حوار الأسبوع | “إحاطة علما”.. الجواب الكامل عن أسئلة الحكم الذاتي
الخبير صبري الحو يجيب على الأسئلة المسكوت عنها

لا زال سؤال الحكم الذاتي مطروحا رغم الدعم الأمريكي ودعم مجلس الأمن للمبادرة في السياق المعروف، الذي خلص إلى اعتماد “عيد الوحدة” كعيد وطني، لكن تنزيل المبادرة على أرض الواقع، والذي يبقى رهينا بمفاوضات تطبعها السرية، يفرض حتما على كل المغاربة الإلمام بهذا الموضوع الذي يهم مستقبل المغرب..
صبري الحو، المحامي المعروف بكونه صاحب الملفات الكبرى، والموثوق في جديته من لدن مراكز القرار(..)، يعد مؤهلا أكثر من غيره لـ”الإحاطة علما” في هذا الشأن، ليس فقط لكونه واحدا من المطلعين الكبار على الخبايا، بل لقدرته على تجاوز الحيثيات الغير مفيدة، حيث تمكنه خبرة سنوات قضاها في العمل، من حسن التوقع(..).
باختصار.. يتراوح الحوار، الذي تنفرد “الأسبوع” بنشره مع المحامي صبري الحو حول موضوع مبادرة الحكم الذاتي، من المبادرة إلى مشروع أممي.. إلى التفصيل المغربي.. إلى الاتفاق الإطاري؟ فنظام الحكم الذاتي لجهة الصحراء الكبرى.. ؟ والحكم الذاتي في إطار الحوكمة الرشيدة، وفي نهاية الأمر شأن داخلي مغربي محض، وفي الأخير، يتوقع ضيف “الأسبوع” أن يصدر مجلس الأمن قرارا يجعل الحكم الذاتي حلّا غير قابل للتفاوض، وستصبح المخيمات مشكلة جزائرية داخلية لا علاقة للمغرب بها.
تتمة المقال تحت الإعلانهو حوار خاص واستثنائي يضع النقاط على الحروف مع الخبير المغربي في القانون الدولي وقضايا الهجرة ونزاع الصحراء، الأستاذ صبري الحو، المحامي بهيئة مكناس والرئيس العام لأكاديمية التفكير الاستراتيجي، بسبق غير مسبوق وجرأة تحليلات صائبة، واستنتاجات مبنية على منطق وخلاصات يؤكدها الواقع، وهو صاحب الكتابات الغزيرة والتخصص المركز والمتابعة الدقيقة والقراءات الموفقة والتدخلات الناجحة في ملف نزاع الصحراء المغربية..
تتمة المقال تحت الإعلانفيما يلي، ينفذ بنا ضيف “الأسبوع” إلى أسرار قاعات المفاوضات وشكل وثائق الاتفاقات ومعالمها الكبرى في ملف نزاع الصحراء المغربية.. حوار جريء يلج بالقارئ إلى خبايا قاعات المباحثات للاطلاع على جزء من أسرارها، ويبحث في أسباب ودواعي نهج السرية والتكتم في المباحثات والمناقشات والمفاوضات، وهو نهج ليس بسابقة، بل سبق اعتماده في جزء من مفاوضات مانهاتن.. حوار يكشف المعالم الجوهرية والكبرى لوثيقة الاتفاق الإطاري، للوضع السياسي النهائي بالحكم الذاتي للجهة، ويبرز أوجه الاختلاف والتناقض في مواقف المغرب والجزائر وبواسطة البوليساريو.
حوار يرافع تعضيدا لورش الحل المغربي الخالص؛ بعد إعلان وظهور بوادر إطلاق مشروع وطني لتطوير الجهوية، يركز على الحكامة المحلية والجهوية كمبادئ للحكم في دولة القانون العادل وتطبيقه بنزاهة، وقواعدها الأساسية في المشاركة والتسيير والمساءلة، واعتماد معايير الحكامة الأممية والحوكمة الرشيدة، وهو تعبيد مغربي وتشوير لمسار وطني لوضع الحكم الذاتي قيد التنفيذ في إطار تطوير شمولي لشكل الدولة، والتركيز على أدوار الجهات والأطراف في تحقيق التنمية الوطنية المندمجة.
حوار يركز على فكرة جوهرية: إن الحل في جميع الأحوال وفي النهاية، وبعد حصول الشرعية الأممية وقيامها وارتكازها وتأسيسها على باقي الشرعيات، التاريخية والقانونية والقضاء الدولي والاندماج المجتمعي الموحد، هو الحكم الذاتي، فهو صناعة وتدخل بذكاء وجرأة وحكمة وقوة مغربية.
الحسم بتأني وحكمة وبعجالة درءً لتحَوّل وتغير المعنى؛ فهذا الأخير مهدد ويبقى غير ثابت ما لم يتم البناء عليه لضمان استقراره وترسيخه وفقا لمقاربة جاك دريدا.
والحل يبقى صناعة تخضع لمبدأ التدافع والمهارة، ويجب الخروج من الحلقات غير النهائية والمفرغة، وهو أمر متاح وفي المتناول في هذه الظرفية وبناء على القرار 2797، الذي شرعن الحقوق المغربية وأعدم وأبطل كل زيف وتزوير سابق، ويعفي المغرب من أي مسؤولية لاحقة ولو في إطار فعل صارم وقاسي وحازم.
