المنبر الحر

المنبر الحر | “باك بدون غش”.. الوزارة تدخل في تحدي معلن مع الغشاشين

مصطفى السباعي
بقلم: مصطفى السباعي

 في مقطع ساخر معبر للفنان الكوميدي المقتدر باسو، من عرضه الجميل والمفيد “مانزاكين”، يتطرق لتعامل الأنا والآخر مع المرتفق داخل الإدارة، حيث يسخر: “ماشي بحال عندنا ف المغرب ملي كتدخل للإدارة آش كيوقع ليك.. كتشوف البلاكا ديال ممنوع الرشوة.. كاتْفَكَّرها وكتمشي تجيبها من الطوموبيل.. كتكون غادي للإدارة عادي.. حتى كتلقاهوم حاطينها كبيرة.. اكبر من البيرو ديال الرايس”.

يتضح من هذا المقطع، الأثر العكسي لمحاولة الإقناع، وهي ليست سلوكا في حد ذاته، بل “ظاهرة أو تأثير” (تُعرف باسم تأثير النتيجة العكسية -Backfire Effect)، وتصف الحالة التي يؤدي فيها فعل ما أو محاولة إقناع إلى رد فعل معاكس تماما للهدف المنشود، أو تعزيز تمسك الفرد بمعتقداته السابقة، وهذه النتيجة هي بدورها نتاج “المفاعلة النفسية” (Psychological Reactance) باعتبارها استجابة دفاعية لا شعورية تحدث عندما يشعر الإنسان أن حريته أو استقلاليته مهددة، مما يدفعه إلى القيام بالسلوك المعاكس لما يُطلب منه.

تتمة المقال تحت الإعلان

تتداول مختلف المواقع والمنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، خبرا مفاده أن وزارة التربية الوطنية ستعتمد جهازا إلكترونيا متطورا من أجل تحقيق “باك بدون غش” خلال امتحانات البكالوريا لهذا الموسم، وقدمت تفاصيل عن التقنية المقرر اعتمادها وهي نظام T3-Shield، الذي طورته كفاءات مغربية من جامعة محمد السادس متعددة التخصصات للكشف الرقمي المبكر عن وسائل الغش الإلكتروني، وهذا الإنجاز التقني مشرف للكفاءة المغربية.

تتمة المقال تحت الإعلان

إنما رهان الوزارة على هذا النظام لمحاربة الغش في الامتحانات، له أكثر من دلالة ومعنى، وقد تكون له نتائج عكسية؛ فالترويج القبلي المفرط لمحاربة الغش في الامتحانات يعتبر تطبيعا معه، تماما كما حدث ويحدث مع الرشوة، وعندما ألج فضاء عموميا وأجد في مواجهتي لافتة طويلة عريضة تقول لي “لا للرشوة” أو “لا للغش”، فهذا معناه أن هذا الفضاء تُمارَس فيه الرشوة ويُمارَس فيه الغش، وتحفز الوعي للتعامل مع الظاهرة إما بالاستجابة للدعوة الصريحة للافتة بالامتناع عن السلوك، أو بالإصرار على ممارسته (النتيجة العكسية)، ورد الفعل تجاه هذه الدعوة، يختلف باختلاف الظروف: المكان، الزمان، المصلحة المقصودة وشخصية كل فرد..

تتمة المقال تحت الإعلان

بصفة عامة، يؤكد الانحياز السلوكي (Backfire Effect) أن تبيان الأدلة التي تثبت لبعض الأفراد أنهم مخطئون، يكون غير فعال، بل ويمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية، عن طريق جعلهم يدعمون موقفهم الأصلي بقوة أكبر مما كانوا يفعلون قبل ظهور الأدلة، وعلى فكرة، فإن المصطلح ابتكره عام 2010، الباحثان بريندون نيهان، وهو أستاذ بارز في العلوم السياسية بكلية دارتموث الأمريكية، وجيسون ريفلر، وهو أستاذ أمريكي بارز في العلوم السياسية، يعمل حاليا أستاذا في جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة، منذ سنة 2013، ويمثل هذا الانحياز أحد فروع الانحياز التأكيدي الذي يدور حول رفض الأفراد للمعلومات التي تتعارض مع معتقداتهم، أو تفسير المعلومات بطريقة تؤكد تلك المعتقدات.

تبعا لهذا التحليل، فإن إعلان الوزارة القبلي باعتماد نظام متطور لمحاربة الغش، ينبه الغشاشين إلى ضرورة تغيير/ تطوير تقنياتهم في الغش، وهي بذلك تؤكد على الدخول في تحدي معلن معهم، الأمر الذي سيحفزهم لرفع التحدي، خصوصا إذا استحضرنا مقومات شخصية الأفراد المعنيين، وهي المراهقة المتوسطة التي تتميز بالميل للتمرد وتزايد تأثير الأقران.

