المنبر الحر

المنبر الحر | مفهوم وعلاقة تمغربيت بين الأنا والآخر

المختار العلوي
بقلم: المختار العلوي

 لا يمكن تناول هذا الموضوع بإسهاب ووضوح إلا باستحضار الملك الراحل الحسن الثاني، الذي كان على درجة كبيرة من الوعي والإدراك بخصوصيات الشخصية المغربية ومقوماتها، ولأنه على هذا الحال تصدى لكل التيارات إيمانا منه بأنها لا تصلح كسماد لتربة مغربية، وهي تربة متنوعة، وعلى هذا الأساس كانت الخيارات الأولى، التي تضمنها قانون الحريات العامة لعام 1958 وأكدها دستور 1962، قد جاءت في وقت مبكر لتؤكد على ضرورة إغلاق الباب في وجه الحزب الوحيد والاستعاضة عن ذلك بالتعددية، وقد خاض الحسن الثاني معارك ضارية على الجبهتين الداخلية والخارجية، لكي يظل المغرب على مغربيته دون أن تطاله التيارات الفكرية والعقائدية التي غالبا ما تكون متناقضة، وقد تحمل معها تداعيات خطيرة ومهددة للأمة المغربية، وفي خطبه أكد غير ما مرة على حماية هذه الهوية وصونها، وكان حرصه شديدا على لغة التخاطب إذ كان يفضل أن يخلط الطفل المغربي بين الدارجة وتريفيت أو تمازيغت أو تشلحيت، على أن يخلط في حديثه بين العربية والفرنسية أو الإسبانية، ويشدد على أن ذلك في غاية الأهمية بخصوص جعل الهوية أكثر مناعة، ومن جملة وصاياه أن دعا المغاربة إلى تعليم أبنائهم القرآن في “المسيد” على اعتباره المدرسة الأولى في الهوية وفي الوطنية.

وفي العهد الجديد، كان الملك محمد السادس خير خلف لخير سلف، ومع تربعه على عرش المملكة أعطى دفعة قوية للمكون الأمازيغي في خطاب أجدير، معلنا فيه عن تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بتاريخ 17 أكتوبر 2001، كما أبان جلالته عن حرص شديد بعد أن أعطى الهوية المغربية أبعادا حقيقية، وذلك بالاعتراف الكامل بمكوناتها العرقية والدينية وجعلها محصنة في القانون الأسمى للمملكة بعد أن بوأها مكانة خاصة في دستور 2011، الذي نص بوضوح على أن “المملكة دولة إسلامية ذات سيادة كاملة متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية الموحدة بانصهار كل مكوناتها العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية والحسانية والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وبفضل عناية الملك الحسن الثاني والملك محمد السادس، أصبحت الهوية المغربية مصونة من خلال دستورها ومؤسساتها وعلى رأسها المؤسسة الملكية، وبجمعياتها التي يجب أن تنشط من خلال الإطارات القانونية المتاحة لكي تستكمل طريقها نحو التنزيل المطلوب، ومن المؤكد أن الرعاية الملكية أعطت الهوية حماية رسمية وطابعا إلزاميا وجعلها في منأى عن عبث الحركة السلفية الشرقية التي لطالما تأثر بها أقطاب الحركة الوطنية في المغرب.

تتمة المقال تحت الإعلان

كما أن هذه المبادرات الملكية قطعت الطريق على أصحاب الفكر الواحد الأوحد الذين لا يؤمنون بالتعدد والاختلاف ويؤمنون فقط بالإقصاء، حيث لا مكان لفكر إقصائي في مغرب متعدد.

تتمة المقال تحت الإعلان

في الوقت الذي نجد فيه كتابات تحدثت في الفترة الكولونيالية عن “الروح المغربية” (فرانسوا بونجات/ 1948) وفي مطلع الاستقلال وبعده عن الحضارة المغربية (الفقيه المنوني، الحسن السايح، ثم الخطيبي)، لم يكن من الغريب أيضا أن كتاب “الحضارة المغربية” كان موجها في الأصل في أواخر القرن الماضي لأبناء الجالية المغربية، التي بدا للخطيبي وطاقم المؤلفين معه أنهم الفئة الأحوج لعدم نسيان تلك الحضارة التي ينتمون إليها.

وتميز المغرب عن الدول المجاورة، المغاربية والإفريقية، يتمثل في نظره في الدولة العريقة، إذ لا غرو في أن مفهوم الدولة وشرعية دولة ما ووظيفتها، يتمثل في كونها تحدد خصوصيات مجتمع ما (نفسه)، هنا يتقاطع تفكير الخطيبي مع العروي، بعد أن كان من أوائل من رفضوا تاريخانيته العقلية، إذ تنبني الحضارة المغربية في نظر الخطيبي على “الانسجام” الداخلي الذي يقوم على مفهوم الدولة والقيم المتوارثة، سواء كانت دينية أو علمانية.

