الجاري، نقطة الاستقالة، حيث تتزامن هذه الخطوة مع الرفض الشعبي لمشروع القانون الذي تعتبره العديد من الهيئات يمس باستقلالية المهنة عن السلطة التنفيذية، وتضعها تحت الوصاية، وتعكس هذه التطورات حالة من عدم الرضى لدى المحامين بسبب التعديلات التي لم ترق لانتظاراتهم ضمن المشروع، رغم الحوار والجلسات التي انعقدت بين ممثلي الجمعية الوطنية والحكومة، والتي أدت إلى تهدئة الاحتجاجات وعودة المحامين للمحاكم.
لكن، بعد مرور عدة أشهر حول النقاش الوطني بخصوص مشروع قانون ممارسة مهنة المحاماة، يعود الصراع من جديد بسبب تهرب الوزارة الوصية من الالتزام بالتوصيات السابقة التي لم يأخذ بها، ما جعل النقباء في جميع الهيئات الوطنية يلجؤون إلى خيار الاستقالة الجماعية، باعتبارها رسالة احتجاج قوية تحمل العديد من الإشارات السياسية والقانونية، عوض العودة إلى الشارع والاحتجاج الميداني وتعطيل المحاكم وشل منظومة العدالة، حيث يرى العديد من المراقبين أن اللجوء للاستقالة خطوة تهدف إلى الحفاظ على استمرار المرفق القضائي الذي يتعلق بمصالح المواطنين، ويجب أن يظل بعيدا عن الصراع القانوني الدائر بين المحامين والحكومة.
ووفق العديد من المحللين، فإن الصراع بين هيئات المحامين والوزارة، ليس خلاف حول مستقبل المهنة ودورها الأساسي ضمن منظومة العدالة، بل حول استقلالية الجسم المهني وخروجه من دائرة الوصاية التقليدية الممارسة على مجموعة من المهن القانونية، خاصة بعدما حققت المحاماة منذ الاستقلال حتى اليوم، العديد من المكتسبات التي لا يجب التراجع عنها، وعرفت محطات نضالية ومشادات ومرافعات في عهد الكتلة والتناوب وغيرها من الحكومات، والتي ساهمت في تحقيق الحريات وإطلاق هيئة “الإنصاف والمصالحة” والعديد من المنجزات الحقوقية والدستورية.
وحسب الأوساط المهنية، فإن خيار النقباء نحو الاستقالة لم يكن ردا انفعاليا على موقف السلطة التشريعية، بل جاء بعد عدة نقاشات وحوارات كبيرة بين مختلف الهيئات والفعاليات، قصد توحيد الجهود والإجماع على أن المحطات الاحتجاجية لن تصل لأهدافها في ظل هروب الوزارة نحو الأمام، معتبرة أن المعركة مرتبطة بضرورة الحفاظ على مبادئ واستقلالية المهنة وحق المواطن في الحصول على هيئة دفاع حرة ومستقلة غير مقيدة أو خاضعة لوصاية أي جهة.
وتؤكد الهيئات المهنية، أن الاستقالة الجماعية التي قد تعرفها الجموع العامة المقبلة لهيئات المحاميين، في مختلف المدن والجهات تستند إلى أسس موضوعية ومشروعة، لا سيما في ظل مشروع القانون المتداول والذي يتضمن مقتضيات ونصوص قد تؤثر على الوضعية الاعتبارية ومكانة النقباء والهيئات وعلاقتها بالقضاء وداخل منظومة العدالة، حيث تعتبر أن التوجه الحالي يسير نحو إضعاف الدور الريادي للهيئات التمثيلية والذي لا يمكن أن يصبح مقيدا في البيانات وإصدار البلاغات، بل أن يكون له حضور وازن داخل المشهد القضائي مع تعزيز المكتسبات.