حوار يبرز سير المغرب في إطار ثابت الاختيار الديمقراطي، يجعل الحكامة المحلية والجهوية بمعاييرها وقواعدها الأممية سلوكا وتصرفا للفعل السياسي والسياسات العامة والعمومية، تقوم على الإشراك وسيادة القانون العادل وتنفيذه بالنزاهة والشفافية والمساءلة والاستجابة..
كلها ضمانات وعروض مغربية وحيدة لمراقبة تنفيذ الحكم الذاتي في إطار الحوكمة الرشيدة، ويرفض المغرب خلق آليات تصاحب ذلك التطبيق والتنفيذ، كما يرفض اضطلاع بعثة “المينورسو” بذلك، فالأمر في النهاية شأن مغربي داخلي.
حوار يوضح كيف سيتم إنهاء مهام “المينورسو” بتعديل ونسخ للتسمية والاختصاصات، عبر مراحل؛ تبدأ بتسويتها قبل مرحلة التصفية النهائية، وبين ما يميز المرحلتين، دون أن يغفل حالة نزاع عارض ينهي تواجدها بشكل فوري.
حوار يوضح العلاقة بين الحكم الذاتي والتوجيه الأممي بالحل وعلاقتها بتقرير المصير والسلم والأمن الدوليين، والفرق بين القواعد الدولية الصلبة والجامدة والمكملة اللينة وبقاعدة الحفاظ على التقدم المحرز.
حوار يبين أن كل تقدم تمّ وكل تراكم حصل في ملف نزاع الصحراء المغربية، يتم تحصينه بقاعدة الحفاظ ومراعاة التقدم المحرز.
حوار يبرز فيه المحاور أهمية إطلاق اسم “الصحراء الكبرى” على “الجهة الجنوبية الكبرى” كلبنة أولى في ركن تطوير الجهوية، على أساس الانتقال إلى الدرجة والمرحلة الثانية في التعديل، وتقطيع جديد في نفس الجهة تطبيقا وتنفيذا للحكم الذاتي في النطاق الجغرافي المعني.
حوار يبين كيف انتقل الحكم الذاتي من المبادرة إلى المشروع الأممي، وكيف يتم حاليا تطوير التفصيل المغربي ليرقى إلى “اتفاق الإطار” المنظم للقواعد الأساسية والمبادئ العامة للنظام الأساسي لجهة الصحراء؛ المبادرة، فالمشروع والتفصيل والاتفاق الإطاري، وانتهاءً بالنظام الأساسي.
حوار خلص إلى أن التعديلات الدستورية ضرورية، لكنها لا تحظى بالأولوية حاليا، لأن التوافق على التفاصيل النهائية للاتفاق الإطاري هي المحدد والمؤطر لها.
حوار خلص إلى أن الحل صناعة مغربية محضة، وبوادره قيد التنفيذ بتعاون ومشاركة ومساهمة دولية، وإن ما يتم في الميدان يفوق عمل الأمم المتحدة، الذي يسير ببطء، والذي يجعلني أومن بأن المغرب قد يقوم بمبادرة تنهي وتزيل كل معالم النزاع، بما يضعه وجها لوجه مع الجزائر.
حوار يبين أن الورقة الأخيرة في مسار الحل هي المنطقة العازلة، وأن القرار الأممي رقم 2797 صك نهائي، وسند تنفيذي ملزم لا يقبل المراجعة ولا إعادة النظر.
حوار يبين أنه ما بعد القرار لن يكون هناك سوى تأكيد لنفس القرار، وعلى المغرب الانتباه وأخذ الحيطة على الميدان، لأن الأخير محدد أساسي ومؤثر في شكل ونتيجة المسار السياسي، وأن المركز المغربي متقدم محصن ولا يقبل التنازلات على الحالة.
حاوره: سعيد الريحاني
المغرب كان كالأعمى في مفاوضات كريستوفر روس
• في نظركم، لماذا بقي تفصيل مبادرة المغرب بالحكم الذاتي حبيس السرية ولم يتسرب منه شيء ؟
» في مباحثات ومناقشات ومفاوضات الملفات والقضايا شديدة الحساسية، تكون السرية موجبة والالتزام إجباري وليس اختياريا، وذلك من أجل تخفيف ضغوطات الرأي العام والإعلام والأطراف الخارجية على الأطراف في مسار استكشاف أسس وعناصر وشروط وأركان الحل، والتركيز على بناء الثقة بين الأطراف.
والكل من أجل تركيز جيد ومرونة أكثر وجرأة أكبر، لعرض وتقديم أفكار ومقترحات وآراء غير مألوفة، لم يكن الرأي العام مطبعا معها ولا عالما بها، وقد تكون غير مقبولة، لأنها قد تكون مصحوبة، أو بمثابة، أو على شكل تنازلات بغية استكشاف أصعب الحلول، والتكتم مفيد للتركيز على جوهر الإشكاليات خارج كل هذه الضغوط.
فالسرية الحالية تنم عن وجود رغبة وإرادة من أمريكا والأمانة العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، للوصول إلى الحل وإدراكه بعجالة، وفي وقت قياسي بدأ بتحديد عتبات قصيرة تحسب بالشهور، والأكيد أن الملف جاهز لإعلان الاتفاق الإطاري وتوقيعه، وهو أصعب لحظة.
وبقي لي الإشارة إلى أن مفاوضات هيوستن السابقة، عندما تم التدليس أو أكره المغرب على المضي قدما في المفاوضات كالأعمى من طرف كريستوفر روس، تخللتها السرية وبطلب من المغرب، وبالضبط عندما دخلت المباحثات ما سمي بمناقشات الموارد الطبيعية!؟ قبل أن يستفيق المغرب، وقبل فوات الأوان، معلنا عدم قبوله بالخلفية والطريقة، ويضع شروطه في خطاب جلالة الملك المعروف بخطاب “اللاءات الأربع” في الذكرى 42 لعيد المسيرة الخضراء سنة 2017، كخطوط حمراء لأي تسوية سياسية.