مسألة أخرى يثيرها سلوك الوزارة بهذا الخصوص، وهي لماذا لم تتكتم الوزارة عن هذا الإجراء إلى حين اكتشاف الغشاشين له عند بوابات مراكز الامتحان وداخل القاعات؟ ثم لماذا لا تحارب الوزارة الغش في “المهد” عوض محاربته على مشارف “اللحد” ؟

فالوزارة تراهن دائما على تحقيق أعلى نسبة نجاح في البكالوريا، لتسجلها في السجل الشخصي لهذا الوزير أو ذاك، كما أن نسبة النجاح في البكالوريا مشروطة بعوامل أخرى، أهمها ضبط الخريطة المدرسية ونظام التفريغ المعتمد، وبالتالي، أي تكتم على محاربة الغش، واعتماد عنصر المفاجأة للغشاشين، ستكون له نتائج كارثية على نسبة النجاح، أخذا بعين الاعتبار مستوى التدني العام لاكتساب المعارف والتحكم في المهارات، وهو ما لا يريد أي وزير للقطاع أن يوصم به.

وأما لماذا لا تحارب الغش في “المهد”، فتلكم قصة طويلة ومعقدة ترتبط بوظيفة المدرسة والخطاب القيمي في المناهج الدراسية والإشكالات التي يطرحها، وقد قارب د. عبد العزيز تكني هذا الإشكال، في بحث مفيد بعنوان: “الخطاب القيمي في المناهج الدراسية وأثره على المتعلمين بالمدرسة المغربية.. السلك الثانوي التأهيلي نموذجا”.

من المفترض في وزارة من حجم وزارة التربية الوطنية، أن تتوفر على مستشارين في العلوم الإنسانية التي يشكل سلوك الإنسان موضوعا لاشتغالها، للاستفادة من خبراتهم قبل الإقدام على أي إجراء هدفه تغيير سلوك المتعلمين، ولا بأس من تنبيه الوزارة الموقرة إلى بعض التأثيرات الجانبية للترويج الإعلامي المفرط أو المكثف والمبالغ فيه لإجراءات محاربة الغش، والتي قد تكون عكسية أحيانا:

  • تضخيم حجم الظاهرة عبر إعطاء انطباع بأن الغش هو الأصل، مما يشوه صورة التلميذ والمنظومة معا؛
  • صناعة “بطل وهمي” من خلال تحويل الغشاشين في نظر أقرانهم إلى أذكياء يتحدون ترسانة الوزارة التكنولوجية؛
  • زيادة منسوب القلق بخلق ضغط نفسي رهيب على التلاميذ المجتهدين بسبب أجواء “الثكنة العسكرية”؛
  • إلهاء الرأي العام من خلال توجيه النقاش نحو العقاب بدلا من إصلاح جوهر التعليم ومناهجه؛
  • نقل الخبرة العكسية من خلال تعريف التلاميذ بوسائل وطرق غش جديدة لم يكونوا يعلمونها.

وتماشيا مع نهج الوزارة في محاربة الظاهرة عند مشارف “اللحد”، نشير إلى أن غالبية رجال ونساء التعليم الذين يتم تكليفهم بالحراسة في الامتحانات، يتفادون إنجاز تقارير التلبس بالغش تفاديا للمضايقات المتوقعة من الغشاشين المعنيين داخل وخارج أسوار المؤسسات، والتي قد تبلغ أحيانا حد العنف الجسدي، ناهيك عن الاعتداءات اللفظية والنفسية والعنف الرقمي، وبالرغم من تدخل الأكاديميات الجهوية والوزارة لإدانة هذه الأفعال وإيفاد لجان للتحقيق، مع التأكيد على تنصيب نفسها طرفا مدنيا لمؤازرة الأطر التربوية المتضررة، إلا أن ذلك لا يردع الغشاشين في غالب الأحيان، وإلا لماذا تستمر الظاهرة. تُرى لماذا لا يعتبر المراقبون الذين يحررون محاضر التلبس بالغش في الامتحانات، تحت حماية الشهود والمبلغين والضحايا والخبراء والتي يؤطرها القانون رقم 37.10 ؟

على أي حال، ستعلن الوزارة، بعد الإعلان عن نتائج هذه الامتحانات، عن فعالية هذا الإجراء، وأن نسبة الغش انخفضت بكذا وكذا، وتبقى حليمة على عادتها القديمة ما لم يتم التوجه طولا نحو جذور الظاهرة وليس فروعها وأغصانها.

وكل امتحانات والغشاشون مع تحدٍّ جديد..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى