تحليل إخباري | “هانتا”.. لماذا ينبغي الإسراع بتفويت قطاع الصحة للجيش الملكي ؟
الأمن القومي أمام تحديات أكبر من وزارة الصحة

“اللطف يا لطيف”.. هل ستكون سنة 2026 نسخة مزيدة ومنقحة من سنة 2019، التي ولدت فيها أكبر جائحة اجتاحت العالم بعنوان “كورونا”، أم أنها ستمضي إلى نهايتها بشكل طبيعي؟ هذا هو السؤال الذي تردد بصيغ مختلفة خلال الأيام الأخيرة، بعد انتشار أخبار مرعبة لاحتياطات كبيرة اتخذتها بعض الدول لمواجهة فيروس اسمه “هانتا”، وهو فيروس مصدره الفئران(..)، و”ها أنتم” تشهدون رغم بداية مسلسل الرعب في أمريكا وفرنسا ودول أخرى.. إلا أن وزارة الصحة المغربية تسعى بكل جهدها إلى طمأنة المغاربة والتقليل من حجم الجائحة المرتقبة، لا قدر الله..
إعداد: سعيد الريحاني
يا له من تواصل في عهد وزير الصحة أمين التهراوي، الذي لا يعرف التواصل(..)، حيث تم إسناد مهمة طمأنة المغاربة لمحمد اليوبي، مدير مديرية علم الأوبئة ومحاربة الأمراض بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، حيث أكد أن “مستوى خطر وصول فيروس هانتا إلى البلاد ضعيف جدا، يقارب مستوى الصفر”.. وبغض النظر عما يقول، فإن اليوبي كان أحد الوجوه التي ارتبطت بالظهور اليومي في زمن جائحة “كورونا”، ومجرد ظهوره يحرك الذعر مما هو قادم بغض النظر عما يقول، لا سيما لدى الفئات الشعبية، وتكفي مجرد إطلالة على “الفايسبوك” لمعرفة كيفية التعاطي مع تصريحات اليوبي(..).
هكذا هي وزارة الصحة.. وربما حان الوقت للاستمرار في التوجه الجديد، وربطها بالقطاع السيادي، ولم لا إسنادها للجيش الملكي، لا سيما بعد تجربة تعيين الجنرال طارق الحارثي على رأس المجموعة الصحية الترابية بجهة سوس ماسة، وهو ما سبق أن أشارت إليه “الأسبوع”، حيث أن الجنرال لا يمكن أن يتلقى الأوامر من وزير الصحة، ولا حتى من رئيس الحكومة، اللهم المهام التنسيقية(..) بحكم تبعيته للمفتش الأعلى للجيش، الفريق أول محمد بريظ؛ هذا الأخير يتبع هرميا للقائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة، الملك محمد السادس.

((لا بد من التوضيح بأن انخراط الجيش في تدبير الشأن الصحي العام هو تكامل وضرورة استراتيجية، وليس ترفا ولا عسكرة للقطاع، لأن ما نقترحه هو توظيف استباقي واستشرافي للقدرات العسكرية في سياق مدني عند الحاجة، للرفع من جاهزية النظام الصحي وكفاءته. هذه الشراكة بين الجيش والقطاع الصحي ليست بدعا؛ فهي موجودة في دول عديدة متقدمة (فرنسا، ألمانيا، الولايات المتحدة)، وتتعدد مزاياها)).. هكذا تحدث الخبير الدكتور المصطفى كرين، في عدد سابق لـ”الأسبوع” (انظر تحليل إخباري تحت عنوان: “هل فرضت حسابات الأمن القومي تفويت قطاع الصحة للجيش الملكي؟”/ الكاتب سعيد الريحاني).