• هل يمكنكم وضع الأسس وعرض المرتكزات وتحديد الأركان التي تحكمت في تفصيل مشروع الحكم الذاتي ؟
» قدم المغرب تفصيلا للحكم الذاتي، لكنه بقي سريا.. مثلما بقيت مشاورات مستشاري الملك بمعية وزير الداخلية مع الأحزاب سرية، ومذكرات الأحزاب بعد ذلك سرية أيضا، لم يتسرب منها إلا بعض الشذرات والعناوين الكبرى التي لا تشفي الغليل، ومن حق الجميع والإنسان العادي أن يتساءل عن اللغز الذي يكتنف نهج التكتم داخليا.
بيد أن تفكيكه وتأويله وإعادة بنائه بعد إخضاعه لمقاربات المنهج والتحليل الرائدة، يتضح أن التفصيل هو جوهر وقاعدة المباحثات والمشاورات والمفاوضات التي تمت في مدريد وواشنطن وبشكل ثنائي مع الأطراف، وأن تفصيل مبادرة المغرب بالحكم الذاتي هو جزء إن لم أقل هو أصل التفاوض، وطبيعي أن تطبعها وتشملها السرية، بخلفية بناء الثقة ودرءً للضغوطات التي تجهض عادة المخططات الحساسة.
المشاركة الديمقراطية.. وترحيل بعثة “المينورسو”
• لكن.. ألم يتسرب منها شيء ؟
» تسرب منها تأكيد حقيقة تقديم المغرب لهذا التفصيل وعدد صفحاتها الأربعين، وبذلك وفى المغرب بالتزام عبر عنه جلالة الملك في خطاب نفس ليلة صدور قرار مجلس الأمن 2797، أي في 31 أكتوبر 2025، بتقديم تفاصيل عن مبادرته الأولى التي ترجع لسنة 2007، ورغم شح المعلومات بسبب الصمت المطبق والتزام تام ومطلق بالسرية، فإن ذلك لا يحول دون إمكانية الكشف واستجلاء روح بناء هذا التفصيل وخلفيته الديمقراطية، من خلال المقارنة بين ما تواتر وتناغم وتطابق من معطيات بينها وبين ما تضمنه البلاغ الذي تلى التئام المجلس الوزاري الأخير برئاسة جلالة الملك، وما تضمنه من أفكار حول الحكامة المحلية والجهوية، وآنية تطوير الجهوية عبر نقل وتوسيع اختصاصاتها وصلاحياتها.
وهو ما تطابق مع تصريح المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، الذي ركز على تقديم المغرب تفاصيل مبادرته بالحكم الذاتي، حيث ركز على روح ومرتكزات بنائها وتأسيسها على مبدأ الإشراك وفق المتعارف عليه في قواعد الحكامة الأممية.
فالحكم الذاتي مؤسس ومبني على قاعدة الإشراك الديمقراطي بما يضمن تنمية الإقليم، وبما يعود في صالح الساكنة، ويستجيب لحاجياتهم بتقديرهم الشخصي لأولوياتهم واختياراتهم في إطار قواعد ومبادئ الحكامة المحددة من طرف الأمم المتحدة، وفي إطار تعدد السيادات من داخل سيادة وطنية مغربية كبرى واحدة وموحدة.
• تم تحديد شهر أبريل المنصرم موعدا لإجراء تقييم شامل لبعثة “المينورسو”، وتم عقد جلستي مجلس الأمن للنظر في ذلك؛ الأولى عبارة عن إحاطة والثانية للمناقشة والتداول حول البعثة، ولم تظهر تفاصيل عن تلك اللقاءات! هل يمكنكم، من موقعكم كخبير في الملف، إفادة قراء الجريدة ومتابعيكم بالمستجدات التي طبعت وطالت البعثة ؟
» سؤال مهم جدا.. فقد ركزت شخصيا على هذا الموعد للخروج بخلاصات واستنتاجات تدعم أو تصحح أو تعدل مجموعة من الأبحاث التي أشتغل عليها، مبنية على فرضيات وتصورات لرسم مسار مثالي لمجموعة من الخيارات والسيناريوهات.. وقد وضعت احترام الأمم المتحدة لإجراء تنفيذ مراجعة وتقييم بعثة “المينورسو” بمثابة مؤشر وعلامة أولى فارقة، والتزام التكتم عن مخرجاته عنصرا دالا ثانيا، لما يحمله المستقبل القريب من مفاجئات في صالح الحسم النهائي للنزاع وإدراك الحل، وهي علامات صدقت، الشيء الذي يشجعني على الخوض بجرأة في مصير ومستقبل بعثة “المينورسو”.
