تحت الأضواء | المدير السابق لجريدة “لوموند دبلوماتيك” يفضح العودة إلى زمن التوحش
الصحافي الكبير إغناسيو رامونيه يكشف أزمة الحقيقة
بقلم: إدريس هاني
كانت تلك الأمسية من يوم الأربعاء والخميس (15 و16) من شهر أبريل، بمثابة شمعة في ظلام دامس؛ إغناسيو رامونيه سيصنع المفارقة: الصحفي والخبير والمناضل الذي ازدانت الصحافة بنضاله كما ازدان نضاله بفكره؛ مفكر سياسي ورجل سيميائي-سينمائي يضع المفاهيم في سياقها بدُربة ترقى إلى الاحترافية، يصلح المدير السابق لصحيفة “لوموند ديبلوماتيك”، والمدير الحالي لنسختها الإسبانية، عنوانا لصمود الزمن الجميل في زمن الحماقة.
في محاضرتين أطرهما إغناسيو تباعا، إحداهما بالدار البيضاء والثانية بالعاصمة الرباط، حيث حل ضيفا على جريدة “بيان اليوم”، تألق إغناسيو في عرض قيم للوضعية الراهنة للإعلام وللعلاقات الدولية.
لم أكن محظوظا لحضور المحاضرة الأولى بالعاصمة الاقتصادية، والتي جاء عنوانها معبرا وراهنيا: “الصحافة أمام اختبار الذكاء الاصطناعي”، و”في رحلة البحث عن الحقيقة”، ولكنني أتوقع رأيه في موضوع عبر عنه في كتبه ومقالاته المحترفة في “Le monde diplomatique” و”Manière de voir”، فهو يرى بأننا بالفعل نعيش اليوم أزمة الحقيقة وأزمة الخبر.
وقد لفت انتباهي أنني أشتغل على موضوع الصحافة وقد أفردت قبل سنوات حديثا عن النحاسية رامونيه في عمل طي الانتظار، لأن إغناسيو – في نظري – هو من أبرز نجوم الإعلام الدوليين القلائل الذين يقنعونني بجودة الرأي ونقاء الموقف. لقد استطاع أن يحقق توازنا قل أن يتحقق في نظير، وهو تحرير موقف نضالي بجودة موضوعية، شيء لا يتقنه إلا مثقف عضوي. كل شيء في زمن انحراف الإعلام عن وظيفته الإخبارية، أصبح مشحونا بالزيف: مفهوم الخبير الاستراتيجي، المحلل السياسي، الخلط غير الموفق بين الموقف النضالي وحرفة الإعلام، هيمنة التهريج، شيوع التسطيح، ضياع المعنى.. ولا شك أن النقاش حول الإعلام والحقيقة وتحدي الذكاء الاصطناعي، هو نقاش جدي وملح؛ فحين يصبح الذكاء الاصطناعي مطية لاختراق المهنة، حتما سيصبح الإعلام هو القطاع الأكثر ضحية لتقويض الحقيقة.

وفي لقاء الرباط، الذي احتضنته قاعة المعهد العالي للموسيقى، كان التواصل حميدا مع مؤلف “la tyrannie de la communication”، بحضور وازن من أصدقاء وزملاء إعلاميين وسياسيين ومثقفين، وكان عنوان اللقاء: “القوة والقانون: الجيوستراتيجية في عالم متعدد الأقطاب”، فلا يمكن إحصاء الكم الهائل من الأفكار التي تضمنها خطاب خبير صادق اللهجة، وهو الإسباني الأصل، حيث قدم عرضا بفرنسية راقية، واضعا النقاط على الحروف فيما يشهده العالم اليوم من اهتزاز في مفهوم السيادة، والتفاف على القانون الدولي.
إغناسيو رامونيه الذي عاش طفولته وشطرا من شبابه في المغرب، بعد نزوح عائلته المعارضة لنظام فرانكو حوالي سنة 1945م، وبعد مكث يسير بطنجة التي اقتضى التقسيم الاستعماري يومها أن تكون دولية، سيتجه نحو الرباط لمتابعة تكوينه في الفوج الثاني للمدرسة المحمدية للمهندسين، وحيث سيغير الاختصاص وينتقل إلى كلية الآداب، وهنا حسب اعترافاته دخل عالم الصحافة. شارك جيلا من المناضلين، ولعله تلقى نصيبا من العنف في وقفات احتجاجية أمام القنصلية الفرنسية، للمطالبة بجلاء الفرنسيين من المغرب وكذا الجزائر.
في تشخيصه الدقيق للوضعية الراهنة للعلاقات الدولية، وحالة الافتراس التي آل إليها الوضع، تطرق إلى نماذج من استعمال حرب التدخل خارج القانون وبذرائع غير مقنعة: غزو العراق سابقا، الذي تسبب في آلاف الضحايا من المدنيين؛ غزو فنزويلا واقتياد الرئيس مادورو خارج البلاد بدعوى “عصابة كارتيل”، وهو شاهد على العملية حيث كان يومها بكاراكاس.