يقول المصطفى كرين، وقد كان سباقا للدعوة إلى ضرورة تأسيس مجلس أعلى للصحة، قبل تحوير الفكرة من طرف بعض السياسيين(..)، في معرض تفاعله مع ظهور الفيروس الجديد “هانتا” في تصريح جديد لـ”الأسبوع”، ويصب هو أيضا في نفس الاتجاه، أي ضرورة إسناد قطاع الصحة للجيش الملكي، يقول كرين: ((الشأن الصحي صار منذ أكثر من عقد من الزمان مصدر قلق متزايد جدا على الصعيد الدولي، لأسباب معروفة ومتعددة، من بينها الارتفاع المهول في حركة الناس والهجرة وما يترتب عن ذلك من انتقال للأمراض والأوبئة، ومن بينها الأزمة البنيوية التي وصلت إليها الأنظمة الصحية بشكل عام حتى أن من بينها من صار على حافة الإفلاس بسبب المعضلات المرتبطة بالتمويل والبحث العلمي وميكانيزمات التعامل مع الأزمات والكوارث الصحية المفاجئة والظرفية، وانتقال الشأن الصحي من مجرد تدبير روتيني للأمراض إلى أداة حرب حقيقية وخطيرة تتجاوز في خطورتها باقي الأسلحة الفتاكة التي تفتقت عنها العبقرية الشريرة لبني الإنسان..

كل هذا دفع إلى التفكير، على مختلف مستويات القرار وطنيا ودوليا، في إعادة بناء منظومة صحية كفيلة بالاستجابة للتحديات المذكورة التي، وإن تم إهمالها، قد تؤدي إلى فناء البشرية أو على الأقل جزء منها)).
لا يقف المتحدث عند إدراج الصحة في حسابات الأمن القومي، بل يضيف أمثلة معززة لهذا التوجه، حيث يقول: ((في ذات السياق، قامت المنظمة العالمية للصحة بالعمل منذ سنوات عديدة، بواسطة خبرائها من مختلف المشارب، على بلورة استراتيجية دولية تحت اسم “إصلاح الحكامة الصحية”، كما صدر في 22 دجنبر 2025 عن المنظمة، وبالتحديد عن الدورة الثامنة والخمسين بعد المائة للمجلس التنفيذي للمنظمة، تشخيص مفصل للنواقص وتحديد الثغرات واقتراح الآليات الكفيلة بإصلاح العملية التدبيرية للشأن الصحي عالميا.
والأهم من ذلك، وهو ما يهمنا في سياق هذا المقال، وفي إطار سعي المنظمة للاستجابة للتحديات الصحية ذات البعد العابر للحدود، فقد أصدرت المنظمة العالمية للصحة قبل ذلك، وبالضبط في سنة 2021، وثيقة توجيهية على درجة عالية من الأهمية، تتعلق بضرورة التنسيق على الصعيد الوطني بين القطاعات الصحية المدنية والقطاعات الصحية العسكرية، من أجل مواجهة الأزمات الصحية الطارئة، لأنها اعتبرت أن الفشل الذي يعانيه العالم فيما يتعلق بالشأن الصحي، مرتبط بعوامل محددة مثل عدم التوافق بين البرامج والأولويات، ومشاكل التواصل بين مختلف الفاعلين وتعددهم وتداخل اختصاصاتهم وتضاربها أحيانا، وتعدد قواعد البيانات وتضاربها، وعدم انسجام البرامج، والهدر المالي وارتفاع التكاليف بسبب انعدام التنسيق بين مختلف القطاعات المسؤولة عن الصحة داخل حدود معينة وفي الإطار الدولي، وعدم الانضباط في تنفيذ البرامج والأجندات والأولويات، وغيرها من العوائق، والبطء في الاستجابة للكوارث الصحية، وهو ما اعتبرت المنظمة أن التنسيق بين المصالح الصحية المدنية والعسكرية كفيل بالتصدي له بفعالية وسرعة)).