وفي هذا الصدد، يمكن لي تأكيد حقيقة أن عملية إخضاع البعثة الأممية للمراجعة، انطلقت فعليا وعمليا وبطريقة تدريجية.. وهنا أميز بين مرحلتين يتم المرور منهما حتما قبل الخروج النهائي من الإقليم، دون الحديث عن حالة يمكن أن تجبرها مبكرا على المغادرة؛ مرحلة التسوية، والتي تهم تقليص حضورها الميداني بشكل جلي ودالّ في كل ما يتجاوز عملها التقني في إزالة الألغام ومراقبة وقف إطلاق، الشيء الذي قد يؤدي إلى تسريح مجموعة من الموظفين والمستخدمين، الذين يشتغلون في القطاع المدني والسياسي بشكل تدريجي وتختفي بهدوء بالتزامن مع بناء الثقة بين الأطراف وتقدمهم في العملية السياسية، وبعد ذلك تبدأ المرحلة الثانية والأخيرة، والتي سميتها بمرحلة التصفية النهائية للبعثة، أو إعادة تأهيلها وتأطيرها من جديد، في إطار دعم تنفيذ مشروع الحكم الذاتي المغربي والأممي في نفس الوقت، وقد تكون هي نفس البعثة بعد تعديل يطال حتى تسميتها بشكل يتطابق أو يساير تطور الملف نحو التسوية وتنفيذ الحكم الذاتي المغربي.
• وهل يقبل المغرب بمراقبة تنفيذه للحكم الذاتي من طرف آلية أممية أو الغير ؟
» الحقيقة هي أن المغرب آمن منذ مدة بعدم جدوى بقاء واستمرار حضور بعثة “المينورسو”، ويدفع بأنها استنفذت مهامها ودواعي استمرار تواجدها.. بيد أن الأمم المتحدة وأجهزتها، بما في ذلك الأمانة العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، يؤكدون ويصرون ويتمسكون بأهمية تواجدها؛ فهي مصدر معلوماتهم حول الحالة في الإقليم، وتقارير الأمين العام للأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات العلاقة بدراسة الحالة الدورية في الصحراء المغربية، تدعم هذا التواجد وتبرره بأهميته البالغة والحيوية في دفع وتيسير العملية السياسية، في حين أن الرفض المغربي لتواجد “المينورسو” مضطرد ومستمر، ولو في إطار أو صيغة جديدة ومستجدة، سواء معدلة أو منسوخة جديدة؛ فالمغرب يرى ويجعل تنفيذ الحكم الذاتي مظهرا من مظاهر ممارسته لسيادته المطلقة على الإقليم، وهو مشروع وطني قائم وآني في إطار ورش الجهوية المتقدمة الشامل، الذي قد يكون تجاوز مرحلة التفكير والإعداد من أجل التطوير، مع وجود نية صادقة وجدية بمنح تمييز أكثر للإقليم عن طريق الحكم الذاتي تبعا لخصوصيات المنطقة وارتباطه بآخر عرض لحل النزاع، وأرجو أن يكون في إطار جهة تسمى “جهة الصحراء الكبرى” لعدة أسباب.. لا يتسع المقال لعرضها الآن.
والحكم الذاتي عرض ومبادرة ومشروع كان مغربيا في الأصل، وما يزال في إطار التحيين والتفصيل، وتحول أمميا بعد مصادقة مجلس الأمن على القرار رقم 2797 وتبنيه للحكم الذاتي المغربي، وهو وضع وعرض مرتبط بحل مرن لإيجاد حل نهائي لإنهاء هذا النزاع الإقليمي فقط ولا غير، ومن الخطأ تفسيره خارج ذلك الإطار.
البوليساريو لاحول لها ولا قوة.. والإعذار الأممي ينتهي في أكتوبر المقبل
• كيف ترون الانخراط الأمريكي بثقله من أجل مواكبة مسار الحل وتنفيذ قرار مجلس الأمن؟ وما هي الضمانات القانونية لحماية مركز الحكم الذاتي المغربي من محاولات تسفيهه ونسفه ؟
» بالتزامن مع زخم المباحثات والمناقشات والمفاوضات حول معالم الحكم الذاتي، وجهت أمريكا إشعارا بمثابة إعذار بالتنفيذ إلى الجزائر، من أجل تفكيك المخيمات، لمحو كافة معالم وجود واستمرار النزاع بعد الوصول إلى حل شامل واستقراره، والهدف من ذلك هو نزع ودرء ترك أسباب تهديد جديد للأمن والاستقرار في المنطقة، وخوفا من الوقوع في الحلقات غير النهائية، ولأن السلم والأمن هي الأهداف الأساسية للأمم المتحدة.
فالنزاع تم نقل جزئه وشقه القانوني، الذي كان مرتبطا بتقرير المصير، إلى مستوى ربط علاقته بالأمن والسلم العالميين، وما يستتبع ذلك من أثار قانونية وعملية، وهذا الربط هو سر التطور الذي أجراه مجلس الأمن على تقرير المصير عندما ربطه بدور ومسؤوليات الأطراف في السلم والأمن والتنمية، وهو ارتقاء ليس اعتباطيا، بل إنه اتُّخِذ بخلفية إجراء تغيير ذكي في طبيعة القواعد القانونية الدولية المنظمة لحل النزاع، والتي ستحمي الحل وتصونه.
إن ربط قاعدة تقرير المصير القانونية بالسياسة، من خلال جعل حل النزاع من جزئين: الأول سياسي والثاني قانوني، وجعل السياسة في الجوهر والقانون في الشكل، هو زواج وإدماج جعل مبدأ تقرير المصير متحولا من طبيعته القانونية المحضة إلى اعتباره تابعا للاتفاق السياسي وليس محددا له، وهو ما نزع الثبات عن القاعدة، ونزع عنها عنصر الجمود والستاتيكا، وانتقلت بالتعبير القانوني من قاعدة مكملة يمكن مخالفتها كما يمكن للأطراف الاتفاق على مخالفتها، وبعد السيطرة على قاعدة تقرير المصير، بإقحامه في ديناميكية وحركية السياسة وعدم ثباتها، وبالمقابل تم ربط النزاع بقاعدة آمرة، صلبة وخشنة وجامدة، وهي ربطه بعلاقته بالأمن والسلم العالميين كأحد أهداف الأمم المتحدة الأساسية، كأهداف محرم ومجرّم ومعاقب على انتهاكها والمساس بها، بل توجب مراعاتها وصيانتها وخدمتها.