يتناول إغناسيو رامونيه تاريخ بداية احتواء القوة التي هي عنوان الدول، في إرساء قواعد لتدبير العلائق الدولية دون الحرب: كانت “اتفاقية ويستفاليا” المحطة التي شكلت مخرجا مهما للحرب، المساواة بين الدول، احترام السيادة، نبذ التدخل، ثم بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، أي عصبة الأمم والأمم المتحدة، ستخرج العلاقات الدولية من حالة توحش القوة بديلا عن القانون، لكن ما الذي حدث في هذا المفصل التاريخي؟ في نظر إغناسيو، عاد التوحش مرة أخرى؛ لقد تراجع دور الأمم المتحدة، ولم تعد الدولة العظمى في حاجة إلى الأمم المتحدة لإعلان الحرب، ولا إلى قانون دولي؛ فحين أسست الأمم المتحدة، كانت هناك 40 دولة في العالم، لكن اليوم نتحدث عن حوالي 200 دولة، ما يعني أنه ثمة ضرورة لإعادة تأهيل وتحيين النظام الدولي في سياق شروط بروز دول وأقطاب جديدة؛ ففي مثال “البريكس”، معظم المنظمين لهذه المجموعة، التي لا زالت مجموعة مفتوحة دون نظام داخلي حقيقي، معظمهم من الدول التي كانت مستعمرة، والتساؤل المشروع لدى إغناسيو هو: هل هناك أمل في عودة القوم لتنظيم العلاقة بين الدول، أم أن القوة ستحل محل القانون؟ تلك هي المسألة!

ماذا بعد..؟ هل يا ترى يمكننا الحديث عن عالم متعدد الأقطاب اليوم ؟
الواقع – في نظري – أن الحرب القائمة اليوم هي حرب إخضاع استباقية تستهدف الصين وروسيا، إذ هناك تذكير لروسيا بأن سقوط الاتحاد السوفياتي ليس سقوط حلف “وارسو” فحسب، بل هو تعزيز هيمنة القطب الواحد، ذلك هو المحتوى الحقيقي لأطروحة نهاية التاريخ.
أما الصين، فهي عقدة الصراع الكبرى؛ ذلك أن القطب الجديد يسعى إلى تحقيق تفوق عالمي وهو اليوم يخوض حربا باردة تجاوزت مفاعلها الحرب الباردة إبان الاتحاد السوفياتي، والتحدي اليوم، تقنيا واقتصاديا، يأتي من الصين، وكلفة تثبيت عالم متعدد الأقطاب ستكون باهظة.
لقاء إغناسيو رامونيه هو في حد ذاته حدث، وفي زمن تدهور رسالة وجودة الإعلام، يصبح الصحفي المخضرم، المتقن لمهنته والمخلص لفكرته، حدثا استثنائيا يستحق الاحتفاء.
وفي لقاء كازابلانكا حول الصحافة في اختبار الذكاء الصناعي وفي البحث عن الحقيقة، سنستوعب أكثر الفكرة الجوهرية التي اضطلع بها رامونيه دفاعا عن صحافة نزيهة محصنة من تسمم بيئة المعلومة، إذا ما استوعبنا الهاجس الذي كان وراء كتاب “استبداد التواصل”، وأيضا فكرة “السلطة الخامسة”.. سأتابع استدراكا محاضرته الأولى سماعا، لكن في سياق المقاربة الكلية التي اشتغل عليها رامونيه منذ سنوات خلت، حيث في حديثه قبل سنوات عن “السلطة الخامسة”، كان الهاجس هو الدفاع عن حرية العموم مقابل استبداد حرية الخاصة؛ كان الهاجس هو عولمة المجموعات الإعلامية المعولمة، بينما المحاضرة اتجهت نحو التطور الجديد، والتحدي الذي يمثله الذكاء الاصطناعي، ما يجعل المتلقي والمشاهد أمام هذا الخلط بين الحقيقة والزيف، والوقائع البديلة.. واليوم تطرح أزمة الحقيقة، في سياق تحول كبير سينتهي إلى عصر ما بعد الحقيقة.
كان إغناسيو رامونيه قبل سنوات، قد أوضح بأن الصحافة كانت هي السلطة الرابعة التي دافعت عن المواطنين، حيث في السياق الديمقراطي الذي اكتسبت فيه الصحافة صفة السلطة الرابعة، كان من الممكن أن يقع تجاوز في السلط الثلاثة، لكن في سياق العولمة وبروز شكل جديد من الرأسمالية، اختفى هذا الدور الكلاسيكي للصحافة، وخلال السنوات التي عرفت تطورا في مسار العولمة، أصبحت السلطة الرابعة بلا مضمون، وفقدت شيئا فشيئا دورها كمناهضة للسلطة. فالسلطة الحقيقية باتت في يد الشبكات والمقاولات الدولية؛ ففي هذا الإطار الجيو-اقتصادي، حصل هذا التحول أو المسخ في الحقل الإعلامي. وحسب رامونيه، فإن المجتمع هو في حاجة ماسة للمعلومة أكثر من أي شيء، بل إنه يرى أن المعلومة هي خامس عنصر ستضاف إلى العناصر الأربعة: الماء، التراب، الهواء، والنار. في هذا الإطار، دعا رامونيه قبل سنوات إلى “سلطة خامسة” لمواجهة السلطة الرابعة التي تنكرت لمهمتها التاريخية، وعلى هذا الأساس نشأت فكرة المرصد الإعلامي الدولي عند رامونيه.



