المنبر الحر | العشر الأوائل من ذي الحجة.. مواسم القرب والأنوار الإلهية


جعل الله لعباده مواسم للطاعات، تتنزل فيها الرحمات وتفيض فيها النفحات، وتُفتح فيها أبواب السماء للداعين والتائبين والمستغفرين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
إن أيام العشر الأوائل من ذي الحجة ليست مجرد أيام تمر في رزنامة الزمن، بل هي مواسم ربانية عظيمة، تتجلى فيها معاني العبودية الخالصة، وتتعانق فيها الأرض بالسماء، وتسمو فيها الأرواح المؤمنة نحو بارئها طلبا للعفو والرضى والقرب.. إنها أيام اختصها الله تعالى بالفضل، وأعلى قدرها بالقسم في كتابه العزيز حين قال سبحانه: ((والفجر وليال عشر))، وما أقسم الله بشيء إلا لعظيم منزلته وشريف مكانته.
وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الأيام بأنها أعظم أيام الدنيا، فقال: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام))؛ فهي أيام تجتمع فيها أمهات العبادات كلها: الصلاة، والصيام، والصدقة، والذكر، والحج، وقراءة القرآن، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الخلق، والتوبة والإنابة.. وكأن الله سبحانه فتح لعباده في هذه الأيام أبوابا واسعة للعودة إليه، فمن فاته شيء من مواسم الخير في غيرها، وجد فيها فرصة جديدة لغسل القلوب وتجديد العهد مع الله.
وفي هذه الأيام المباركات، يقف الحجيج على صعيد عرفات، في مشهد تهتز له القلوب خشوعا وهيبة، وقد تجردوا من زخارف الدنيا ولباس التفاخر، متساوين أمام الله، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، يرفعون أكف الضراعة قائلين: “لبيك اللهم لبيك”.. وما أعظمها من كلمات تهدم كبرياء النفس، وتوقظ في الإنسان معنى العبودية الحقة، فالحج ليس رحلة أجساد فحسب، بل هو سفر الأرواح إلى رحاب الله، ومدرسة للتوبة والتجرد والطهر.
أما يوم عرفة، فهو تاج هذه الأيام المباركة، ويوم العتق والمغفرة وإجابة الدعاء، يوم يباهي الله فيه ملائكته بعباده الواقفين بعرفة، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة))، ففيه تفيض الرحمات حتى يشعر المؤمن أن أبواب السماء قد فُتحت على مصاريعها، وأن الله ينادي عباده ليعودوا إليه مهما عظمت ذنوبهم، فما أحوج القلوب في هذا اليوم إلى صدق الدعاء، وكثرة الذكر، والانكسار بين يدي الله، لا سيما بقول: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير”.
ثم يشرق يوم عيد الأضحى، يوم الفرح بالطاعة، ويوم الوفاء والتضحية، الذي يذكرنا بمقام سيدنا إبراهيم عليه السلام حين امتثل لأمر الله بقلب المؤمن الموقن، فكان الجزاء أن جعل الله ذكره خالدا، وأبدل الذبح العظيم رحمة بالأمة، ومن هنا كانت الأضحية رمزا لمعاني البذل والطاعة والتقرب إلى الله، لا بمجرد الذبح، بل بما يحمله القلب من إخلاص وتعظيم لشعائر الله.
ومن أعظم ما يتقرب به العبد في هذه الأيام: الصيام، خاصة صيام يوم عرفة لغير الحاج، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكفر ذنوب سنتين؛ سنة ماضية وسنة قادمة، وكذلك قيام الليل، والإكثار من التكبير والتحميد والتهليل، فقد كان السلف يعمرون هذه الأيام بذكر الله حتى تضج البيوت والأسواق بالتكبير:
“الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد”.
وما أجمل أن يستقبل المؤمن هذه الأيام بتوبة صادقة، يطهر بها قلبه من أدران المعاصي، ويجدد بها صلته بالله، فالمعاصي ظلمة والطاعات نور، ومن أراد القرب من الله فليفر من الذنوب فراره من النار، وليعلم أن أعظم الخسارة أن تمر هذه المواسم المباركة دون أن تترك أثرا في القلب والسلوك والروح.
لقد جعل الله هذه الأيام نفحات ربانية تهب على القلوب، فمن تعرض لها بصدق نال من خيرها، ومن أعرض عنها فقد حرم نفسه خيرا كثيرا، والمؤمن العاقل هو من يدرك أن العمر قصير، وأن مواسم الطاعات ليست مضمونة التكرار، فكم من أناس كانوا معنا في أعوام مضت ثم غيبهم الموت وبقيت أعمالهم شاهدة لهم أو عليهم.
فلنغتنم إذن، هذه الأيام المباركة بالصلاة والذكر والصيام والصدقة وقراءة القرآن، وبر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الناس، ولنجعلها محطة إيمانية نرتقي فيها بأرواحنا ونغسل بها قلوبنا من غبار الدنيا، عسى أن نكون من أهل المغفرة والرضوان.
وفي الختام، فإن العشر الأوائل من ذي الحجة ليست مجرد أيام فضيلة، بل هي رسالة ربانية متجددة إلى الإنسان بأن باب الله لا يغلق، وأن رحمته أوسع من الذنوب، وأن طريق العودة إليه يبدأ بخطوة صادقة من القلب، فطوبى لمن عمرها بالطاعة، وأحيا لياليها بالذكر، وفاز فيها بالقرب من الله، فإن السعيد حقا من خرج منها وقد غُفرت ذنوبه، واطمأن قلبه، واستنارت روحه بنور الإيمان.