ومن تم، فإن قرار مجلس الأمن 2797 يجب تنفيذه بمجرد الاطلاع عليه، فبالأحرى عندما يكون سندا للتنفيذ بأمر دولي صادر عن مجلس الأمن كأعلى هيئة تقريرية وتنفيذية في العالم، ووجهت دعوة عامة إلى جميع المعنيين دون استثناء، للانخراط والمشاركة الإيجابية والمساهمة الفعلية، وبحسن نية، في التنفيذ ودون شروط، وهذه الدعوة هي بمثابة إعذار أممي للتعبير عن النوايا قبل لجوء مجلس الأمن إلى خيارات أخرى؛ خيارات معدة وتنتظر استنفاذ مسطرة الإعذار وانصرام أجله الذي هو حلول شهر أكتوبر المقبل كآخر أجل وأقصى مهلة وعتبة وميسرة.
فقرار مجلس الأمن 2797 لا يقبل المراجعة، قرار لا يقبل إعادة النظر، قرار لا يقبل إعادة التأويل ولا يقبل التفسير، وهو قرار مبرم، قرار لا تعقيب عليه، وعلى المغرب أن يرفض أي مساس به، فهو صك نهائي وسند تنفيذي نهائي طهر الماضي، وأصبح عنوانا لحقيقة المستقبل، مغرب الوحدة تحت ركن وحدة السيادة، ومن يمتنع من الأطراف عن تنفيذه، أو وضع عراقيل أو اختلق نزاعات عارضة أو افتعل عقبات.. حتما ستلقى عليه المسؤولية الدولية، وهو ما يفسر المواجهة الدولية الصارمة والحازمة للبوليساريو على إثر أحداث السمارة. فالمواجهة انتقلت مع المغرب إلى الأمم المتحدة والأسرة الدولية، وهو من مستجدات وتبعات القرار 2797، والتي تجاوزت المغرب وأصبحت مسؤولية مجلس الأمن وأمريكا والمجتمع الدولي..
• في هذا الصدد أستاذ، كيف استقبلتم تغريدة السفير الأمريكي بالمغرب، ديوك بوكان، حول تملص البوليساريو من القبول بالحكم الذاتي وكون السلام يحتاج لشركاء؟ وماذا عن الثقل الأمريكي في النهاية ؟
» البوليساريو لا تملك خيارا ولا قوة ولا صوتا لرفض الانخراط في تنفيذ قرار مجلس الأمن، ومناقشة الحكم الذاتي كموضوع هو محل وسبب أممي وليس مغربيا لحل النزاع، والذي يتم حاليا هو الإعذار من أجل التنفيذ، ومعناه دعوة الأطراف إلى التعبير عن النوايا بخصوص طلب تنفيذ القرار الذي كلفت به أمريكا والأمانة العامة للأمم المتحدة كمأموري التنفيذ.
وبعد انتهاء مهمة مأموري التنفيذ، وفي حالة عدم التنفيذ، سيرفعان (أمريكا والأمين العام للأمم المتحدة) تقريرا إخباريا إلى مجلس الأمن، يتضمن جميع محاولات التنفيذ والصعوبات والعراقيل، والتوصيات التي يقترحونها لتجاوز هذه الصعوبات بغية تنفيذ القرار إن أمكن؛ فالمعركة ستنتقل في حالة عدم التنفيذ إلى مجلس الأمن في شهر أكتوبر المقبل، وقد يكون اختيار روسيا نقل سفيرها المثير للجدل من الجزائر إلى المغرب، جزءً من المعركة القادمة.
ترامب وأمريكا ومجلس الأمن..
• وماذا عن علاقة أمريكا بتنفيذ قرار مجلس الأمن ؟
» يربط البعض التدخل الأمريكي في ملف نزاع الصحراء بولاية الرئيس دونالد ترامب دون أن يعي أن الحضور الأمريكي صادر من واضع اليد على القضية، أي مجلس الأمن كجهة مختصة، وصاحب الولاية الحصرية والاحتكار المطلق وحق التدخل بالإشراف والتدبير بدون منازع؛ فوجود أمريكا في خضم تطورات الملف بتدخلها ومواكبتها، تم بتكليف رسمي من طرف مجلس الأمن، الذي فوض لأمريكا أهلية المدبر والمشرف الأساسي والمواكب لعملية تنفيذ قراره 2797، ولأجله تدير وتتحرك، تُشعر، تنذر وتتوعد وتهدد، ولأجله وبسببه حددت أمريكا للجزائر سقفا نهائيا لا يتجاوز سنة ونصف لتفكيك المخيمات، وهي مهلة لن تتوقف لترتيب الأثر ما لم يحدث حادث فجائي أو قوة قاهرة.
