المنبر الحر | الأحزاب السياسية.. أزمة تمثيلية أم نهاية مرحلة ؟


عندما نتأمل واقع الأحزاب السياسية بالمغرب اليوم، نجد أنفسنا أمام مفارقة كبيرة؛ فهذه الهيئات التي وُجدت أساسا لتأطير المواطنين والدفاع عن مصالحهم وتمثيل تطلعاتهم، أصبحت في نظر فئات واسعة من المجتمع عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية، بل إن الكثير من المواطنين لم يعودوا يرون فيها سوى مؤسسات انتخابية موسمية تستيقظ عند اقتراب الاستحقاقات وتختفي بعد انتهائها.
لقد لعبت الأحزاب الوطنية أدوارا مشرفة خلال مراحل تاريخية مهمة من تاريخ المغرب، وساهمت في معارك التحرير وبناء الدولة الحديثة وترسيخ بعض المكتسبات السياسية والحقوقية.. غير أن ذلك الرصيد التاريخي أخذ يتآكل مع مرور الزمن، بسبب ضعف التجديد الداخلي، وغياب الديمقراطية الحزبية الحقيقية، وتراجع مستوى النخب، وتحول العمل السياسي في بعض الأحيان إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية بدل خدمة الصالح العام.
فقد أصبح المواطن المغربي يلاحظ أن الخلافات الحزبية غالبا ما تدور حول المواقع والمناصب أكثر مما تدور حول المشاريع والبرامج والرؤى الاستراتيجية، كما أن العديد من الأحزاب لم تعد تمتلك القدرة على التعبئة الفكرية والسياسية، ولم تعد قادرة على إنتاج أفكار جديدة أو اقتراح حلول جريئة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تواجه البلاد.
إن أزمة الأحزاب ليست فقط أزمة تأطير أو تواصل، بل هي في جوهرها أزمة ثقة وتمثيلية؛ فحين يشعر المواطن بأن صوته لا يغير شيئا، وأن البرامج الانتخابية لا تتحول إلى إنجازات ملموسة، وأن الوعود تتكرر في كل محطة انتخابية دون نتائج تذكر، يصبح العزوف السياسي رد فعل طبيعي على هذا الواقع، ومن هنا يبرز سؤال مشروع: هل المغرب ما زال في حاجة إلى أحزاب سياسية بصيغتها الحالية؟ وهل يمكن تعويضها بحكومة تكنوقراطية تتكون من خبراء ومتخصصين يتولون تدبير الشأن العام وفق معايير الكفاءة والخبرة ؟
لا شك أن الحكومات التكنوقراطية توفر قدرا أكبر من النجاعة في التدبير، لأنها تعتمد على الخبرة العلمية والتخصص بدل الحسابات الانتخابية الضيقة، وقد أثبتت التجارب في عدد من الدول، أن الكفاءات الوطنية قادرة على تحقيق نتائج مهمة عندما تتوفر لها ظروف العمل المناسبة، غير أن تدبير الدولة لا يقوم على الكفاءة التقنية وحدها، فالمجتمع ليس مجرد أرقام ومؤشرات اقتصادية، بل هو فضاء للتعددية والاختلاف وتنافس الأفكار والمشاريع، ولذلك فإن غياب الأحزاب بشكل كامل قد يخلق فراغا سياسيا ويضعف آليات التمثيل الشعبي والمساءلة الديمقراطية، ذلك أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الأحزاب، وإنما في طبيعة الأحزاب الموجودة، فالدول لا تتقدم بدون وسائط سياسية قوية وذات مصداقية، كما أنها لا تتقدم بأحزاب ضعيفة ومنفصلة عن نبض المجتمع، ولذلك فإن الحاجة اليوم ليست إلى إلغاء الأحزاب، بل إلى إعادة بنائها على أسس جديدة تقوم على الكفاءة والنزاهة والديمقراطية الداخلية، والارتباط الحقيقي بقضايا المواطنين.
فالمغرب يمتلك من الكفاءات والخبرات والطاقات ما يؤهله لتحقيق قفزات نوعية في مختلف المجالات، لكن ذلك يقتضي وجود حياة سياسية قوية، وأحزاب حقيقية لا دكاكين انتخابية، ونخب تحمل همّ الوطن قبل همّ المنصب، ومشاريع مجتمعية قبل الحسابات الضيقة.
وفي النهاية، فإن مستقبل المغرب لا يمكن أن يبنى فقط بالتكنوقراط ولا بالأحزاب، بل بتكامل الإرادة السياسية مع الكفاءة والخبرة والمحاسبة والشفافية؛ فالأوطان العظيمة لا تنهض بالشعارات، وإنما تنهض بالمؤسسات القوية والرجال والنساء الذين يجعلون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.