نفس المتحدث، وهو المصطفى كرين، يؤكد أن المنظمة تعتبر أنه بينما ينحصر دورها في تأطير التنسيق والتشاور بين الدول الأعضاء، فإنها غير مسؤولة عن حل المشاكل الصحية داخل حدود كل دولة، وأن هذه المهمة يفترض أن تقوم بها الدول من خلال التنسيق بين مصالحها الصحية المدنية والعسكرية، وأن الشأن الصحي يعتبر شأنا داخليا محضا بينما المخاطر الصحية تعتبر ذات بعد عابر للحدود، واندرج بالتالي ضمن الشأن الدولي، ولذلك انطلقت العديد من المبادرات الاستباقية في هذا الشأن، كان من بينها وأهمها ما شهده المغرب في التاسع من شهر دجنبر من السنة الماضية، حين احتضن لقاء هاما جدا بشراكة بين “أفريكوم” والقوات المسلحة الملكية، استضاف خلاله الورش الدولي المتعلق بمجموعة “أپورا” APORA، أي “تحالف الشركاء الأفارقة للاستجابة للأوبئة”، و”أفريكوم” كما هو معلوم هي “القيادة العسكرية الأمريكية المسؤولة عن العمليات والعلاقات العسكرية في معظم دول إفريقيا”، ويعتبر احتضانها بشراكة مع القوات المسلحة الملكية لنشاط يتعلق بمواجهة الأوبئة على الصعيد القاري، دليلا على خطورة واستعجالية بلورة استراتيجية صحية دولية تعطي للجيوش دورا محوريا في مواجهة الأخطار، ودليلا أيضا على أن الدول صارت تصنف المخاطر الصحية شأنا لا يتجزأ من الأمن القومي للدول والقارات.
أكثر من ذلك، يقول ضيف “الأسبوع”: ((إن فرنسا قامت بتنزيل هذه الاستراتيجية منذ مدة، عن طريق عقد شراكات وعقود بين مصالح الصحة العسكرية الفرنسية والوكالات الجهوية للصحة، ويعتبر العقد المبرم بين الجهتين في منطقة بريتاني (Bretagne)، والموقع في الخامس والعشرين من نونبر 2024، مثالا على ذلك، ومن بين الفصول التي يشتمل عليها العقد هناك “التدبير المشترك للأوضاع الصحية المستعجلة”، و”تقييم مستوى التحديات الجيوستراتيجية والتغيرات المجالية المرتبطة بالصحة”)).
طبعا.. لا يوجد خير دليل على قوة الجيش الملكي في التعامل مع القضايا الصحية أكثر من الدور الذي لعبته مصالح القوات المسلحة الملكية خلال أزمة “كوفيد”، والذي شكل موضوع ورقة هامة نشرها معهد “كارنيغي” في أكتوبر 2020 حول “المسؤولية المدنية-العسكرية المشتركة في تدبير الجائحة بالمملكة”.
يقول مصدر “الأسبوع”: ((لقد أدرك العالم بشكل تام وواضح أن الصحة صارت سلاحا، وأن تدبيرها يشكل جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، وركنا من أركان الرؤية الجيوستراتيجية السليمة لأي حكومة أو إدارة مسؤولة، والمغرب – لحسن الحظ – يندرج ضمن الدول التي أدركت ذلك بشكل مبكر وتتعامل معه بنفس استباقي))، قبل أن يضيف بعض المقترحات منها ((ضرورة إعادة النظر في الهيئة العليا للصحة بما يتلاءم مع متطلبات هذه الاستراتيجية، والعودة للمقترح الذي سبق أن طرحناه تحت اسم “المجلس الوطني للصحة” بما يجعل هذه الهيئة تتمتع بصلاحيات تقريرية من جهة، وأن تكون تحت الإشراف الملكي المباشر والفعلي)).. حسب الدكتور كرين، الذي سبق أن عمل في صفوف الجيش الملكي بوصفه طبيبا في الأساس(..).
وأخيرا، حاولت عدة مصادر إعلامية المقارنة بين فيروس “كورونا” وفيروس “هانتا”، فاستقر الأمر على الفروق التالية: فيروس “هانتا” هو مجموعة من الفيروسات التي تنتقل غالبا من القوارض إلى الإنسان، وقد تسبب أمراضا خطيرة تؤثر على الرئتين أو الكلي، وينتمي إلى عائلة “Hantaviridae”، أما فيروس “كورونا”، فهو ينتمي إلى عائلة “Coronaviruses”، ويشمل عدة أنواع، أبرزها الفيروس المسبب لمرض “كوفيد 19″، الذي ينتقل أساسا بين البشر عبر الجهاز التنفسي.