بين السفير الأمريكي.. ومناورات الجزائر والبوليساريو
• سبق التصريح وتحديد شهر يونيو موعدا لتوقيع الاتفاق الإطاري، هل لديكم معطيات حول مدى إمكانيات احترام الموعد وبعض ملامح هذا الاتفاق ؟
» في البداية؛ أود التركيز على حقيقة أساسية، وأختلف في ذلك فيما ذهب إليه السفير الأمريكي بالمغرب، ديوك بوكان؛ فالبوليساريو لا ترفض صراحة مناقشة الحكم الذاتي المغربي خلافا لما ذهب إليه، بل ترفض جعله خيارا وحيدا، وتطالب أيضا بجعله موضوعا للاستفتاء كآلية وحيدة للمصادقة عليه، وهي بمثابة شروط على قرار مجلس الأمن 2797 الواضح ورفض ضمني لتنفيذه؛ فالنتيجة واحدة: رفض الحكم الذاتي ورفض تنفيذ قرار مجلس الأمن، وهو ما يدخل ضمن خطة وتكتيكات استهلاك واستنفاذ الوقت وهدره وضياعه، فالوقت يعتبر عنصر تحدٍّ كبير يجب استغلاله بذكاء ودهاء كبيرين.
• وماذا عن الاتفاق الإطاري للحل في نزاع الصحراء المغربية؟ وما هي طبيعة المرافعات والحلول المغربية ودفوعات الجزائر والبوليساريو ؟
» إن تحديد معالم الاتفاق الإطاري السياسيpolitical framework agreement، الذي سيحدد المبادئ العامة والقواعد الأساسية المؤطرة للانتقال إلى نظام الحكم الذاتي في جهة الصحراء،
باعتباره وضعا سياسيا جديدا ونهائيا، يستدعي أولا التوافق حول جوهره ومضمونه؟ وعلاقة ذلك بقرار مجلس الأمن ومبادرة المغرب بالحكم الذاتي وتفصيلها؟ وحول آلية المصادقة عليه؟ بواسطة اتفاق أو عرضه على مجلس الأمن؟ ومراحل ومدد المفاوضات حول مضمونه النهائي، والجهة المؤهلة لمراقبة تنفيذه، وهي نقطة بالغة الصعوبة والتعقيد، والجهة أو الجهات المكلفة بذلك؟ كلها مواضيع ستكون موضع طرح ورفض وإصرار ومناقشة ومعارضة وجدال، قبل الوصول إلى توافقات عبارة عن تنازلات، إن كتب للمسار الحالي الاستمرار والنجاح !؟
ومن المفترض والمحتمل أن يستغرق مدى الحسم في كل ذلك، وبشكل نهائي، نفس مدة الأجل المضروب للجزائر لتفكيك المخيمات (سنة وستة أشهر)، كما أن الاتفاق الإطاري سيُعنى وسيتفرغ أيضا لتطبيق خيارات الحلول الدائمة لإنهاء اللجوء، وفقا لتحديدها في القانون الدولي بمقتضى “اتفاقية جنيف” 1951 (المادة الرابعة/ الفقرة جيم)، بتنظيم العودة إلى المغرب، بشرط التدقيق في هوية المعنيين؟ أو إعادة التوطين في موريتانيا؟ أو الإدماج في النسيج الاجتماعي الجزائري؟ وهو ما ترفضه الجزائر بتصريح رسمي سابق لرئيسها عبد المجيد تبون، والخلاف ما زال مستمرا بين الثلاثي: المغرب والجزائر والبوليساريو، على مستوى نقل وتنظيم حالة ودرجة العلاقة والاختصاصات بين المركز وجهة الحكم الذاتي.
• كيف يدير المغرب مباحثات ومفاوضات تنفيذ قرار مجلس الأمن والاتفاق الإطاري ؟
» يريده المغرب مستقرا في إطار معادلات وأوضاع تدعم الوحدة الترابية، وهو على حق في ذلك، ويستدل على ذلك لدعم وتعضيد عروضه النهائية، بالمتعارف عليه في التجارب الدولية، ولا يشكل المغرب استثناء ولا سابقة أولى في التجربة، فكل التجارب الدولية تجعل علاقة النطاق الجزئي محل الحكم الذاتي مستمرة ومنظمة مع النطاق المركزي ومع بقية الأجزاء، مرتبطا تابعا متحدا وموحدا، وهو خلفية القرار الصادر بتاريخ 31 أكتوبر 2025، الذي يصادف يوم صدور قرار مجلس الأمن “عيدا وطنيا للوحدة”.
فالمركز، أي نطاق المركز، يبقى مراقبا وتحت رقابة قضائية، وممثلا ومشرفا وضامنا للوحدة والأمن والسيادة الواحدة الموحدة للفرع بالأصل وببقية الفروع وفقا للدستور، لما يسمح للساكنة محليا وجهويا، بحق وحرية اتخاذ القرار، يساهمون فيه ويشاركون فيه تبعا لمبادئ الحكامة، ولهذا يشتغل المغرب على ورش كبير لدعم الحكامة المحلية والجهوية وفقا لمبادئها الأممية، وهي الضمانة التي يقدمها لإنجاح الحكم الذاتي.
كما يستشهد المغرب بالقرار الأممي موضوع التنفيذ الذي ينص على الحكم الذاتي؛ فالأطراف تجاوزت مراحل التحقيق والمساهمة في صناعة الحل إلى مرحلة تنفيذه بعد كشف مجلس الأمن عنه وإعلانه، وهو الحكم الذاتي؛ هذا القرار الأممي 2797 يدعم السيادة المغربية ويجعلها في الأولوية، ويرتب الحكم الذاتي محددا لهذه السيادة وشرطا للحل وحلا للنزاع في نفس الوقت.
فالقرار لا ينفي ولا ينكر حقوق المغرب المسنودة بشرعية التاريخ ورجحان القانون والتأكيد القضائي والقبول والاندماج الشعبي المجتمعي في الوحدة والمؤطر أخيرا بالشرعية الأممية، وأن المباحثات منصبة وموجهة نحو التفاوض في إطار المشروع المغربي بالحكم الذاتي المعلوم وليس مجهولا، وفقا لنص المبادرة الأولى لسنة 2007 وتفصيلها المقدم بعد صدور القرار الأممي.