يقفل المؤلف سعيد بنيس: “يبدو أن تثبيت تمغربيت كسردية تتقاطع ضمنها اليقينيات المحلية، صار رهين خيار استراتيجي وثقافي ومؤسساتي وسياسي ودستوري وإنساني وحضاري، يمكن من ضبط آليات التساكن وممكنات العيش المشترك وتعزيز عناصر الرابط الاجتماعي، وبناء عقد مجتمعي أساسه تحقيق تنمية نوعية تزاوج بين القوى الناعمة والقوى الصلبة وتبوئ المملكة المغربية مكانة متميزة على الصعيد الإقليمي والعالمي”. إنها صمام أمان أمام مخاطر التعدد والتنوع والانتقال إلى هوية مواطنة تنبني على “نحن مغربية” منفتحة ومتسامحة.

كما أنه يستوجب من ناحية أخرى، أن نأخذ بعين الاعتبار التحولات السياسية والجيواستراتيجية التي يعيشها المغرب في علاقته بإفريقيا والشرق الأوسط، وهي تحولات انفتاحية تخلخل ضمنيا أي تمركز عرقي أو حضاري حول الذات، وتفصح عن هوية تعددية منفتحة لا تقبل الانغلاق، أم أننا نسينا أن المغرب كان يسمى “المغرب الأقصى” وأن ثمة مغارب أخرى، مهما كان وضعها الحالي، فهي تظل موشومة بانتمائها المغاربي ذاك.

لذلك، فتمغربيت هي عبارة عن دينامية متفاعلة لا يمكن فصل أي عادة أو أي ثقافة مغربية عن الأخرى، وبالتالي فتمغربيت هي: نحن، هن، أنتم، هم وأنتن.. لأن التعايش يحتاج لدينامية أخوية، الأول يكمل الثاني بكل تأكيد ودون أدنى شك، فالمغرب هو وطن المغاربة يسعهم جميعا، من يوجد بداخله ومن كتبت له الأقدار أن يهاجر، وكل المغاربة يحملون دم وطنهم الذي سالت دماء أجدادهم وآبائهم دفاعا عنه وحماية له، وارثون بها أرضه وسار الوطن يجري في عروقهم.. بذلك تكون تمغربيت، الهوية المغربية لذلك النسيج الحضاري المتفرد المبني على الوحدة في التنوع، وتتميز بعمقها التاريخي وانصهار مكوناتها العربية الإسلامية الأمازيغية والصحراوية مع روافد إفريقية وأندلسية ومتوسطية، حيث تعتبر العقيدة الإسلامية هي الركيزة الأساسية بينما تشكل التعددية اللغوية والثقافية إثراء لها، بحيث يكرس الدستور حماية هذه الهوية المتعددة في ظل الدين الإسلامي الذي يعتبر المكون الأهم والعمود الفقري للشخصية.

لكن، هل يا ترى نريد فعلا إيجاد قاسم مشترك يجمع المغاربة كلهم؟ هل الهدف الذي ترمي إليه هو إدماج المغاربة بمكوناتهم المتعددة في كل ما يسع الجميع ؟

إن مشروع العروي لا يفصل الهوية عن المؤسسات السياسية والاقتصادية، بل يرى أن إصلاح المدرسة واللغة والدولة.. كلها مفاتيح أساسية لإعادة صياغة وطنية حديثة تتجاوز أشكال الهوية البالية، ويرى طه عبد الرحمن أن الهوية لا تختزل في السياسة أو العقل، بل في القيم والأخلاق.

إن المغرب بجميع جهاته مهما تعددت، وطن يعيش فينا ونعيش فيه، نتبادل معه الحب والعشق في التحام ليس كقطعة أرض ولدنا فيها ونقيم، ولكنه التحام بالقلب والعقل والضمير كمصدر خير وحافز للإبداع والإنتاج في تعايش ملتئم ومتضامن مع كل الذين يشاركون العيش فيه كما تناول الراحل عباس الجراري في كتابه: “الهوية الوطنية والجهوية”.

مما تقدم، نستنتج أن الهوية المغربية هي البطاقة الوطنية لتمغربيت والإرث الخالد الذي يلهم العالم، وبذلك تعد تمغربيت بمثابة سردية وطنية وقوة ناعمة تهدف إلى ترسيخ الهوية المغربية وحماية الموروث الثقافي والحضاري العريق من الاندثار أو التيارات المتطرفة، وهي تجسيد لخصوصية الشخصية المغربية وتعايش جميع مشكلة جوابا علن سؤال الهوية و”شكون حنا؟” في عالم متغير، من أجل المحافظة على الشخصية المغربية وصيانتها من الاستلاب الثقافي أو التيارات التي تهدد الموروث الفكري والحضاري الممتد عبر القرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى