هل يكرر الشيخ معاذ “نموذج جده” في بناء جسور الثقة مع القوى الإفريقية ؟
الأسبوع – زجال بلقاسم
في مشهد يستعيد الذاكرة التاريخية للدبلوماسية الروحية المغربية، أعادت الزيارة الأخيرة للقائم بأعمال سفارة دولة جنوب إفريقيا إلى “مداغ”، تسليط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه الزاوية القادرية البودشيشية كقوة ناعمة في خدمة المصالح الوطنية، ويؤكد اللقاء الذي جمع الدبلوماسي الإفريقي بشيخ الطريقة، الحاج معاذ القادري بودشيش، على حماية الأخير للإرث الروحي للشيخ حمزة، الذي نجح تاريخيا في توظيف الرأسمال الروحي للطريقة من أجل تمتين الروابط مع نيجيريا، مما يطرح تساؤلا جوهريا حول قدرة الشيخ معاذ على استنساخ هذا “النموذج” لفتح آفاق جديدة مع بريتوريا، وتجاوز عقود من الجمود السياسي عبر بوابة الوجدان المشترك.
وتأتي هذه التحركات في سياق تحول جذري في العقيدة الدبلوماسية المغربية، التي أصبحت تعتمد المرونة والنجاعة في تدبير ملفاتها الكبرى، من خلال تفعيل قنوات “الدبلوماسية الموازية” القادرة على اختراق المسافات التي قد تقف عندها السياسة التقليدية، وهو ما يزكيه استقبال شخصية دبلوماسية تمثل إحدى أكبر القوى الإقليمية في القارة داخل الزاوية، مما يعكس انتقالا من منطق “القطيعة” إلى فضاء “الحوار المنتج”، حيث تبرز الزاوية البودشيشية، بقيادة شيخها معاذ، كفاعل ديني يسهم في مد جسور التواصل الثقافي والحضاري تماشيا مع الرؤية الملكية القائمة على سياسة “اليد الممدودة” تجاه الدول التي تتبنى مواقف متحفظة بشأن الوحدة الترابية للمملكة.
وتتجاوز هذه الزيارة أبعادها البروتوكولية لتلامس عمق القوة الناعمة للمغرب في إفريقيا، حيث تراهن المملكة على إشعاعها الصوفي العابر للحدود كآلية لتفكيك سوء الفهم الاستراتيجي وبناء ثقة متبادلة مستدامة، فالزاوية القادرية البودشيشية، بما تملكه من امتدادات روحية وفكرية قوية، تقدم لغة بديلة تتجاوز التوترات السياسية الظرفية، وتخاطب في الشريك الإفريقي، المشترك القيمي والديني، وهو ما يوفر بيئة ملائمة لتلطيف المواقف السياسية المعقدة، ويهيئ الأرضية لتفاهمات أعمق تخدم الأجندة التنموية والوحدوية للمغرب في عمقه القاري.
وتمثل “تجربة الشيخ معاذ” مع جنوب إفريقيا، اختبارا جديدا لمدى فاعلية الدبلوماسية الروحية في صياغة معادلات سياسية جديدة، تأكيدا لتجربة الشيخ حمزة مع نيجيريا، والتي أثبتت أن الطرق الصوفية يمكن أن تكون صمام أمان وجسرا للعبور نحو التوافقات الكبرى، حيث تلتحم القيم الروحية بالثوابت الوطنية، لتشكل درعا دبلوماسيا يخدم التموقع المغربي في القارة، وهو ما يزكيه حديث القائم بالأعمال على سفارة جمهورية جنوب إفريقيا، بأنه وجد راحته وطمأنينته بالزاوية البودشيشية إلى جانب الشيخ معاذ.