• كيف تريد الجزائر والبوليساريو إفراغ القرار الأممي 2797 من مضمونه ونسف الحكم الذاتي؟ وما نقط قوة مركز المغرب ؟
» في الطرف المقابل للمرافعة المغربية المدعومة بقرار مجلس الأمن موضوع التنفيذ، فإن الآخرين، وخاصة الجزائر والبوليساريو، يدفعون في اتجاه إفراغ الحكم الذاتي من مضمونه، وتجريده من محتواه، وجعله انفصالا في غلاف الحكم الذاتي، الذي تريده شكليا أو على الأقل ترك الحكم الذاتي بدون ضمانات ليشكل لبنة وبداية لمسار جديد للانفصال مستقبلا، وهو ما لا يقبله المغرب، لأن عرضه محدد بسقف بقاء السيادة مغربية، وبشرط ثاني هو استصدار إشهاد أممي بنهائية النزاع أو لا شيء.
والشرط الأخير يحيلنا إلى طرح وتأكيد احتمال جد أكيد، انطلاقا من استنطاقي الصارم للنصوص تبعا لأطروحة “لا شيء خارج النص”، لجاك دريدا في كتابه: “في علم الكتابة”، الذي يقودنا إلى الوعي النقدي الجذري، والحقائق دائما مبنية، ومفاد الفكرة والفرضية، أن مجلس الأمن هو الآلية المؤهلة في الأخير للمصادقة على الحل النهائي، الذي سيكون ثمرة مباحثات الأطراف في حالة إدراك التوافق في إطار القرار الحالي، الذي وضع الحل في الحكم الذاتي عبر التفاوض، تحت طائلة حلول مجلس الأمن محل الأطراف للمصادقة على الحكم الذاتي حلا غير قابل للتفاوض .
وستتعاون الأمم المتحدة والدول الكبرى والمجتمع الدولي مع المغرب، لتنفيذ الحكم الذاتي، وقد دشن المغرب ذلك على الميدان من خلال قدرته على بناء قناعة وديناميكية تأييد الحكم الذاتي المستمرة، وهناك من ساهم وشارك في لبنات تنفيذه، كما أن مجلس الأمن لا يشتغل بمنطق العبث، بل يتملك مسارا دقيقا في إطار نسخته للحل، بعد أن ربط النزاع بعلاقته بالسلم والأمن الدوليين، وفق ما فصلته في الجواب عن أحد الأسئلة أعلاه، عندما تحدثت عن ديناميكية تقرير المصير والسلم والأمن الدولي وعلاقتهما بنوع وطبيعة قواعد القانون الدولي، بين المكملة والآمرة.

التأويل القانوني للمبادرة المغربية بعيدا عن الاستفزازات
• هل يمكنكم، تعميما للفائدة بحكم طبيعة عملكم كمحامي وخبير في القانون الدولي وباحث في ملف نزاع الصحراء، شرح العلاقة بين أركان حل النزاع، بين السياسي والقانوني ؟
» يبقى هذا الشق مظهرا أساسيا للاختلاف في تأويل وتفكيك التوجيه الأممي، الذي يحث على حل سياسي توافقي واقعي وعملي بما يضمن تقرير المصير؛ فالجزائر والبوليساريو يفسرونه اتفاقين مستقلين: الأول سياسي والثاني قانوني مرتبط بإجراء الاستفتاء للمصادقة على الاتفاق السياسي، أي الحكم الذاتي.. والحال أن الاتفاق المطلوب من الأطراف – وفقا لتذكير مجلس الأمن – واحد ووحيد يتضمن الشق السياسي، الذي هو الحكم الذاتي بعد صدور القرار رقم 2797، والشق الثاني من الاتفاق، هو التوافق في نفس مباحثات الحكم الذاتي عن طريق المصادقة عليه.
فمجلس الأمن فوض للأطراف التوافق والإبداع والتفكير في ابتكار طريقة، أو خلق آلية جديدة للمصادقة على الحكم الذاتي المطابق للشق السياسي للاتفاق بعيدا عن اختزاله في الاستفتاء؛ فالإرادة شيء وآليات التعبير متعددة ومختلفة، ومن الخطأ ربطه دائما بالاستفتاء، لا سيما مع عجز الأمم المتحدة عن الحسم في الجسم والقاعدة الانتخابية على غرار ملف نزاع الصحراء المغربية، ولهذا تجتهد الجزائر لمحاصرة التوجه الأممي، فهما، أي الجزائر والبوليساريو، تتشبثان بالاستفتاء كآلية وحيدة لعرض الحكم الذاتي عليها بغية المصادقة عليه، وهو تأويل اعتباطي يتناقض مع توجيه مجلس الأمن، الذي حدد من ذي قبل شروط ونعوت وأركان الحل، وكشف عنها لأول مرة في قراره الحالي 2797، موضوع التنفيذ بجعل تقرير المصير هو الحكم الذاتي المغربي بعد التوافق عليه، وهم في ذلك يريدون ضرب صفح على عصارة تحقيقات وعمل ومجهود خبراء الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولا يكترثون للديناميكية والتطور الذي أجراه مجلس الأمن على قاعدة تقرير المصير، عبر أربعة مراحل قبل استقراره المطابق للحكم الذاتي؛ من الاستفتاء خلال خطة التسوية، ثم تمليك الأطراف حق واختصاص الاتفاق عليه في اتفاق واحد حول الجوهر السياسي والشكل القانوني في المرحلة الثانية، في بداية المقاربة السياسية، ثم ربطه بدور ومسؤولية الأطراف في التنمية والحفاظ على الأمن والاستقرار في المرحلة الثالثة، انتهى واستقر في جعل الحكم الذاتي بمقتضى القرار 2797 موازيا لتقرير المصير.
وقد تم ذلك تدريجيا، وهناك عمل موازي على إثر نقل النزاع إلى إقليمي ومهدد لأركان الواقعية (التنمية في المنطقة المغاربية/ الأمن والاستقرار في المنطقة المغاربية بترددات مداها حتى الساحل والصحراء) في إطار احتمال وفرضية تطوره لحرب شاملة، فالحرب – كما أقول دائما – مزاج بشري محض، وأستدل لدعم انتقال النزاع إلى علاقته بالسلم والأمن الدوليين، بما اعتمدته وأقرته وتبنته إسبانيا مؤخرا، عندما جعلت أمنها القومي من أمن المغرب، وهو تحول إسباني جديد ما دام مجلس أمنها القومي سبق له إسقاط نزاع الصحراء كعامل مهدد لأمنها الإقليمي، قبل أن تتراجع عن ذلك بجعل أمن المغرب بأكمله من أمنها، وهو توجه اتخذ في إطار خارطة طريق تطوير العلاقات بعد الدعم الإسباني على إثر رسالة رئيس الحكومة الإسباني بيدرو سانشيز إلى الملك محمد السادس.
والأكيد أن الجزائر تتخبط وتترنح.. وتعمل على التصعيد وافتعال أزمات عبر استفزازها للمغرب في قرية إيش وعلى مستوى قاعدة بئر أنزران بالداخلة، ودفع البوليساريو للقيام بقصف السمارة بمقذوفات وصواريخ “غراد”، وتتخذ ذلك بخلفيات واضحة، هي محاولة المشاكسة والمماطلة وربح الوقت واستنفاده.. لعلها تجد وسيلة لتسفيه ونسف الحكم الذاتي.
• سؤال أخير، هل أنتم متفائلون من نتيجة المفاوضات؟ وكيف ترسمون مسار مستقبل مبادرة المغرب بالحكم الذاتي ؟
» لقد تناست الجزائر بأن الحكم الذاتي رسخ قاعدة عنوان الحقيقة، ولا يمكن تغيير هذا العنوان الأممي مهما طال الزمن، وأقول قولتي المشهورة: “بعد القرار 2979 لن يكون هناك سوى هذا القرار” في إطار جمع شمله بالصيغة التنفيذية بدون تفاوض وبإرادة مغربية منفردة؛ فالحكم الذاتي المغربي أصبح صكا نهائيا وحكما نهائيا وسندا تنفيذيا، واكتسب صفته القطعية وواجب التنفيذ، وسينتقل من المبادرة إلى المشروع الأممي إلى النظام الأساسي لـ”جهة الصحراء الكبرى”، وفقا لتسمية أطلقتها شخصيا.
فالقرار الأممي والحكم الذاتي المغربي لا ولن يقبل النكوص والتراجع، استنادا إلى قاعدة ونظم قانونية أخرى توفر له الصيانة والحماية والكفالة التي تحكم وتؤطر عمل مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، وهو التزام ومسؤولية في إطار مبدأ وقاعدة الحفاظ على التقدم المحرز، وقد أعدت أمريكا والأمم المتحدة استراتيجية عمل شاملة مستمرة ومستمدة من التقييم الدوري والتنسيق وتوحيد العمل والجهود، لحصانة المجهود الأممي من التقهقر والتراجع، ومن العبث..
لذلك، فإن سعي الجزائر الأوحد حاليا متجه ومركز نحو عرقلة الإرادة الأممية الأكيدة، وكبح المسار السريع الذي اتخذته أمريكا والأمانة العامة للأمم المتحدة لتنفيذ قرار مجلس الأمن 2797، والوصول إلى الحل السياسي بتنفيذ الحكم الذاتي المغربي موضوع المناقشات والمباحثات، ولربما المفاوضات لتطويره عبر توافقات تحت عنوان الحكم الذاتي الحقيقي.
بيد أن المسار والأولويات والأهداف المحددة من ذي قبل، ما زالت مستقرة وثابتة ولم تتغير، وأن الدعوة إلى جولة أخرى من المباحثات والمناقشات الأخيرة، ليس له من تفسير خارج وضع اللمسات والترتيبات الأخيرة قبل ختم النقاش حول وثيقة المبادئ العامة والقواعد الأساسية للاتفاق الإطاري، وقد اشتغل عليه خبراء وتقنيو الأمم المتحدة، بحيث تؤطر تنفيذ قرار مجلس الأمن والوضع السياسي الجديد في إطار الحكم الذاتي المغربي بالمفاوضات في النسق الحالي، أو بدون مفاوضات في حالة امتناع الآخرين عن الانخراط، وتحميلهم المسؤولية.
وبين هذا وذاك.. فالحل دائما مغربي يصنعه في جميع الأحوال وفي النهاية بيديه بذكاء المغاربة والسواعد المغربية والقوة المغربية، ويجب أن تكون كل هذه العوامل متأهبة ملازمة ومصاحبة في الميدان للعملية السياسية، وداعمة ومرجحة لها وكفيلة لنجاحها، ومستعدة للحسم في كل وقت وحين، وهي كذلك.





